الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

خطر الدعاية الصهيونية

 

أ.د.مصطفى رجب

صحيفة الشرق القطرية 2/6/2003

 

ارتبطت الصهيونية بالاستعمار الأوروبي، منذ أن اتجه الصهيوني «هرتزل» إلى التفكير في عمل «إمبريالية أوروبية» واعتبر اليهود احتلال فلسطين امتداداً للإمبريالية الأوروبية في الشرق الأوسط لتكون متراساً لها في آسيا، ومركز مدنية أوروبية في وجه «البربرية العربية» فاصطدم هرتزل بالوجود العربي، وفكر في التخلص من العرب وتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

وكانت خطة هرتزل في جلب اليهود هي خلق فرص العمل أمامهم في البلاد العربية، ونتيجة لأطماع الدول الكبرى استطاع اليهود كسب تأييدها مقابل مساعدتها في أعمال التجارة التي برع اليهود فيها، «كما لجأ نابليون لليهود لمعاونته على فتح عكا ووعدهم بإعادة القدس إليهم، وبناء الهيكل اليهودي»وقد شكلت «الصهيونية» الإطار الأيديولوجي للقومية اليهودية المعتمدة أساساً على الديانة اليهودية واللغة العبرية، وسعت الصهيونية - كفلسفة - إلى جمع شتات اليهود في وطن واحد واستمرت المؤامرات الصهيونية إلى أن قامت لليهود دولة مستقلة في فلسطين.

وقد سعت الدعاية الصهيونية إلى خدمة أهداف تلك الفلسفة بمختلف الوسائل وعلى الأصعدة الثقافية والفكرية والفنية كافة مستهدفة بذلك غاية واحدة هي: جمع الشمل على قومية يهودية مفتقدة.

يقول رجاء جارودي: «إن الدعاية الصهيونية منظمة تنظيماً محكماً في الغرب، وهي تمثل أحد العوائق الأساسية أمام تفهم العالم الغربي للحقائق وفهمه الصحيح للإسلام»(1).

ويرى بعض الباحثين أن الدعاية الصهيونية سعت منذ بداية القرن الحالي لاحتلال بعض النواحي الهامة في مجالات الفنون التشكيلية فسيطرت العناصر الصهيونية على أهم دور النشر والمطبوعات الفنية الأوروبية والأمريكية، وأخذت تؤلف في تاريخ الفن لتقوم الفنون عامة على أسس تخدم القضية الصهيونية فيما يشبه الأسلوب الفلسفي أو العلمي في سرد وتفهم الأسس التي قامت عليها الحركات الفنية، بل ربما حرفت بعض مفاهيم الفن لخدمة أغراضها(2).

وقد قام سليمان خير الله بدراسة تناولت «سمات الإعلام الموجه باللغة العربية وفلسفته وأعراضه» بعد أن استمع الباحث لفترات إلى إذاعة "إسرائيل" لتحليل المادة المذاعة وقد سعى الباحث إلى دراسة ثلاثة عناصر أساسية في موضوعه هي:

 

1 - طبيعة الإخبار الصهيوني.

2 - الجمهور المستهدف بالإخبار الصهيوني.

3 - السبل الممكنة لمواجهة هذا الإخبار.

 

ويقول سليمان خير الله في بحثه هذا(3): لقد نجحت إذاعة "إسرائيل" مع الأسف من خلال الطريقة «الانتقائية» التي تعرض بها إخبارها العربي عما يجري داخل "إسرائيل" في أن تبني لنفسها هالة ليست من المصداقية، وأرخت للمستمع العربي العنان لكي يصبغ هذه الصفة على كل ما يذاع منها من أخبار - أو تعليقات على الشعب العربي. وقد استثمرت "إسرائيل" شعور المواطن العربي في صياغة أخبارها الانتقائية وتمريرها إلى إذنه ووجدانه، ونجحت إلى مدى كبير «مع الأسف» في توجهها إلى المستمع العربي من خلال مصداقية زائفة وعرضها «الموضوعي» لكثير مما يجري داخل "إسرائيل".

 

كيف استثمرت إسرائيل هذه المصداقية بذكاء نادر في التوجه نحو المستمع العربي؟

لقد تم ذلك من خلال اللعب على الخلافات العربية، وتأجيج نيرانها باستمرار، فإذا ما نشرت صحيفة عربية، أو أذاعت إذاعة عربية ولو خبراً صغيراً ضد بلد عربي آخر، فإننا نجد هذا يأخذ حيزاً مهما في نشرة الأخبار في الإذاعات الإسرائيلية، وبنفس المقياس فإن كل ما يشير إلى خلاف عربي سواء في السودان أو موريتانيا أو - الأردن وسوريا والعراق وليبيا، يخدم هدفها في بلورة شعور اليأس لدى المواطن العربي بتحقيق أي وفاق أو تضامن، فإنها تأخذ هذا الأمر عن طريق الخبر والتعليق والتحليل الإخباري.

فهي تريد أن تصور للمواطن العربي والشعوب العربية كلها أن الخلافات والنزاعات بين الدول والكيانات العربية هي عاهة مستديمة في الشخصية العربية وأن هذه الدول لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتفق على موقف موحد ضد "إسرائيل" وبالتالي زرع اليأس في قيام تضامن عربي يؤدي إلى استخلاص الحقوق الفلسطينية والعربية عن طريق الحرب أو عن طريق السياسة الموحدة، وإن مثل هذا الأمر قضية ميؤوس منها وكأنها تقول: وإذن فلا مناص لك أيها المواطن العربي والفلسطيني بشكل خاص، من أن تبحث عن طريق «السلام».

و«السلام» في ترجمة "إسرائيل" هو سلام الاستسلام والقبول بمنطق اليأس والخضوع للأمر الواقع الذي فرضته الصهيونية بإرادة السلاح والعدوان.

إذن فإن إخبار "إسرائيل" «العربي» يرتكز دائماً على الخلافات العربية ويؤجج نيرانها باستمرار وتعينه في ذلك طبعا الآلة السياسية في "إسرائيل"، إذ هي تتلقف أي تصريح من مسؤول إسرائيلي يعزز الشعور باليأس في نفس المواطن العربي حتى لو كان هذا التصريح موجهاً للمجتمع الإسرائيلي.

وقد قام الدكتور نواف عدوان ببحث آخر حول «اتجاهات إذاعة الكيان الصهيوني الناطقة باللغة العبرية» استعرض الباحث فيه عددا من المحاور من أهمها:

 

1- الموقف من القضية الأمنية الإسرائيلية.

2- الموقف من القضية اللبنانية.

3- الموقف من التناقضات العربية.

 

يقول د.عدوان (4): لقد تعاملت الدعاية الإسرائيلية الناطقة باللغة العبرية مع مستمعيها في داخل وخارج الأرض المحتلة بأسلوب مباشر هدفه ربط المستوطنين الصهاينة «بإسرائيل» ودفعهم إلى تحمل المسؤوليات الأدبية والمعنوية والتاريخية «بأرض الميعاد» الذين قدموا من أجلها فلا عجب أن توظف الدعاية الصهيونية كافة طاقاتها لإيجاد برامج ساخنة قادرة على الاستمرار بشد المستمع بالعبرية ودفعه للمحافظة على غروره وتحيزه من أجل فرض «إسرائيل» وتأكيد قوتها العسكرية والتكنولوجية التي «لا تقهر» في حين تعاملت هذه الدعاية مع مستمعيها باللغة العربية بأسلوب اعتمد على الكذب والتزوير والحيل والتبرير، حيث لجأت هذه الدعاية إلى استخدام أسلوب المغالطات والتناقضات وأسلوب المقابلة الخاطئة إلى جانب أساليب الحرب النفسية وحيل البلاغة والتهكم.

وقد ناقش د.نواف عدوان اهتمام الدعاية الصهيونية - في إذاعتها العبرية - بظاهرة تسييس الدين حيث يقول:

«أما الموقف من المشاكل الدينية فقد احتل هذا الموضوع أهمية خاصة من حكام "إسرائيل"، وقد ظهر هذا الاتجاه من خلال خلافات تنشب باستمرار بين تيارات علمانية ودينية متصارعة، تفرض فيها القلة الدينية المتزمتة مظاهر احترام وتقديس العادات والتقاليد اليهودية القديمة، وتطالب بإعطاء الدين اليهودي مكانة مهمة في التجمع الصهيوني واحترام القرارات التي تبرمها المحاكم الدينية بخصوص العديد من القضايا الاجتماعية المطروحة في مجتمع غير متجانس ومتناقض عقائدياً وفكرياً وسياسياً.

وهنا.. لابد من تحليل الاهتمامات الخاصة للدعاية الصهيونية التي أخذت تركز منذ السنوات القليلة الأخيرة على ترويج ظاهرة الدين وتسييسها، خصوصاً في الفترة التي أعقبت الأحداث الدامية في حربي لبنان والخليج، ومن المعروف أن هذه الظاهرة لم تأت بمحض الصدفة، وإنما أتت بعد دراسات معمقة وبتعاون منظم مع وكالات الاستخبارات الأمريكية لإثارة النعرات الطائفية في الوطن العربي، ووضع الإسلام في وجه العروبة واستبدال الهوية العربية بهويات مذهبية لعرقلة نهوض الأمة العربية وضرب أهدافها القومية التحررية.

على ضوء الأهمية الكبيرة التي أولتها الدعاية الصهيونية باللغة العربية نحو تأجيج وترويج الظاهرة الدينية السياسية في الدول المجاورة ونلاحظ بالعبرية أن هذه الدعاية قد أبرزت بحذر تذمر التيار العلماني من تزمت التيار الديني اليهودي الذي أخذ يطفو على السطح في "إسرائيل" ليفرض قوانينه وأحكامه عنوة بالرغم من أن هذا التيار لا يشكل سوى نسبة «10%» من التيارات والأحزاب العلمانية الأخرى».

ولاشك في أن - الدعاية الصهيونية مهما حاولت فإنها لن تنجح في خلق وحدة ثقافية لليهود لأن ثقافة اليهود بطبيعتها غير متجانسة ويصف بعض الباحثين الثقافة اليهودية بأنها ثقافة جامدة ثابتة منذ آلاف السنين، وهذا الثبات الساكن منذ آلاف السنين يثبت بالمنطق أن الثقافة اليهودية غير قابلة للتطور، وقد توقفت عند مرحلة زمنية سحيقة في التاريخ رافضة التفاعل أو مواكبة التطور الثقافي عبر العصور.

الجمود في واقع متحرك هو بمثابة التقهقر حتى التلاشي والاندثار، وهذا ما أصاب الثقافة اليهودية بالفعل، إذ غابت عن الوجود قروناً، وما نشهده منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم هو مجرد إعادة إحياء هذه الثقافة من حيث توقفت، ولكن بقناع براق من التقدم التكنولوجي لم يمس عمق الثوابت غير المتطورة.

ولهذا الجمود المتحجر أسبابه الذاتية التي تكمن في خصائص هذه الثقافة اليهودية، والتي يمكن تعداد بعضها على النحو التالي:

1 - الثقافة اليهودية ضحلة الجذور وتفتقر إلى الخلق والإبداع، صفتها الأساسية أنها تسرق وتقتبس من ثقافات الغير وتشوهه وتزوره بحيث يخدم أغراضها السياسية والعقائدية. لذلك فليس عند الثقافة اليهودية ما يمكنها منحه لغيرها من الثقافات المحيطة والمجاورة، فهي ليست كالنبع بجري راوياً ما حوله من مساحات، بل كالاسفنجة تمتص من الغير وتختزنه على نتن تقادم.

2 - تتميز الثقافة اليهودية بالانغلاق والعصبية العنصرية، وهذا ما يجر إلى التعالي على الغير وادعاء التفوق دون الآخرين، فهم بهذا المنطق السلالة الأسمى في العالم المعدة إلهياً للسيادة على شعوب الأرض واستعبادها وتسخيرها لمصالحها الذاتية. من هذه العنصرية المتعالية انبثقت عندهم العقيدة الدينية التي تكرسهم «شعب الله المختار» والموعود بأرض الميعاد التي وهبهم إياها لإقامة مملكتهم المقدر لها إلهياً أن تسود العالم.

3 - زيادة على كل ذلك، فالثقافة اليهودية تتسم بالعدوانية المفرطة، فهي لا تعترف بالغير ولا بحق هذا الغير بالوجود فكل ما ليس يهودياً من أم يهودية هو حيوان لا صفة إنسانية له يواجه أحد خيارين: إما الانصياع المذل وتقبل عبودية خدمة مصالح وأهداف «شعب الله المختار» أو مواجهة الزوال والاندثار. المرجع الوحيد للثقافة اليهودية هو النسخة التي وصلتنا من التوراة التي نعتقد أنها مزورة وليست التوراة الأساسية، وأيضاً ما هو ثابت في التلمود وكتاب حكماء صهيون المنبثق عن التوراة والتلمود، وهو الكتاب العقائدي الذي يتضمن خطة منظمة الصهيونية العالمية لتحقيق «وعد الله لشعبه المختار». من هنا نرى أن الثقافة اليهودية قائمة على عقيدة دينية وهذا بالتأكيد سبب تحجرها وعدوانيتها، ومادامت هذه الثقافة مستمرة في الارتكاز حصراً على عقيدة دينية غير متطورة، تبقى هي أيضاً غير قابلة للتطور، وغير قادرة للتفاعل مع غيرها من الثقافات، وبالتالي فهي ثقافة غير حوارية.(5).

 

مراجع المقال:

(1)   حوار أجرته مع جارودي مجلة الأمة «القطرية» العدد 29، جمادى الآخرة 1403هـ..

(2)   سعد الخادم، الفن والاستعمار الصهيوني. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974، ص80.

(3)   سليمان خير الله، الإعلام الصهيوني الموجه باللغة العربية «مجلة الإذاعات العربية» العدد 2، 1981، ص13.

(4)   د.نواف عدوان، اتجاهات إذاعة الكيان الصهيوني باللغة العبرية، مجلة البحوث: مجلة محكمة يصدرها المركز العربي لبحوث المستمعين والمشاهدين. بغداد: العدد الرابع عشر، أبريل 1985، ص5.

(5)   أنطوان غريب، «الغزو الثقافي» مجلة الشاهد «الليبية» السنة 9، العدد «110» أكتوبر 1994، ص66.