الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

فائض الصهيونية وفلسفة اغتيال الهُدْنات!

 

 خيري منصور

صحيفة الوطن القطرية 25/8/2003

 

منذ الاشتباك الأول في فلسطين، بين فلسفتين ومفهومين متناقضين جذرياً، كانت الهدنة مجرد فاصلة أو أياماً معدودات بين معركتين، لأن طبيعة بل فلسفة الصهيونية تتأسس على محو الآخر، والاستيطان بأبسط تعريفاته التاريخية والجغرافية هو حذف للسكان الأصليين بهدف استبدالهم بمهاجرين، يتنامى لديهم بفضل الميديا المسيّسة وهم الاستحقاق، وبالتالي التعامل مع الطرف الآخر بوصفه فائضاً لا يملك من مقومات الديمومة ما يؤهله للرد والمجابهة.

 

وصراع كهذا، لم يبدأ البارحة أو حتى قبل نصف قرن فقط، بل بدأ مع أول إشارة مشحونة بالميثولوجيا إلى ما سمي أرض الميعاد، وهي أرض كما يرى معظم الباحثين في الإسرائيليات ليست ذات مساحة محددة في الواقع، بقدر ما هي مرنة ومطاطية إذ تقبل التمدد أو الانحسار وفقاً للقوة فقط، لهذا فقد كانت هذه الأرض الموعودة من السماء بمساحة الأرض العربية المحتلة عام 1948، وما إن أتاح التاريخ الفرصة للصهيونية أن تتمدد أكثر حتى شملت الأرض التي احتلت في حرب يونيو 1967، والتي يجري التفاوض «المسلح» الآن بشأن جزء منها فقط!!

 

لهذا ما من قارئ لتاريخ هذا الصراع إلى بعده الأعمق والأكثر جدية يستطيع أن يراهن على هدنة تدوم طويلاً، أو تكون ذات جدوى حتى في المدى المنظور! لأن الخلاف ليس حدودياً حول بضعة أميال، وليس حول إعادة رسم الخرائط بعد حرب خلخلت الحدود الإقليمية نسبياً، إنه خلاف جذره الأيديولوجيا، وامتداداته وتجلياته التاريخية، وكل ما يشمل الشخصية القومية من مكونات.

 

وإذا احتكمنا إلى الذاكرة، أو ما تعلق منها بالملف الصهيوني حول هذا الصراع، فإن أول ما نجده أمامنا وبوضوح هو افتعال "إسرائيل" لمناسبات محددة كي تستكمل حلقات مؤجلة من مشروعها الاستيطاني، فهي لم ولن تعدم الحيلة لاصطناع مثل هذه المناسبات، ولأن حمولتها الإعلامية والدعائية وجدت على امتداد العالم ما يتعهدها ويبثها، فإن التضليل وخلط حابل المعتدي بنابل المقاوم يصبح أمراً ميسوراً، وهذا ما يحدث الآن.

 

فعلى سبيل المثال، حاولت "إسرائيل" استثمار كوارث العالم كله لتغذية مشروعها الخاص، فهي أول من بادر إلى عرض الخدمات بعد أحداث 11 سبتمبر في أميركا، وأول من حاول الدمج بين ما حدث في نيويورك وواشنطن وما يحدث في نابلس وجنين وغزة!

 

وبالمقياس ذاته، حاول شارون الإفادة إلى حد كبير من التزامن بين تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد ومصرع ممثل الأمين العام وعملية القدس الاستشهادية، فسارع إلى اغتيال إسماعيل أبو شنب أحد أبرز قادة «حماس» وهذا الدمج القسري، بين عمليات توصف بالإرهابية في مناطق عديدة من العالم خصوصاً في الشرق الأوسط وبين المقاومة الفلسطينية هدفه واضح، وهو تجريد هذه المقاومة من شرعيتها وتجييش الرأي العام الدولي ضدها.

 

هكذا تنقلب المعادلة رأساً على عقب، ويصبح اللص هو القاضي، فيما يفرض على الضحية أن ترتدي رغما عنها قناع الجلاد، ولهذا يتفاقم الالتباس الآن، وكأن هذه الحفلة التنكرية التي تقيمها "إسرائيل" وبشكل يومي وليس موسمياً فقط، هي شكل جديد أو طبعة جديدة بالعبرية لحرب غير تقليدية على الإطلاق.

 

إن لكل صراع حيثياته الخاصة، وسياقه التاريخي الذي يفرض شكل وطبيعة الهدنات المقترحة، حتى التفاوض ذاته يصبح وفق صراع ذي طبيعة استثنائية كهذا الصراع حرباً أخرى يحاول الطرف الأقوى فيها أن يحقق الاكتفاء الذاتي على طاولة المفاوضات، بمعنى آخر أن يتفاوض مع نفسه فقط، لأنه لا يعترف حتى بالحد الأدنى لحق الآخر في التفاوض أو الرد!

وإذا كانت الصهيونية كحركة، وفلسفة غير أرضية وغير تاريخية بالمعنى الدقيق نحاول إدامة صلاحيتها أو تجديد شبابها، فإن الانتخاب المتكرر لجنرال مصاب بالعمى الأيديولوجي، والبارانويا العرقية هو بمثابة البرهان على أن هذه الحركة قادرة على التهام الدولة، فهي تفيض دائماً باتجاه الدولة، ولم تتحقق حتى الآن «أسرلة» الصهيونية بمعنى تحويلها إلى دولة بالمفهوم الحديث، لهذا فهي أكثر من مجرد احتياطي استراتيجي يلجأ اليها المحارب والمفاوض الإسرائيليان كلما أحسا بأن لحظة الاعتراف بالحقيقة قد أزفت!

 

وبمعنى ما، فإن تأجيل هذه اللحظة، يتحول إلى سبب كاف لانتهاك الهدنات كلها، وعدم الاعتراف بأية اتفاقيات، فثمة اعتقاد راسخ لدى من تشبعوا بالخرافة الصهيونية ذات البعد الميثولوجي بأن السلام هو نهاية مشروعهم، وان استمرار الحرب وابتكار أسباب جديدة لها في كل عقد من الزمن هو الضمانة الوحيدة لإدامة توتير اليهود، وبالتالي تأجيل ما يتهددهم من تذرر وصراع إثني ككل مجتمعات العالم، وقد كان المؤرخ أرنولد توينبي من أوائل من لاحظوا هذه المسألة وكتب عدة مقالات أدرجته "إسرائيل" بسببها في قائمة المعادين للسامية، كانت خلاصتها، أن "إسرائيل" تموت بالسلام، وتعيش بالحرب فقط، وتلك أمثولة جديدة في التاريخ، قد تبدو التجربة الإسبارطية دونها بعدة مقاييس!

 

وما خشيه العالم على الدوام، هو إفراز الصهيونية في مرحلة الدولة أو «الأسرلة» لقادة ليسوا رجال دولة بقدر ما هم زعماء منظمات سرية، وشارون بالتحديد واحد من هؤلاء إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، فهو رغم توليه منصب رئاسة الوزراء، يتصرف ويفكر بعادات ذهنية تعود إلى أدبيات الصهيونية في الأربعينيات، ويتعامل مع نابلس ومخيم جنين وغزة وسائر المدن والقرى الفلسطينية بذهنية العصابة التي تعاملت بقسوة هائلة مع قبية ودير ياسين وكفر قاسم!

 

والمفارقة الآن، هي مطالبة السلطة الوطنية الفلسطينية بأن تتعامل مع "إسرائيل" بصفتها دولة مستكملة النصاب، وذات قرار مركزي خصوصاً ما يتعلق منه بالأمن والمقاومة، بينما لا يطالب أحد "إسرائيل" بأن تكون «دولة» بالمعنى الحديث، وأن تلتزم بتواقيعها وما تتفق بشأنه مع الأطراف الأخرى، فما أن ترتطم جرتها بإبريق عربي حتى تستدعي كامل الاحتياطي من كونها حركة، ومنظمة سرية ولا يمكن لعمليات الاغتيال التي تصفي من خلالها ناشطين سياسيين إلا أن تندرج ضمن أدبيات الهاغاناه وشترن.

 

الصيغة الأخرى للمعادلة المقلوبة، هي مطالبة السلطة الوطنية الفلسطينية بأن تكون الحارس الأمين على "إسرائيل" وأن تتعهد بحماية الأمن الشخصي لخمسة ملايين يهودي، وهذا بحد ذاته تعجيز لا حدود له، لأن المقاومة الشعبية في فلسطين المحتلة غير قابلة للتدجين وعلى هذا النحو الساذج، بحيث يشيع الناس شهداءهم بصمت، ويعودون إلى حقولهم وكأن شيئاً لم يكن.

 

إن مصطلح الهدنة بحد ذاته أصبح بحاجة إلى تعريف جديد، فهو ليس جملة سياسية معترضة في سياق عسكري فقط، بل هو تصور إسرائيلي خالص، تحاول "إسرائيل" الشارونية من خلاله إضاعة المزيد من الوقت على الطرف الآخر إضافة إلى منح نفسها فرصة إضافية لتكريس الاستيطان، وتمشيط البلاد، وفرض المزيد من الهيمنة النفسية على العباد! إن تحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية انتهاك الهدنة في العديد من المرات التي انتهكت فيها هو بمثابة عدوان آخر، واحتلال آخر لكنه هذه المرة يستهدف العقل والذاكرة وليس الأرض فقط!

 

من يصدق أن الفلسطينيين في مثل هذا الحصار وهذه العزلة وهذا التخلي القومي والخذلان الدولي يبادرون إلى خيار المقاومة المسلحة لأنهم يريدون ذلك، أو لأنهم لا يستطيعون التأقلم مع الحرب السياسية؟ ما من مرة سارع الفلسطينيون فيها إلى الرد العنيف إلا بعد أن بلغ السكين الإسرائيلي نخاعهم، فمنذ عدة أعوام لاحقت "إسرائيل" واغتالت نخبة من القادة الوطنيين يصعب تعويضهم في المدى المنظور، ولولا المقاومة وما تهدد به من انتقام عاجل، لسال لعاب شارون على الفلسطينيين كلهم، سواء كانوا من منظمات توصف بالراديكالية أو من منظمات ذات توجه ليبرالي!

 

وإذا اعتبرنا ما سمي في الآونة الأخيرة «هدنة» هدنة بالفعل، فإن عمرها القصير جداً جاء بسبب الاغتيال الإسرائيلي لها، فالهدنة هي أيضاً ضحية اغتيال ومطاردة، لأنها تفتضح الصمت الإسرائيلي المشحون بالتهيؤ للانتقام حتى لو كان انتقاماً مجانياً، والشيء الوحيد الذي يشعرنا بالقلق الآن هو ركوب "إسرائيل" الشارونية للموجة الأميركية المضادة للإرهاب، فهي إذ تضيف حمولتها إلى تلك السفينة أو بمعنى أدق إلى ذلك الأسطول إنما تحاول تبرئة نفسها من دم الضحية، فالإرهاب الآن ليس فلسطينياً بقدر ما هو إسرائيلي، ولو كان للإرهاب لغة يتحدث بها ويعترف لكانت اللغة العبرية بامتياز.

 

إن السؤال المزمن وهو مَنْ يقتل مَنْ في هذه الدوامة التاريخية، قد بدأ يتكشف ويأخذ صيغة أكثر مباشرة وهو لماذا يحدث كل هذا القتل؟ الفلسطينيون لم يقتلوا على الإطلاق إلا عندما كانوا يذودون عن طفل وفكرة ومساحة من الأرض ومقدسات، أما "إسرائيل" فقد حولت القتل إلى أيديولوجيا، حتى توأم الأيديولوجيا الصهيونية التي لم تنظر ذات قتل أو إبادة إلى الآخر بوصفه إنساناً، إنه «الغوييم» الذي يقع حسب معاجمها العرقية، وخطابها المزدوج خارج النطاق البشري، وما لقيته حتى الآن من مكافآت على هذا القتل يكفي لمضاعفة أوهامها بأنها على حق وأنها إنما تطبق أمراً سماوياً!

 

ما نحتاج إليه الآن، وبإلحاح شديد هو تفكيك كبة الصوف التي عبثت بها القطة الوحشية، فالإرهاب له تضاريس وحدود، ومعان، وليس من حق المقاتل المحترف أن يختبئ وراء ضحية ما ليخفي الدم الذي يقطر من مخالبه وأنيابه!