|
العدوانية أصيلة في الشخصية الإسرائيلية: أصوات
هامسة مقابل صرخات الدم والنار
عرض - حلمي النمنم
صحيفة
الاتحاد 1/1/2003
تكشف الأحداث
باستمرار عن أن "إسرائيل" تمتلك روحاً عدوانية بالغة القسوة، تبرز في
عمليات القتل التي تمارسها يومياً ضد أطفال وشيوخ وفتيات من فلسطين..
وقد استوقفت تلك الحالة د. رشاد الشامي أستاذ الأدب واللغة العبرية
بجامعة عين شمس، وكانت موضوعاً لكتابه الجديد الشخصية اليهودية
الإسرائيلية والروح العدوانية.
هناك اتجاهان
بين الدارسين والباحثين لتناول الشخصية الإسرائيلية، الأول: يرى أن
الإسرائيليين المعاصرين امتداد لذلك الجنس اليهودي القديم، وأي تصرف
أو سلوك يصدر عن الإسرائيلي المعاصر يمكن تفسيره بالرجوع إلى التوراة
وما ورد فيها أو كتب التراث الإسلامي والمسيحي عن اليهود.. وهذا
الاتجاه يعيبه أنه ينظر إلى اليهود على أنهم جماعة ذات خصائص فريدة
ومميزة عن سائر البشر، كما يفترض أن لليهود وجوداً وواقعاً مادياً
ثابتاً لا يتغير بمرور القرون.
الاتجاه
الثاني: يرى أن الشخصية الإسرائيلية المعاصرة تمثل مرحلة منفصلة عن
مراحل سابقة تمثلها الشخصية اليهودية الجيتوية أو الشخصية اليهودية
الصهيونية قبل قيام الدولة العبرية، لأن وجود الشخصية الصهيونية في
منطقة جغرافية معينة هي فلسطين بظروفها يقدم لنا شخصية بسلوك معين،
أبرز سماته العدوانية، لقد التقت عوامل عديدة لتبرز هذا السلوك،
فهناك تراث في الديانة اليهودية يمجد العنف تجاه غير اليهود، ويمكن
أن نطالع ذلك بوضوح في نصوص التوراة وحكاياتها.
ويقول د.
رشاد الشامي: هذا الحكم يبقى غير مطلق، وينبغي أن نتعامل معه على أنه
يخضع لاستثناءات لا تفتقر إلى النزعة الانسانية وإلى الثقافة
الشمولية المتحررة من خصوصيات الواقع الإسرائيلي الذي أفرز هذه الروح
العدوانية تجاه العرب.
الأرض.. والأهل
اعترف عدد من
الزعماء الصهاينة بحتمية الوضع الناجم عن محاولة الاستيلاء على الأرض
والبيوت العربية، وكان المفكر الصهيوني اشير يشيعياهو جينزيرج الشهير
باسم احاد هاعام وهو رائد تيار الصهيونية الروحية قد تنبأ بما يحدث
اليوم، ففي عام 1891 كتب نحن في الخارج نظن أن فلسطين اليوم صحراء
تقريباً وأرض برية غير مزروعة، وأن أي شخص يستطيع أن يشتري من الأرض
حسب رغبته ومناه، ولكن هذه ليست هي الحقيقة على الأرض. فمن الصعب
إيجاد أي أرض غير مزروعة في البلاد.. ويضيف: نحن في الخارج نظن أن
العرب في مستوى الحيوانات ولا يعرفون ما يدور حولهم، ولكن ذلك خاطيء
تماماً والعرب خاصة أهل المدن يرون نشاطاتنا في بلدهم وأهدافنا،
ولكنهم يصمتون ولا يتحركون لأنهم لا يرون الآن خطراً على مستقبلهم
فيما نحن بصدده، وإذا حان الوقت وطور شعبنا حياته في فلسطين لدرجة
تجعل السكان الأصليين يشعرون بضيق فإنهم عندئذ لن يفسحوا الطريق أمام
شعبنا بسهولة.
وبعد أكثر من
عشرين عاماً عاد هاعام ليؤكد ملاحظته السابقة بالقول: إن كثيرين من
أهالي فلسطين الذين أخذ حسهم القومي في النمو منذ الثورة التركية
يقصد ثورة أتاتورك ينظرون بكراهية وحنق، إلى بيع الأراضي للغرباء
ويعملون جهدهم لوقف هذا الأثم.
ويثبت
التاريخ أن الحركة الصهيونية دخلت فلسطين رسمياً عام 1881 ولكن
المعارضة الفلسطينية للهجرة الصهيونية سبقت ذلك بوقت، وقد بدأت هذه
المقاومة على مستوى أبسط وأكثر إنسانية.. مثل مقاومة الفلاح غير
السياسية للأجانب الذين رأهم يشترون أرضه، ولأنها مقاومة غير سياسية
فإنها تؤكد إدراك المزارعين الفلسطينيين لخطر الاستعمار الصهيوني،
ولم ينقل لهم زعماؤهم هذا الإدراك، بل إن المقاومة الفلاحية كما لاحظ
عدد من الصهاينة هي التي نبهت أولئك الزعماء للخطر الصهيوني.
وكتب
الصهيوني المخلص سايبدبوتام يقول: يشعر العرب إزاء البعث اليهودي في
فلسطين كما كانت تشعر انجلترا إزاء بعث سيطرة ويلز القديمة على
بريطانيا.. وقد اعترف ارثرروبين المسؤول عن الاستعمار الصهيوني خلال
العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي بالطبيعة اللا أخلاقية
للصهيونية السياسية.
دماء الابرياء
في 8 سبتمبر
1922 بعث هاعام بخطاب احتجاج إلى صحيفة هاآرتس الإسرائيلية على مقتل
طفل عربي على يد أحد الصهاينة مؤكداً أن الأنبياء والرسل انقذوا
اليهود من الدمار لكن المستوطنين الصهاينة الآن لا يسلكون مسلكاً
يتماشى مع تعاليم الانبياء.. فقد قال بغضب واضح في خطابه يا الهي
أهذه هي النهاية؟ هل هذا هو حلم العودة إلى صهيون أن ندنس ترابها بدم
الأبرياء؟ إن الله يكون قد أنزل بي العذاب إذا مد في حياتي حتى أرى
بعيني رأسي إنني قد حدت عن جادة الصواب.. إذا كان هذا هو المسيح،
فإنني لا أود رؤية عودته.
كانت تلك
صرخة مبكرة ضد تيار العنف والقسوة الذي بدأ مع موجات الهجرة اليهودية
الأولى إلى فلسطين، والذي لم يكن له سوى هدف الانتقام الحيواني
تعويضاً لعقدة الاضطهاد والشعور بالنقص، التي عانى منها اليهود الذين
اعتادوا على العنف والتعذيب وسوء المعاملة في روسيا، ومن اضطهاد
النازي، مما دفعهم إلى تقليد مضطهديهم أو التوحد في المعتدي تنفيساً
عن مشاعر الكراهية المكبوتة تجاه جميع الأمم والشعوب.
في مواجهة
صيحة هاعام يزخر الفكر الصهيوني بمبررات عديدة للعنف المسلح تعتمد
على أسانيد من الدين اليهودي ذاته، رغم أن أغلبية المستوطنين اليهود
لم يكونوا يمارسون شعائر اليهودية، وكان كثيرون منهم ملحدين علناً،
واستناداً إلى هذا التراث الديني أباح تراث الصهيونية العنف والقسوة
والجريمة، ويعتبر جابوتنسكي فيلسوف العنف والإرهاب في الحركة
الصهيونية، وكان واضحاً مع نفسه حينما قال لمستشار الطلبة اليهودي في
فيينا: تستطيع أن تلقي كل شيء.. القبعات والأحزمة الملوثة والافراط
في الشباب والأغاني، أما السيف فلا يمكن إلقاؤه.. عليكم أن تحتفظوا
بالسيف، لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكار ألمانيا، بل هو ملك لأجدادنا
الأوائل. إن السيف والتوراة قد نزلا علينا من السماء.
وقد أصدر
جابوتنسكي عام 1930 مجموعة قصصية باللغة الروسية، وجعل بطل قصة
يهودون يحدد هدفه بصورة بسيطة هي: على التلاميذ أن يحصلوا على فرعين
من فروع العلم: أن يتحدثوا العبرية وأن يضربوا بالقبضة.
وجاء مفكر
صهيوني آخر هو ميخا يوسف بيرديتشفيسكي يرى أن الأيام العظيمة في
تاريخ اليهود هي أيام محتلي كنعان.. ففي هذه الأيام نمت غرائز
الاحتلال والوجود، ولو كان ذلك عن طريق إبادة الغير وجاء بعده مناحم
بيجين ليقول: إن قوة التقدم في تاريخ العالم للسيف.. ويعارض بيجين
فلسفة ديكارت بفلسفة أخرى تقول: عندما قال ديكارت: أنا أفكر إذن أنا
موجود. قال فكرة عميقة جداً غير أن هناك أحياناً في تاريخ الشعوب لا
يكفي التفكير لاثبات الوجود. فقد يفكر شعب ثم يتحول أبناؤه بأفكارهم
إلى قطيع من العبيد.. هنا يصرخ كل ما فيك قائلاً: إن عزتك ككائن حي
رهن بحبك للشر.. نحن نحارب فنحن إذن نكون. وهنا يصبح العنف الأداة
التي تعتمد عليها الصهيونية لإعادة صياغة شخصية اليهودي، العنف هنا
يصبح مثل الطقوس الدينية التي تستخدمها بعض القبائل البدائية حينما
يصل أفرادها إلى سن الرجولة لأن اليهودي حينما يمارس العنف والقتل
يتخلص من مخاوفه ويصبح جديراً بالحياة.
ولم تكن تلك
مجرد آراء وأفكار نظرية بل انتقلت وتحققت في الواقع، فقد قام الباحث
الأميركي باري بليخمان بدراسة حول الآثار المترتبة على الانتقامات
الإسرائيلية واعتمد على عمليات الانتقام الإسرائيلية والاحصائيات
وردود الفعل على الجانبين العربي والإسرائيلي، وانتهى إلى أن
الانتقام سلوك قومي إسرائيلي وأن "إسرائيل" تعتبر الانتقام صورة
شرعية من صور السلوك القومي ولاحظ بليخمان أن التصريحات الإسرائيلية
المصاحبة للاعتداءات تتضمن مفردات مشتركة وهي تأكيد على أن تلك
الاعتداءات.. واجب والتزام وأن جيش الدفاع كان مجبراً على التحرك..
وأنه لم يكن ثمة اختيار.. ولا توجد بدائل أخرى.
ويؤخذ على
هذا الكتاب أن تحليلاته قائمة في معظم الأحوال على وقائع تنتهي عند
حرب أكتوبر 1973، وكان الأفضل لو امتدت المعلومات إلى ما بعد ذلك..
خاصة وأن الاحداث عديدة مثل توقيع معاهدة السلام بين مصر و"إسرائيل"
ثم الانتفاضة الأولى، والانتفاضة الثانية مروراً باتفاقية أوسلو
ومعاهدة السلام الأردنية والإسرائيلية.
|