|
الحل الصهيوني كحل عنصري طائفي
عبد الإله بلقزيز
صحيفة
الوطن السعودية 5/10/2003
حين أصدرت
الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3379، بتاريخ 15 نوفمبر
1975، والقاضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، كانت
تعترف - متأخرة - بحقيقة المشروع الصهيوني وجوهره الذي يقوم عليه،
مثلما كانت تُنْصِف - ولو رمزياً - التعريف القومي العربي، والتعريف
الوطني الفلسطيني له بوصفه المشروع الذي لا قوام آخر له سوى العنصرية
في أعلى صور التعبير عنها في التاريخ الإنساني: تقديس "العرق"
اليهودي، واستباحة "الأعراق" والجماعات القومية والمِلية الأخرى! وهي
عنصرية تتغذى من نظرة دينية تستعيد الميثولوجيا اليهودية وتعيد وعيها
من حيث هي الحقيقة المطلقة.!
ما انحصرت
العنصرية في حدود النظرة الثقافية اليهودية - والصهيونية - للعالم،
وإنما وجدت طريقاً للتعبير عن نفسها في مشروع سياسي هو المشروع
الصهيوني، وكانت نتائجها فادحة ورهيبة على صعيد حقوق شعب كامل في
أرضه هو الشعب الفلسطيني! لو تركنا جانباً الأسس الدينية التوراتية
للنزعة العنصرية الصهيونية، والنتائج الكارثية لهذه النزعة على شعب
فلسطين، واكتفينا برصد تمظهراتها المختلفة في المواقف والسياسات
الصهيونية، لأمكننا أن نقف على اثنين من تجلياتها الرئيسة - على
الأقل - في علاقة اليهود بالعالم الذي عاشوا فيه، وفي علاقتهم بالشعب
الفلسطيني الذي احتلوا أرضه واستوطنوها: كما صاغت الصهيونية تلك
العلاقة وأدارتها طيلة قرن ونيف من نشاطها في "الدياسبورا"، وفي
فلسطين! والتجليان معاً محكومان بجامع واحد هو: رفض اندماج اليهود مع
"الغوييم" (=الآخر) في محيط مشترك.!
التجلي الأول
عبّر عن نفسه بقوة قبل قيام الدولة اليهودية في فلسطين، وفي خضم سعي
الحركة الصهيونية إلى إيجاد حل للمسألة اليهودية في أوروبا: التي
بدأت في القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها في الحرب العالمية الثانية.
أما صيغته، فكانت الدعوة (الصهيونية) إلى رفض فكرة اندماج اليهود في
مجتمعاتهم الأوروبية، والدفاع عن أطروحة انفصالهم عنها وتجميعهم في
"كيان قومي" خاص. ولقد ثبت فيما بعد - خاصة أثناء الحرب العالمية
الثانية - أن رفض الاندماج لم يكن بعيداً عن عقيدة ثقافية ودينية
تَمُجُّ اختلاط اليهودي بغير اليهودي مَجَّا! وإن لم يكن مستبعداً -
أيضاً - أن تكون الحركة الصهيونية (قد) انتهلت كثيراً من موارد
نزعتها العنصرية من النازية التي تشبهها في فكرة التفوق والنقاء
العرقي، إلى الحد الذي انتزعت فيه اعتراف النازيين بتشابه النازية
والصهيونية في باب البناء على فكرة التميز العرقي.!
أما التجلي
الثاني، فعبّر عن نفسه بعد قيام الدولة اليهودية في فلسطين في صورة
رفض صهيوني لوجود فلسطينيين داخل كيان "إسرائيل"، وكان ذلك الرفض في
أساس قيام عصاباتها المسلحة بتنفيذ مجازر جماعية لسكان قرى فلسطينية،
لترويع الباقين على أرضهم من الفلسطينيين ودفعهم إلى الهرب خارج
أرضهم وديارهم. أما حين أُجبرت على قبول الباقين منهم كـ"مواطنين"
داخل "إسرائيل"، فقد أقامت العوازل بينها وبينهم، وحاصرتهم في قراهم
ومدنهم الصغيرة، ناهيك عن إحاطتهم بسياسات تمييز عنصري صادرت حقوقهم
كـ"مواطنين" داخل الدولة العبرية!
ولقد بلغ ذلك
التجلي العنصري ذراه بعد احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية والقدس
الشرقية وقطاع غزة، وذلك بسبب دخول أعداد هائلة جديدة من الفلسطينيين
تحت السلطة العسكرية للدولة اليهودية، وتزايد مخاطر التداخل العلائقي
بين اليهود وغير اليهود.
وكما بحثت
"إسرائيل" عن طريقة لقضم وضم المزيد من أراضي فلسطين المحتلة عام
1967 إلى كيانها، عبر بناء عشرات الآلاف من المستوطنات، بحثت عن
طريقة للتخلص من الثقل السكاني الفلسطيني عبر مشروع الحكم الذاتي
الإداري للسكان، منذ ما قبل "مؤتمر مدريد". بل وصل الأمر بها -
أحياناً - إلى التفكير في الإقدام على سياسة الترحيل الجماعي
للفلسطينيين إلى شرق نهر الأردن، في إطار ما عُرف باسم "الخيار
الأردني" أو "الوطن البديل.!"
لو تركنا
جانباً الصورة الأولى لهذه النزعة العنصرية الصهيونية - ممثلة في رفض
الاندماج اليهودي في المجتمعات الأوروبية - وتوقفنا عند صورتها
الثانية - ممثلة في رفض الاندماج اليهودي مع العرب: في فلسطين 48
خاصة - لاكتفينا من أمثلتها العديدة بمثال واحد فقط يعبّر عنها أبلغ
تعبير. والمثال هذا هو رفض "إسرائيل" لمشروع إقامة دولة ديمقراطية
غير طائفية يتعايش فيها العرب: مسلمون ومسيحيون، مع اليهود. وهو
المشروع الذي كانت قد طرحته منظمة التحرير الفلسطينية - قبل ثلث قرن
- باعتباره الحل السلمي الديمقراطي الذي ينهي الصراع الدموي بين
العرب واليهود على فلسطين.
لم يكن هذا
المشروع الديمقراطي يسعى إلى طرد اليهود من فلسطين، أو إلى "الإلقاء
بهم في البحر" - كما ادعوا ذلك ناسبين العبارة زوراً إلى الزعيم
الراحل أحمد الشقيري - بل كان يطلب شيئاً واحداً فقط هو: تحرير
الدولة من الطابع الديني وإقامة المجال السياسي في فلسطين على مقتضى
المواطنة الديمقراطية. ومع أن الدولة الصهيونية تدّعي الديمقراطية -
لمن لا يعرفها - وتتشدّق بها، إلا أنها رفضت هذا الحل الديمقراطي
الفلسطيني ورأت فيه سبباً لزوالها. وإذا كان من النافل القول إن من
شأن قيام هذه الدولة الديمقراطية أن يزيل الدولة الصهيونية فعلاً،
فلم يكن من شأنه أن يزيل اليهود من فلسطين، بل هو يدعوهم إلى مواطنة
وتعايش داخل كيان سياسي واجتماعي واحد غير طائفي. وقد كان واضحاً أن
ذلك - بالذات - ما تأباه الصهيونية العنصرية، لأنه يقترح على اليهود
صيغة للاندماج مع العرب، الأمر الذي ينسف جوهر المشروع الصهيوني
القائم على الفصل والعزل ورفض الاختلاط، على خلفية فكرة "النقاء
العرقي" العنصرية الحاكمة له.!
*كاتب مغربي
|