الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

صهيونية ضد اليهود واليهودية

د. عبد الوهاب المسيري

مفكر - مؤلف الموسوعة الصهيونية

صحيفة الاتحاد 19/1/2003

 

في إطار سعيهم للحصول على الشرعية والتأييد الجماهيري في أوساط الجماعات اليهودية في أوروبا، حاول رواد الحركة الصهيونية إضفاء صبغةٍ دينية على الأفكار الصهيونية، بحيث تبدو وكأنها امتداد لليهودية وليست نقيضاً لها. ومن جهةٍ أخرى، حاول هؤلاء الرواد استغلال مشاعر المعاناة والإحباط لدى الجماهير اليهودية، والتي ساهمت في تفاقمها جملة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المرتبطة بعملية التحديث والتحول الرأسمالي في أوروبا.

 

وهكذا، لجأت الصهيونية إلى تبني الرموز والأفكار الدينية المألوفة، فصورَّت مسعاها الاستعماري باعتباره تحقيقاً لوعدٍ إلهي، ومن ثم أضفت عليه صفة القداسة والحتمية، ووظفت المقولات التوراتية عن الشعب اليهودي المختار وعن العودة إلى صهيون كمسوِّغاتٍ للمشروع الصهيوني المتمثل في اغتصاب فلسطين وإقامة كيانٍ قوميٍ يهودي فيها يكون بمثابة قاعدةٍ لخدمة مصالح القوى الاستعمارية الكبرى. وفي الوقت نفسه، قدمت الصهيونية نفسها باعتبارها حركةً لإنقاذ اليهود واليهودية من التشويه الذي لحق بهم وبها في الشتات، ومن الاضطهاد الذي تكابده الجماعات اليهودية على أيدي غير اليهود.

 

ومع ذلك، فمن الواضح أن المنطلقات النظرية للصهيونية والحلول التي اقترحتها لحل ما عُرف باسم المسألة اليهودية في أوروبا شكلت نقاط التقاءٍ مع نزعات معاداة اليهود، بل وتطور هذا التطابق في بعض الأحيان إلى تعاونٍ عملي وثيق، كما هو الحال في ظل الحكم النازي لألمانيا.

 

وتتواتر عبارات العداء لليهود واليهودية في كتابات الرواد الصهاينة وتصريحاتهم، فعلى سبيل المثال، يرى (موسى هس) أن العقيدة اليهودية كارثة لا مفر منها، ولذا فعلى اليهودي أن يتحمل نير مملكة السماء حتى النهاية. ويذهب هس إلى القول باستحالة اندماج الجماعات اليهودية في الشعوب الأوروبية لأنهم يشكلون شعباً منبوذاً ومُحتقراً ومُشتتاً، شعباً هبط إلى مرتبة الطفيليات التي تعتمد في غذائها على الغير، شعباً ميتاً لا حياة له.

 

وكان هرتزل يؤكد على أن رؤيته الصهيونية ليست لها أية مرجعيةٍ دينية، ويجاهر قائلاً: إنني لا أخضع لأي وازع ديني، وقد تعمَّد هرتزل انتهاك الشعائر الدينية اليهودية حين زار مدينة القدس، لكي يؤكد أن حركته لا تنبع من أية منطلقاتٍ دينية تقليدية. ولا يخفي هرتزل الترابط الحتمي بين الصهيونية ومعاداة اليهود في العصر الحديث، فهو يشير في مذكراته إلى أنه كان متفقاً مع صديقه (ماكس نوردو) على أن معاداة السامية هي وحدها التي جعلت منهما يهوديين. وفي موضعٍ آخر يؤكد أن وجود هذا العداء أمر ضروري للمشروع الصهيوني، باعتباره البخار المحرك لانطلاقه.

 

ولم يتورع (ماكس نوردو)، الذي خلف هرتزل في زعامة المنظمة الصهيونية، عن إعلان إلحاده والتعبير عن شعوره بالاشمئزاز من المبادئ الأخلاقية والفلسفية التي ساقتها التوراة، فكان يرى أن التوراة طفولية بوصفها فلسفة، ومقززة بوصفها نظاماً أخلاقياً. كما تنبأ نوردو بأنه سيأتي يوم يحل فيه كتاب هرتزل دولة اليهود محل التوراة، باعتباره كتاباً مقدساً، وهو يتفق مع هرتزل في أن معاداة اليهود ظاهرة طبيعية وعادلة.

 

أما (دافيد بن جوريون)، فكان يرى أن التوراة ليست سوى كتابٍ للحكايات والمأثورات الشعبية، وأن الجيش هو خير مفسر للتوراة، بل ومضى إلى أبعد من ذلك مؤكداً أن الحياة لو تُركت للحاخامات لظل اليهود حتى الآن كلاباً ضالة في كل مكان يضربهم الناس بالأقدام، ولم يقف بن جوريون عند طرح هذه الأفكار بل عمل على تحويلها إلى واقعٍ ملموس في أوساط المستوطنين الأوائل، كما أصر على عقد قرانه في حفلٍ مدني في نيويورك، وظل لفترةٍ طويلة يرفض من حيث المبدأ إتمام الزواج وفقاً للشعائر الدينية.

 

ويشير الكاتب الصهيوني (ريتشارد كروسمان)، في كتابه أمة تُبعث من جديد: "إسرائيل" في رؤية وايزمان وبيغن وبن جوريون (1969)، إلى أن صداقته مع (حاييم وايزمان)، أول رئيس لدولة "إسرائيل"، لم تبدأ إلا عندما اعترف له بأنه معادٍ للسامية بالطبع، وقد علق وايزمان على ذلك مؤكداً أنه لو قال كروسمان غير ذلك لكان إما يكذب على نفسه أو على الآخرين. أما وايزمان نفسه فكان يتلذذ بمضايقة الحاخامات بإصراره على تناول الطعام غير المباح شرعاً، حسبما روى كروسمان في كتابه.

 

وكان الكاتب الصهيوني (جوزيف برينر) أكثر وضوحاً في عدائه لما سماه الشخصية اليهودية المريضة، وتبدو الأوصاف التي يطلقها على اليهود متطابقةً إلى حدٍ بعيدٍ مع ما يردده أشد المعادين لليهود. فهو يقول، مثلاً: "إن مهمتنا الآن أن نعترف بوضاعتنا منذ بدء التاريخ حتى يومنا هذا، وبكل نقائص شخصيتنا." واليهود في نظره يودون الحياة كالنمل والكلاب أو كالكلاب والمرابين، فهم شعب لا يعرف سوى الأنين والاختفاء حتى تهدأ العاصفة، يدير ظهره لإخوانه الفقراء، ويكدس دراهمه، ويتجول بين الأغيار ليؤمن معيشته بينهم، ثم يقضي نهاره يشكو من سوء معاملتهم له.

 

والملاحظ أن الرؤية الصهيونية، التي تعكسها تلك الكتابات والأقوال، تستند إلى الأسس نفسها التي تقوم عليها نزعات معاداة اليهود واليهودية، فنقطة الانطلاق الأساسية عند الطرفين هي أن ثمة طبيعة يهودية تميز اليهود عن غيرهم من البشر، وهي طبيعة ثابتة لم يطرأ عليها أي تغيير على مر التاريخ، ولا تختلف باختلاف السياق الحضاري والثقافي الذي يتواجد فيه اليهودي، أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي الذي يتبوؤه. ومن ثم فلا فرق بين يهود اليمن في القرن الثامن عشر، مثلاً، ويهود الولايات المتحدة الأميركية في أواخر القرن العشرين، أو بين عنصري إرهابي مثل (مناحم بيجين) ومفكر مناهض للصهيونية مثل (ناعوم تشومسكي). ويؤدي ذلك بدوره إلى الحديث عن وحدة يهودية تشمل كل الجماعات اليهودية في كل زمانٍ ومكانٍ.

 

وبالمثل، فإن ثمة تاريخاً يهودياً مستقلاً عن تاريخ البشرية، وهو تاريخ متصل يسير على وتيرةٍ واحدةٍ ولا يعرف الانقطاع، وجوهره هو تفرد اليهود، من جهةٍ، والعداء الأزلي الذي يكنه الأغيار لهم، من جهةٍ أخرى. وأمام وضعٍ كهذا، يصبح اندماج هؤلاء اليهود في مجتمعاتهم مستحيلاً، ويصبح من الضروري التخلص منهم إما بعزلهم خلف أسوار الأحياء المغلقة (الجيتو)، وإما بتهجيرهم إلى أرضٍ ما خارج أوطانهم، حتى وإن استدعى ذلك اقتلاع أصحاب هذه الأرض الأصليين، وإما بالقضاء عليهم فعلياً كما هو الحال في التجربة النازية.

 

وهكذا، فإن كلاً من الرؤية الصهيونية والنزعة المعادية لليهود تبدأ من نفي التاريخ وإلغاء الزمان والمكان، وتنتهي إلى نفي اليهود وإلغاء وجودهم.