الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

تجربتان في الاستعمار والعنصرية

 

د. عبد الوهاب المسيري*

صحيفة الاتحاد الإماراتية 4/10/2003

 

يمكن فهم عمق العلاقة بين الحضارة الغربية والرؤية الصهيونية من خلال مقارنة الجيبين الاستيطانيين في فلسطين وجنوب إفريقيا، فهذه المقارنة تبين أن "إسرائيل" ليست ظاهرة يهودية وإنما ظاهرة استعمارية استيطانية، كما تكشف عن أوجه تشابه عديدة، سواء من حيث النشأة أو السلوك أو المصير المرتقب.

 

لقد تشكل المستوطَن الأوروبي في جنوب إفريقيا والمستوطَن الصهيوني في فلسطين كجزءٍ من سعي الغرب الاستعماري لحل مشكلاته، خاصةً مشكلة الفائض البشري، عن طريق تصديرها. وفي هذا الإطار، طُرح حل المسألة اليهودية في أوروبا عن طريق تصدير اليهود للشرق مثلما تُصدر السلع البائرة، وعن طريق سرقة الأراضي العربية من الفلسطينيين مثلما تسرق المواد الخام من بقية العرب. وينطبق الوضع نفسه على جنوب إفريقيا، حيث تم تصدير قطاعات من الطبقة العاملة الهولندية ثم البريطانية ثم الغربية المتعطلة، وسُرقت الأراضي من الأفارقة لتوطينهم فيها.

 

ومع هذا يمكن التمييز بين نوعين من أنواع الاستعمار الاستيطاني:

أولهما هو الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى استغلال الأرض ومَنْ عليها من البشر، وهذا هو الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية والفصل العنصري (الأبارتهايد). وجنوب إفريقيا من أفضل الأمثلة على ذلك النوع من الاستعمار، كما أصبحت الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر تنتمي هي الأخرى إلى هذا النمط.

 

أما الثاني فهو الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى استغلال الأرض بدون سكانها، وهذا هو النوع الإحلالي حيث يحل العنصر السكاني الوافد محل العنصر السكاني الأصلي الذي يكون مصيره الطرد أو الإبادة. وتُعد الولايات المتحدة، في سنوات الاستيطان الأولى، أكثر الأمثلة تبلوراً على هذا النوع من الاستعمار، كما تمثل الدولة الصهيونية نموذجاً آخر (وإن كانت الإبادة هي الآلية الأساسية في حالة الولايات المتحدة، بينما كان الطرد هو الآلية الأساسية في حالة الدولة الصهيونية).

وعلى رغم الاختلاف بين "إسرائيل" وجنوب إفريقيا من منظور مرحلة التكوين الأولى، فإن التطورات التاريخية اللاحقة محت كل هذه الاختلافات وعمقت نقاط التماثل بين الجيبين الاستيطانيين.

 

نشأ الجيبان الاستيطانيان في جنوب إفريقيا و"إسرائيل" في ظروف ثقافية وسياسية متشابهة (حل مشكلة الفائض السلعي والسكاني) واتجها الاتجاه نفسه (مستوطنون بيض في أرض إفريقية أو آسيوية)، وقاما بالوظيفة نفسها (خدمة المصالح الغربية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية نظير الدعم والحماية الغربيين). ولا عجب أن وعد بلفور (1917)، الذي يستند إليه الاستيطان الصهيوني، وقانون الاتحاد في جنوب إفريقيا (1909)، الذي استند إليه نظام التفرقة العنصرية، قد صدرا في تواريخ متقاربة عن القوة الاستعمارية نفسها، بل وكان الساسة الذين سعوا إلى إصدار الوعد هم أنفسهم الذين ساندوا قانون الاتحاد، وهم لورد ملنر ولورد سلبورن ولورد بلفور وجوزيف تشامبرلين والجنرال سمطس. وفي كلتا الحالتين، كان من لا يملك يعطي من لا يستحق. ولكن، لا الملكية ولا الأحقية كانتا مطروحتين، فالعملية الاستعمارية بشقيها التقليدي والاستيطاني كانت تستند إلى التفوق التكنولوجي وإلى العنف.

 

ويُلاحظ أن العلاقة بين الدولة الإمبريالية الراعية والجيب الاستيطاني تستمر، حتى بعد إعلان استقلال الدولة الاستيطانية، فهذه الدولة ترى نفسها على أنها جزء لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الغربي. والجيبان الاستيطانيان في "إسرائيل" وجنوب إفريقيا يتصوران أنهما امتداد للحضارة الغربية في وسط إفريقيا وآسيا وأن وجودهما في هذا الموقع الجغرافي هو وجود عرضي، فهما فيه ولكنهما ليسا منه، وذلك لأنهما جزء من التاريخ الأوروبي. فإذا كان الوضع الجغرافي (المناخ المعتدل والمنطقة الساحلية) هو محاولة للتقرب من أوروبا، فالوضع الثقافي هو محاولة الإبقاء على نوع من الالتحام العضوي. وفي جنوب إفريقيا العنصرية كان السكان يُقسمون بشكلٍ حادٍ إلى بيضٍ تراثهم الثقافي غربي وسود تراثهم الثقافي إفريقي. أما في "إسرائيل"، فيُقسم السكان إلى يهود وعرب، واليهود حسب بعض التصورات ساميون، ومع هذا فهم ينظرون إلى أنفسهم باعتبار أنهم غربيون بالدرجة الأولى. وقد اختار موشي ديان جنوب إفريقيا للكشف عن مخاوف المؤسسة الحاكمة الصهيونية في "إسرائيل" من الشرق والشرقيين. ففي المؤتمر السنوي للاتحاد الصهيوني في جنوب إفريقيا عام 1974، وصف ديان ارتفاع عدد المهاجرين من اليهود الشرقيين على عدد اليهود المهاجرين من الدول الغربية بأنه أكبر مشكلة تواجه "إسرائيل"، وناشد ديان أعضاء المؤتمر أن يمدوا يد المساعدة لحل المشكلة السكانية لإسرائيل بالهجرة إليها.

 

إلا أن العلاقة بين الوطن الأم والدولة الاستيطانية لا تتسم بالمودة دائماً، فعلى رغم ادعاء الرابطة الحضارية تظل العلاقة مع الوطن الأم علاقةً نفعية. فالدولة الاستيطانية دولة وظيفية يستند وجودها إلى وظيفتها، فإن فَقَدت وظيفتها أو أصبحت تكاليف دعمها أعلى من عائدها فَقَدت مبررات وجودها (كما حدث مع كل الجيوب الاستيطانية ومنها جنوب إفريقيا). وعادةً ما يحدث الصدام بين الدولة الاستعمارية الراعية والجيب الاستيطاني بسبب اختلاف رقعة المصالح. فالدولة الراعية لها مصالح عالمية عريضة، أما الجيب الاستيطاني فمصالحه محليـة ضيقة. وأحياناً يأخذ التوتر شكل مواجهة مسلحة (حرب بريطانيا مع البوير، المواجهة العسكرية بين حكومة الانتداب البريطاني وبعض المنظمات العسكرية الصهيونية، المواجهة العسكرية بين الحكومة الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر)، أو مواجهة سياسية (موقف الدول الغربية من جنوب إفريقيا العنصرية، التوتر بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" إبان حرب 1956).

 

ومع هذا تبقى نقطة تشابه أساسية وهي أن كل الجيوب الاستيطانية التي لم تنجح في إبادة السكان الأصليين كان مصيرها الزوال. فمع بداية التسعينيات تمت تصفية كل الجيوب الاستيطانية في أنحاء العالم، ولم يتبق غير "إسرائيل" وجنوب إفريقيا. وبزوال الجيب الاستيطاني في جنوب إفريقيا، لم يبق سوى "إسرائيل"، الحفرية الأخيرة في نظام قضى وانتهى، وهو جيب استيطاني لم ينجح في إبادة السكان الأصليين الذين لا يزالون يقاومون ويستشهدون. فهل هذا يشير إلى مصير الجيب الاستيطاني الإحلالي الأخير في العالم؟ ألا يمكن القول إن الديباجات اليهودية تهدف إلى طمأنة المستوطنين الصهاينة بحيث يتصورون أنهم أصحاب حقوق يهودية أزلية وأنهم في واقع الأمر لا ينتمون إلى نمط الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الآيل للزوال؟!

 

* كاتب ومؤلف الموسوعة الصهيونية