|
الجدار الإلكتروني أو العودة الفلسفية إلى الغيتو
الفلسطينيون ينقذون الإسرائيليين من الانتحار!!
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 7/8/2003
بيروت -
أورينت برس
الرئيس
الأميركي جورج دبليو بوش قال إن الجدار الإلكتروني الذي تقيمه حكومة
أرييل شارون... مشكلة. مشكلة أم إشكالية؟ الأمر لا يتعلق بإجراء أمني
مادام طول الجدار 360 كيلو متراً وكلفته مليارا دولار، وإنما بطريقة
التفكير داخل الدولة العبرية حيث الحنين إلى الغيتو. وحين تكون هناك
أيديولوجيا الخوف تتحكم باللاوعي في مجتمع ما يصبح التفاعل مع
المجتمعات الأخرى مستحيلاً. هذا ما قاله أكاديميون عرب في الولايات
المتحدة لمستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، مع تأكيدهم أنه في ظل
ذلك المنطق الذي يحكم "إسرائيل"، فإن قيام السلام يحتاج إلى ألف
عام.. هل يغير الكلام الأميركي شيئاً في فلسفة شارون؟ على الأرض جرى
تعديل لمسار الجدار، لا أكثر ولا أقل، وقد يتم تجميد العمل تكتيكياً
بالمراحل التالية، لكن العصر الحجري الذي في رؤوس الحاخامات يبقى
العصر الحجري.. لتتابع التفصيلات في هذا التقرير.
قبل توجهها
إلى المنطقة منذ أسابيع التقت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس
عدداً من الأكاديميين العرب في منزل أستاذ للتاريخ في جامعة هارفارد.
ولقد فوجئت فعلاً بالرد الذي سارع به أحد هؤلاء الأكاديميين: بنظركم
كم نحتاج من الوقت لكي نصنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟!
الجواب كان ألف عام.. فقط.
الأكاديمي
العربي أخرج من حقيبته جريدة لوس أنجلس تايمز وفيها ثلاث صور للجدار
الإلكتروني الذي تبنيه حكومة أرييل شارون بين الضفة الغربية
و"إسرائيل"، بارتفاع عشرة أمتار، ليقول: إن الإسرائيليين يدفعون
التاريخ إلى الوراء. إنهم يقيمون حارة اليهود (الغيتو) مجدداً، فيما
الفلسطينيون يرفضون هذا الجدار. وأنا أسألك أيتها السيدة رايس: من هو
الذي يعمل ضد السلام؟!
مستشارة
الأمن القومي حاولت التقليل من خطورة الجدار، ولكن ليستطرد الأكاديمي
العربي قائلاً: أنا لن أتحدث عن الاختراق الإسرائيلي لأراضي الضفة من
خلال الحائط (25 كيلو متراً في العمق أحياناً). قد تقولين إن هذه
مسألة تقنية وبالإمكان حلها، لا بأس، أما أنا فدعيني أتعاطى مع
المسألة فلسفياً. ألا تعتقدين أن اليهود يخططون للانتحار مجدداً؟
وإننا نحن الذين نحاول إنقاذهم؟ أجل العرب، والفلسطينيون تحديداً، هم
الذين يعملون لإنقاذ اليهود من الانتحار.
مرة واحدة
زائد مرة واحدة
كيف هذا؟
تابع الأكاديمي: نحن لسنا سذجاً إلى الحد الذي يمكننا معه القول إننا
سننتظر ذلك اليوم الذي نتطور فيه تكنولوجيا للقاء على الدولة
العبرية. وحتى لو امتلكنا السلاح النووي الذي نعلم أنه ليس للاستخدام
أبداً، ولو كان بالإمكان استخدامه لفعل ذلك الرئيس هاري ترومان في
كوريا، ولفعل ذلك الرئيس ليندون جونسون في فيتنام القنبلة استخدمت
لإفهام العالم أن هذا يحدث مرة واحدة زائد مرة واحدة، لا أكثر على
الإطلاق.
أضاف: هل
تتصوري أننا سنضرب "إسرائيل" بالقنبلة النووية؟ عليك أن تعلمي يا
سيدتي أننا سواء كنا مسلمين أو مسيحيين، فإن قيمنا الإخلاقية
والدينية لا يمكن أن تسمح لنا بذلك، وحتى إذا ما أغفلنا هذه الحقيقة
الحاسمة، فإن العالم يتجه إلى مفاهيم مختلفة للعلاقات بين الدول،
أصبحت الحروب مكلفة جداً ومدمرة جداً، نحن نعي ذلك، ونرفض الحرب. لن
نحارب. وقد تستغربين إذا قلت لك إن الإسرائيليين لن يحاربوا أيضاً.
يضغطون فقط، ولديهم الكثير من وسائل الضغط، ويقيمون حولهم سور
"إسرائيل" العظيم، هذه مهزلة في زمننا. إننا نعرف كيف يفكر المثقفون
الإصلاحيون هنا، كيف يمكن لدولة أن تعيش بمنطق الغيتو.
هذا ما نقله
إلينا ديبلوماسي وباحث عربي مخضرم ومقيم في واشنطن، وكان هو بين
الذين حضروا اللقاء، قال: إن كوندوليزا رايس أصغت باهتمام لما قاله
الأكاديمي الذي، حسب اعتقادي، عبر عن قناعتنا جميعاً، وهنا نسيت أن
أقول لك شيئاً، وهو إنه عندما تركت مستشارة الأمن القومي الردهة قلت
لها: عندما تلتقين بـ أرييل شارون فلسوف تكتشفين أن ألف عام غير
كافية للسلام، ولكن يا سيدتي إن أميركا وحدها هي التي تستطيع إبدال
الألف عام بألف يوم.
كونفديرالية
شرق أوسطية
الآن، تقول
واشنطن إن العام 2005 قد لا يكون عام الدولة الفلسطينية. هل يكون
العام 2003؟ والواقع أن الأميركيين انبهروا بمشروع شمعون بيريز حول
الشرق أوسطية. اعتبروه خطة مثالية للمستقبل. العرب واليهود يذوبون في
صيغة أخرى لا ترتبط، تلقائياً، بالحالة القومية أو بالحالة الدينية،
وحتى عندما وضعت خريطة الطريق، فقد تضمنت عبارات تشير إلى أن واشنطن
ترعى ذلك الاتجاه (الارتباطات الإقليمية على مستوى التطوير
الاقتصادي، ومصادر المياه، والبيئة وغيرها)، أي أن الفلسفة الأميركية
التي تأخذ من العولمة طريقاً لها تعتبر أن خلاص "إسرائيل" هو في
اندماجها في المنطقة، حتى إن الرئيس السابق بيل كلينتون تناقش هو
ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت في احتمال إقامة كونفدرالية في الشرق
الأوسط تكون "إسرائيل" جزءاً منها.
لا أحد ينتظر
من الرئيس جورج دبليو بوش أن يكون مثل الرئيس دوايت إيزنهاور الذي
عاش كل الكوارث التي تأتي بها الحروب. طلب في العام 1956 من دافيد بن
غوريون (ووزير دفاعه موشي دايان) الانسحاب من شبه جزيرة سيناء
فانسحبا. الآن تجري المفاوضات الشاقة على أمتار، فيما يقول شارون لـ
وليم سافاير إن أميركا استخدمت كل تلك الارمادا الهائلة لكي تقضي،
وقائياً، على نظام يهدد مصالحها، نحن لا نفعل ذلك، بل نقيم سوراً
لحماية أنفسنا من الموت. وكان أن سافاير، الذي لاحظ أن خريطة الطريق
أضحت أثراً بعد عين لأن ميكانيكية الصراع لا تترك فرصة للأمل، تساءل
ما إذا كانت الحرب الأميركية المقبلة ضد.. أرييل شارون؟
لكنه غبي
فعلاً
إن
الديبلوماسي المخضرم إدوارد جيرجيان يعتقد(!!) أن أرييل شارون هو سبب
المأزق الأميركي في العراق. لماذا؟ في نظره أن السياسات التي تنتهجها
تل أبيب حطمت كل إمكانات الثقة بين واشنطن والعرب. لم يصف شارون بـ
الغبي، لكن كلماته توحي بذلك، فقد كانت هناك فرصة هائلة أمام المنتج
الإسرائيلي كي يدخل إلى عمق السوق العراقية. هذا لن يحدث أبداً. صحيح
أن العراق الآن هو عبارة عن كانتونات ضائعة، ولكن عندما يتعلق الأمر
بالدولة العبرية تختلف القصة تماماً، حتى إن الصادرات المرتقبة، وهي
في حدود المئة مليون دولار، ستحمل عنواناً آخر للمنشأ، صنع في
الولايات المتحدة أو في هولندا أو في تشيلي أو في الأرجنتين.
جدار طوله
360 كيلومتراً، والمرحلة الأولى منه 140 كيلو متراً، إنه أطول بكثير
من جدار برلين، وأطول من جدار هارديان بين اسكوتلندا وإنجلترا (120
كيلو متراً)، وهناك جدار آخر في اسكوتلندا هو جدار انتوني (59 كيلو
متراّ). ولكن بالتأكيد إن الجدار الإسرائيلي يظل أقصر بكثير من سور
الصين العظيم الذي بني ما بين العامين 246 و210 قبل الميلاد والذي
يبلغ طوله 3460 كيلومتراً، إضافة إلى متفرعات طولها 2860 كيلو متراً،
فيما يقول المؤرخون إن طوله الأساسي كان 9980 كيلومتراً، ولكن إذا ما
أخذنا بالاعتبار مساحة الصين آنذاك وكانت بالضرورة تتجاوز المساحة
الراهنة (9597000 كيلومتر مربع)، لاكتشفنا أن السور الإسرائيلي أطول
بكثير.
الدولة -
الكهف
الصحافي
الأميركي سيمور هيرتش يستغرب أن يفكر أرييل شارون هكذا: حبذا لو يعلم
أنه انتهى زمن الدولة – الكهف. لماذا لا تقوم علاقات الوئام مع الجار
الفلسطيني؟ بكل بساطة، يعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلية أن السلام
مستحيل مع العرب، لو تسنى له لأقام ذلك الجدار الذي يمتد إلى العالم
الآخر. هذا يثير غيظ الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز الذي يتساءل ما إذا
كنا قررنا الانفصال عن العالم.
الخبير
الاستراتيجي الفرنسي بول - ماري دولاغورس يتساءل بدوره: هل حقاً إن
إقامة جدار على هذا النحو يرمي الى الحيلولة دون تنفيذ العمليات
الانتحارية؟ هذا ليضيف أنه إذا ما شقت خريطة الطريق طريق التسوية
وهذا يفترض أن يحدث في مدة أقصاها عامان، لا يعود هناك من مجال لتلك
العمليات، فيما بناء الجدار بأكمله قد يستغرق ثلاث أو أربع سنوات، أي
أن حكومة شارون تتصرف على أساس أن السلام لن يأتي أبداً.
دولاغورس
يتساءل: جدار إلكتروني في وجه الفلسطينيين أم في وجه الأميركيين؟
وحين التقى الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش برئيس الوزراء الفلسطيني
محمود عباس وصف الجدار بأنه جدار نفسي، متمنياً على شارون إعادة
النظر في الاستمرار ببناء الجدار الذي وصفه بـ المشكلة إذ كيف يمكن
بناء الثقة والجدار في أن واحد.
أميركا تغسل
وجهها
الرئيس
الأميركي ركز كثيراً على منطق الثقة مطالباً بإزالة المستوطنات. وهذا
ما يعتبره شارون بمثابة انتهاك للتاريخ الأيديولوجي ليهودا والسامرة،
دون أن يعلم ربما أن هاتين التسميتين رومانيتان وليستا عبريتين.
ذات يوم، وفي
خضم العمليات التفاوضية المعقدة، اقترح قيادي بارز في سلطة الحكم
الذاتي تمثيل يهود المستوطنات في الحكومة الفلسطينية التي تقوم في ظل
الدولة. ردة الفعل أتت عاصفة من الجانب الإسرائيلي، قال دوري غولد:
هذا طرح مفخخ يرمي إلى إقامة دولة ثنائية في "إسرائيل". بالطبع،
العرب يجب أن يكونوا مجرد أصفار في الدولة اليهودية.
جدار أمام
خريطة الطريق. قال هذا المعلق الأميركي وليم بفاف، ليضيف أن الرئيس
بوش بدأ يشعر فعلاً بأن عليه أن يفعل شيئاً ما بالنسبة إلى أزمة
الشرق الأوسط، لا لكي يدخل التاريخ كما تصور آخرون، وإنما من أجل
الحد من الضغط عليه داخل العراق، فالساحة هناك هي ساحته الانتخابية
الحقيقية، وعلى أميركا كما يقول بفاف أن تغسل وجهها في الشرق الأوسط
لأنه الوجه الملطخ في نظر العديد من العرب.
المثير أن
يقال في واشنطن إنه كلما ازداد الضغط على أميركا في العراق كلما بات
من الضروري أن يزداد الضغط على تل أبيب. لم يعد الضغط على العرب
مجدياً بعدما انتهوا إلى ما انتهوا إليه. إذاً، "إسرائيل" هي التي
ينبغي أن تبادر ولكن هل أن شارون من النوع الذي ينكسر؟
يا طيب
القلب..
إنهم يهربون
في كل الاتجاهات. لقد وصف الرئيس بوش أبو مازن بـ الرجل الطيب. عندما
يستخدم هذا التعبير في أميركا فهذا يعني أن علينا أن نشق أمامه
الطريق، كما قال أحد معلقي الـ"سي.إن.إن" فور انتهاء محادثات واشنطن.
وكان أن بادرت تل أبيب إلى اتخاذ سلسلة خطوات، كما جرت العادة، عشية
كل زيارة يقوم بها شارون للعاصمة الأميركية. لكن هذه الخطوات تظل أقل
بكثير مما ينبغي عمله، فالمشكلة بالغة التعقيد، ولحكومة شارون رؤيتها
الخاصة، إن لم نقل اللاهوتية، لسائر الملفات المطروحة والتي قد تدفع
خريطة الطريق إلى الطريق المسدود. وهنا يأتي من يقول إن أمام الرئيس
جورج بوش بضعة أشهر يستطيع التحرك فيها، بعد ذلك تأتي الحملة
الانتخابية وتظهر الأحصنة اليهودية على الطريق إلى البيت الأبيض.
الذي يحدث أن الإدارة تصاب بالشلل، خصوصا إذا كانت تعاني من المأزق
على مختلف الجبهات فيما الكثيرون يعتبرون أن الرئيس بوش قد أكمل
مهمته ويفترض أن يأتي ذلك الرئيس الآخر الذي يعرف كيف يوضب النتائج.
اسحق
ليفانون، الوزير المفوض والناطق باسم وزارة الخارجية عقب على كلام
الرئيس بوش بالقول إن الجدار ليس مشكلة، بل إنه إجراء أمني ينتهي
مفعوله بانتهاء الظروف التي كانت وراء إنشائه. إجراء أمني يكلف
ملياري دولار، من يصدق؟
الذين تأملوا
جيداً في وجه محمود عباس في حديقة الزهور في البيت الأبيض لاحظوا أن
الرجل لم يسمع من الرئيس الأميركي كل ما كان يتمناه لكي يعود إلى
الأراضي الفلسطينية وفي جعبته الأمل. قال هذا خلال المحادثات، فكان
أن أجيب بأن الأمل لا يمكن أن يكون بضاعة مستوردة، حتى إنه سبق لـ
كوندوليزا رايس وكتبت رسالة إلى أولئك الذين يصنعون الأمل.
جراحة في
الضمير
يقول إدوارد
سعيد: الجدار الآخر في داخل أرييل شارون. هذا صحيح. فكيف يمكن لرجل
من هذا النوع أن يمضي إلى السلام. الفيغارو الفرنسية تقترح إخضاع
الرجل لسلسلة من العمليات الجراحية التجميلية أشياء كثيرة يفترض فيه
بدءاً من البطن المنتفخ الذي لا يليق بجنرال، أما يوسي ساريد فيرى أن
الجراحة يجب أن تتركز على ضمير شارون، هو الذي يعتبر أن المصلحة يجب
أن تتقدم أي شيء.
كل ما تفعله
الحكومة الإسرائيلية هو تعديل في عمق الجدار الذي يقضم مساحات واسعة
وحيوية من الأرض الفلسطينية. ولكن صحيفة هاآرتس تتساءل عن عدد
الجدارات التي يفترض إزالتها من أجل التوصل إلى السلام؟ كل شيء يوحي
بغلبة منطق الغيتو. إن الحاخامات، وأحدهم (عوفيديا يوسف) وصف العرب
بالأفاعي التي ينبغي محقها، يحذرون من الذوبان، والمثير أن هؤلاء
الذين يتدلى العصر الحجري من لحاهم يعتبرون أن العرب عادوا إلى العهد
السحيق، أي عهد الهمجية، وعلى هذا الأساس، فإن أي معاهدة سلام يعني
أن نضع يدنا في فم الأفعى.
هذا هو
منطقهم. الأميركيون يقولون لا شيء يمكن أن يحد من دور هؤلاء سوى
السلام، حتى ولو كان السلام الذي يعكس الاختلال الكبير في ميزان
القوى. يقول جان دانيا: التاريخ يصحح كل شيء. هذا ينتظر العرب ألف
عام؟
|