|
حدود الديمقراطية الإسرائيلية
د. عبد الوهاب المسيري
مفكر - مؤلف الموسوعة الصهيونية
المصدر:
صحيفة الاتحاد 14/1/2002
خلال أسبوع
واحدٍ، اتخذت لجنة الانتخابات المركزية في الكيان الصهيوني عدداً من
القرارات التي أثارت كثيراً من الجدل داخل الأوساط الصهيونية
وخارجها.
فقد أقرت
اللجنة من جهةٍ مشاركة (باروخ مارزل)، العضو السابق في حركة كاخ
والملاحق قضائياً في عددٍ من الأعمال الإجرامية، في انتخابات الكنيست
ضمن قائمة حزب حيروت، بينما حرمت من جهةٍ أخرى ترشيح أحمد الطيبي،
عضو الكنيست عن الحركة العربية للتغيير، وقائمة التجمع الوطني
الديمقراطي بزعامة د. عزمي بشارة. واستندت اللجنة في حيثيات قرارها
بخصوص حرمان أحمد الطيبي وعزمي بشارة إلى تصريحاتٍ نُسبت إليهما
ويُستشف منها تأييد الكفاح المسلح ورفض الطابع اليهودي لدولة
"إسرائيل".
وبغض النظر
عن صحة هذه التصريحات أو صحة تأويلها، وبغض النظر عن أن المحكمة
العليا في الكيان الصهيوني قد ألغت في وقتٍ لاحقٍ قرار اللجنة بخصوص
الطيبي وبشارة وسمحت لهما بخوض الانتخابات، فقد كشفت هذه الواقعة وما
ثار حولها من جدلٍ عن عددٍ من التناقضات التي يعج بها الكيان
الصهيوني، وهي تناقضات أصيلة ومزمنة ترجع في الأساس إلى ما يتسم به
هذا الكيان، والفكرة الصهيونية التي قام عليها، من شذوذ بنيوي.
فقد تجلت
الصيغة الصهيونية الأساسية في شعار أرض بلا شعب إلى شعبٍ بلا أرض،
والذي يعني نقل اليهود، بوصفهم الشعب الطفيلي المنبوذ المتواجد بين
شعوب أوروبا دون أن يكون جزءاً منها، إلى أرض فلسطين، بوصفها أرضاً
لا تاريخ فيها ولا بشر وحتى إن وُجد فيها بعض السكان فهم ليسوا شعباً
ومن السهل إبادتهم أو طردهم.
وتكمن في هذا
الشعار، الذي شكَّل أساس المشروع الصهيوني في استعمار فلسطين، كل
خصائص العنصرية الصهيونية الموجهة ضد العرب من جهةٍ، وضد أعضاء
الجماعات اليهودية أنفسهم، من جهةٍ أخرى. فعرب فلسطين، حسب هذا
التصور، هم أدنى مرتبةً من المستعمرين اليهود، هذا إن تم الاعتراف
بوجودهم أصلاً. وبالمثل، فإن أولئك اليهود لا يرقون إلى مكانة الشعوب
الأوروبية التي يعيشون بين ظهرانيها، إما بسبب طفيليتهم وتخلفهم أو
بسبب العداء الأزلي الذي تكنه هذه الشعوب لهم.
وتمثل إقامة
الدولة الصهيونية على أرض فلسطين وطرد سكانها العرب أو تهميشهم أعلى
مراحل التجسيد العملي لتلك النظرة العنصرية الاستعمارية، بل إن مقولة
الدولة اليهودية أو الوطن القومي لليهود هي في حد ذاتها مقولة عنصرية
صريحة، إذ تجعل الهوية الدينية أو العِرقية معيار الانتماء إلى ذلك
الكيان السياسي. وفي غياب تعريفٍ دقيقٍ ومحددٍ لكلمة اليهودي بين
الفرق الصهيونية المختلفة، يصبح هذا المعيار فضفاضاً وانتقائياً
يُطبق حسب الضرورة لاعتباراتٍ نفعية ومرحلية بحتة.
وفي المقابل،
قدمت دولة "إسرائيل" نفسها باعتبارها دولةً ديمقراطية تسير على النهج
الغربي الحديث من حيث النظام الحزبي والسياسي، وتمثل واحةً
للديمقراطية في محيطٍ عربي يعج بالتخلف والاستبداد. والمثير للدهشة
والأسف في آنٍ معاً أن بعض الكتاب العرب ما برحوا يرددون الأقوال
نفسها متخذين من "إسرائيل" نموذجاً ديموقراطياً يجب أن يُحتذى، ولم
يتوقف أحد للتساؤل عما تنطوي عليه هذه الأقوال من تناقضاتٍ جوهرية.
فأحد العناصر
الأساسية في أية دولةٍ ديمقراطية يتمثل في معاملة جميع أفراد هذه
الدولة على قدم المساواة دون تمييز بسبب الجنس أو الأصل العِرقي أو
اللون أو العقيدة أو الانتماء السياسي، وهو أمر تفتقر إليه دولة
"إسرائيل" التي قامت على أساس نفي وجود الشعب الفلسطيني والسعي إلى
اجتثاث جذوره التاريخية، بل واقتلاع هذا الشعب من أرضه، وحرمانه من
أبسط حقوقه في العودة إلى وطنه. ولم يكن هذا الموقف مجرد إجراء مرحلي
اقتضته ظروف نشأة هذه الدولة، كما يقول بعض الكتاب الصهاينة ممن
يُطلق عليهم اسم المؤرخون الجدد أو دعاة ما بعد الصهيونية، بل ظل
يمثل نهجاً ثابتاً للدولة الصهيونية، وتجسد في عددٍ من القوانين
والإجراءات العملية.
وتُعد قوانين
مثل قانون العودة، الصادر عام 1950، و قانون الجنسية المكمِّل له،
والصادر عام 1952، و قوانين وأنظمة الطوارئ، التي فرضتها سلطات
الانتداب البريطاني عام 1936 وأُدخلت عليها تعديلات في الأعوام 1945
و1949 و1950 ثم عُممت على المناطق المحتلة بعد عام 1967، وقانون
أملاك الغائبين، الصادر عام 1950، من أبرز الأمثلة على تقنين
العنصرية في الكيان الصهيوني. فالقانون الأول، مثلاً، يمنح كل يهودي
في العالم الحق في الهجرة إلى فلسطين والاستقرار فيها بشكلٍ تلقائي،
حتى وإن لم تكن هناك أية صلاتٍ تربطه بهذه الأرض، بينما يحرم من هذا
الحق الفلسطيني الذي وُلد على أرض فلسطين وطُرد منها عنوةً. وينطلق
القانون في ذلك من المفهوم الصهيوني عن اليهودي الخالص صاحب الحقوق
المطلقة في أرض فلسطين، وهي حقوق أزلية متوارثة لا تحتاج إلى براهين،
على حد قول (ديفيد بن جوريون)، أول رئيس لوزراء "إسرائيل".
أما قوانين
وأنظمة الطوارئ وقانون أملاك الغائبين وغيرها من القوانين المتعلقة
بالأراضي، فقد كانت الأداة التي استخدمتها الدولة الصهيونية
للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين الذين طُردوا من بلادهم وعلى
أموالهم وأملاكهم، وكذلك لمصادرة ما تبقى من أراضٍ في يد العرب ولفرض
الطابع اليهودي عليها.
وما زالت
"إسرائيل" تفرض مزيداً من القوانين العنصرية ضد عرب فلسطين، ومن
الأمثلة الحديثة على هذه القوانين فرض مزيدٍ من القيود على حصول
الفلسطينيين على الجنسية الإسرائيلية، ومن ثم معاملة كثيرٍ من
الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل الدولة الصهيونية باعتبارهم مهاجرين
غير شرعيين مما يعرضهم للسجن أو النفي (صحيفة هآرتس 14 يونيو 2002).
ويتجلى
الطابع العنصري نفسه في مختلف المجالات القانونية والتعليمية والصحية
والاجتماعية، حيث يُعامل عرب فلسطين، باعتبارهم مواطنين من الدرجة
الثانية، بينما يحظى المستعمرون اليهود، بمزايا متعددة من حيث الحصول
على فرص التعليم والعمل والسكن والرعاية الصحية.
والواضح أنه
لا مجال داخل الإطار الصهيوني لحل هذا التناقض البنيوي بين توصيف
"إسرائيل" كدولةٍ يهودية وإعلانها عن نفسها كدولةٍ ديمقراطية، حسب
تعبير الكاتب الصهيوني (عوزي بنزيمان) (صحيفة هآرتس 3 يناير 2003)،
وهو تناقض يزداد حدةً مع تفاقم أزمات "إسرائيل" من جراء الانتفاضة
الفلسطينية، وتصاعد وعي الفلسطينيين الذين يعيشون في إطار هذه
الدولة، وإصرارهم على ممارسة أبسط حقوقهم السياسية كمواطنين على ما
تبقى من وطنهم.
والله أعلم |