الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

المناهل الجديدة للعنف الصهيوني

 

بقلم‏:‏ د‏.‏ محمد السيد سعيد

 

ما يجري على ساحة الحركة الصهيونية العالمية وداخل "إسرائيل" جدير بأن يثير الاستغراب لكل من بقي لديه ضمير‏.‏ ففي الأمر غرابة حقيقية‏.‏ فقد وصل تطرف وعنف الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة بالذات إلى قمم جديدة‏.‏ فهي تدفع الولايات المتحدة بمؤسساتها المختلفة إلى مواقف متطرفة لا تمر بالسهولة نفسها داخل "إسرائيل" عبر سلسلة من التحركات الوقحة التي تضع الدولة المهيمنة على النظام الدولي في صدام مباشر مع القانون الدولي ومع أبسط المبادئ العقلية والإنسانية‏.‏ وهي بذلك ترعى بذور الكراهية بين الولايات المتحدة وشعوب العالم‏.‏ ومن المحتم أن تترجم هذه الكراهية إلى مزيد من العنف المتبادل‏.‏ فكأن الحركة الصهيونية تحارب العالم بأيد أمريكية حتى لو أدى ذلك إلى خسارة الولايات المتحدة لاحترام العالم‏، بل ولمكانتها المهيمنة‏.‏

وقد انتهى للتو مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي تبنى نفس وعد بوش حول إنكار حق العودة وضم أجزاء من الأرض المحتلة إلى "إسرائيل"‏.‏ وكان المرشح الديمقراطي كيري قد أيد وعد بوش لشارون وزايد عليه رغم أن الأخير لم يقدم شيئاً مما وعد به الرئيس الأمريكي فيما يتعلق بخطة الطريق والانسحاب من غزة‏.‏

وعلى نفس القدر من الأهمية تدفع الحركة الصهيونية الكونجرس الأمريكي للصدام مع محكمة العدل الدولية ومع الجمعية العامة للأمم المتحدة التي طلبت الرأي الاستشاري للمحكمة فيما يتعلق بالجدار‏، ووافقت على حكم المحكمة وطالبت بالاجماع تقريباً تنفيذه‏.‏ ويبدو الكونجرس طيعاً بصورة مطلقة بيد الحركة الصهيونية الأمريكية والعالمية‏.‏ وقد يقوم الكونجرس بالانتحار القانوني والأخلاقي الدولي إذا ما أصدر قراراً بادانة حكم المحكمة وقرار الجمعية العامة‏.‏

أما داخل "إسرائيل" فالموقف لايقل غرابة‏.‏ فالمستوطنون في غزة قرروا القيام بالاحتجاج على خطة الانسحاب من جزء من القطاع وفقاً لما جاء بالحل الوسط بين شارون ونيتانياهو علماً بأن القطاع كله لا يزيد على ‏1%‏ من أرض فلسطين تحت الانتداب وهو يوطن نسبة كبيرة من لاجئي ‏1948.‏ ويشمل هذا الاحتجاج تنظيم سلسلة بشرية من غزة حتى القدس وجمع مليون توقيع لرفض هذه الخطة‏.‏ وليس بوسعنا في هذا الحيز استعراض مختلف صور جنون التطرف الذي يجتاح السياسة الإسرائيلية‏.‏ يكفي أن أحد أبرز ممثلي ما كان يعرف باتجاه مابعد الصهيونية المؤرخ (بيني موريس) الذي اكتشف أن المذابح التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية لاجبار الشعب الفلسطيني على الفرار بحياته خارج فلسطين أعوام ‏1947‏ و‏1948‏ كانت مدبرة ومرسومة بأوامر عليا قد تراجع عن موقفه المؤيد للتسويات السياسية‏.‏ وأكد أن هذه المذابح كانت ولاتزال ضرورية من أجل فرض وجود "إسرائيل" على المحيط العربي المعادي وأن السلام غير ممكن في هذه المرحلة وأنه بعد الانتفاضة صار مشروعاً مؤجلا‏ً!‏

وكانت الانتخابات الإسرائيلية بداية عام ‏2001‏ قد أنتجت أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفا‏ً.‏ ومن المتوقع أن تكون الحكومة المقبلة أكثر تطرفاً فيما لو عقدت الانتخابات في الوقت الراهن‏.‏

من أين جاءت الحركة الصهيونية بكل هذا العنفوان وما هو السبيل لمواجهة هذا الميل الطاغي للعنف والتطرف السائد الآن في أوساطها؟

بالنسبة للكثيرين لايبدو هذا السؤال بذي بال‏.‏ فالصهيونية كانت دائماً أيديولوجيا لا إنسانية وعنصرية وعنفوية على الأقل في مواجهة الشعب الفلسطيني لأن هذا الشعب المناضل هو النفي المباشر لأساطيرها وأكاذيبها‏.‏ كما أن العنف الإسرائيلي لم يتوقف أبداً لأن العنف الرمزي هو شكل الوجود ومحتوى العلاقة بين الأنا الصهيونية والعالم‏.‏ وهذا العنف الرمزي يتحول بالنسبة للعالم إلى انتهازية محضة ويتمحور بالنسبة للفلسطيني في إطلاق النار بدون تردد‏.‏

إننا نفترض أن هذا العنف المتواصل جدير بالاستغراب لأسباب متعددة‏.‏ فأولاً لاتوجد ظاهرة بشرية إلا وتبدأ في فقدان قوة الدفع الأولى التي دفعت بها إلى الوجود بعد فترة من الوقت خاصة أن هذه الدفعة لم تأت من جانب العرب وإنما من الجرائم النازية‏.‏ بل ولا توجد ظاهرة تطرف إلا وتبدأ بعد فترة من الوقت في مراجعة العنف الكامن فيها‏.‏ وتنته تلك المراجعة إلى بزوغ تيار للمصالحة مع العالم والآخر‏، خاصة إذا كان أساسها العقدي حافلاً بالثقوب مثلما عليه الحال مع الأيديولوجيا الصهيونية‏.‏ فهي أيديولوجيا علمانية تستند إلى مرويات دينية لا تتمتع بمصداقية تاريخية‏.‏ وهي أيديولوجيا تنكر ما لا يمكن انكاره وهو الشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية‏، ولذلك كان من المحتم أن تستخدم العنف لافنائه معنوياً وتدميره اجتماعيا‏ً، ولذلك لم يكن من الممكن أن يعيش طويلاً تيار الصهيونية الإنسانية لأنهما نقيضان‏.‏ وهي أيديولوجيا تقيم معارضة مطلقة بين الأنا اليهودية والآخر غير اليهودي‏.‏ وبايجاز فهي أيديولوجيا لا عقلانية واقطاعية عسكرية تعيش العصر الحديث ولا تأخذ منه إلا بقشوره أو منتوجاته الخارجية وادعاءات العظمة اللا إنسانية التي تموج فيه‏.‏

وكان من المتوقع أن ينتعش مشروع انتاج أساس عقيدي جديد هو ما سمي بما بعد الصهيونية‏.‏ بل وبدا بالفعل أن هذا المشروع يشق طريقة للتبلور بعد توقيع اتفاقيات أوسلو عام ‏1993‏ وبروز أفكار مثل الحل الوسط التاريخي للصراع بين العرب والإسرائيليين‏.‏ بل وبدا أيضاً أن غالبيه من الشعب الإسرائيلي راغبة بالفعل في منح ثقتها للقوى التي تهندس هذا الحل سياسياً لتقود "إسرائيل" خارج مدار العنف المطلق‏.‏

ولاشك أن عقد التسعينيات الذي شهد حركة قوية من داخل "إسرائيل" والنظام العالمي للالتقاء مع مبادرات السلام العربية مثل بالنسبة لإسرائيل الحلم الإسرائيلي من حيث مستويات النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وبروز موجة اعتدال نسبية وبداية مصالحة مع الآخر على المستوى العالمي والعربي حيث جال الإسرائيليون العالم بحرية لم يتمتعوا بها أبداً من قبل‏.‏ وبدا أن الحياة الطبيعية خارج الحصن صارت ممكنة وقريبة أو أنها تمارس فعلا‏ً.‏

وقد انتهى هذا الحلم إلى حد بعيد‏.‏ فعاد الاقتصاد إلى الانكماش واشتبكت "إسرائيل" في أطول موجة عنف وجودي مع الشعب الفلسطيني وخلعت تماماً قناع الحياء والحداثة وأقدمت على قدر من جرائم الحرب المريعة التي تشين أي كيان متحضر‏.‏ وعلى نفس القدر من الأهمية تعاظمت موجات العنف والكراهية والتطرف إلى حد أن صار شارون نفسه يبدو معتدلاً ودبلوماسياً هاديء الطباع‏!‏