الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

اتجاهات إسرائيلية خطيرة!..

عبد المنعم سعيد

 

صحيفة الوطن السعودية 18/12/2003

كما هو معلوم فإن اتفاق جنيف المشهر في الأول من ديسمبر الجاري قد فتح الباب لنقاشات وحوارات وشجارات كثيرة على الجانبين العربي والإسرائيلي. وعلى هذا الجانب الأخير قدم لعدد من البدائل الإسرائيلية كان أولها بعد خيار التسوية التفاوضية ما يسمى ببديل "الأمر الواقع" أو في الحقيقة "فرض الأمر الواقع" وتتبناه جماعات المستوطنين واليمين الإسرائيلي. ويقوم هذا البديل على مجموعة من الادعاءات أولها أن اليهود لهم حق تاريخي وديني في فلسطين كلها وخاصة في "الضفة الغربية" وبدونها فإن وجود "الدولة اليهودية" هو نوع من الخيال.

 

وثانيها أن العرب لن يستسلموا لهذه الحقيقة إلا بعد سلسلة من الجولات العسكرية التي على "إسرائيل" أن تكسبها كلها، وبعد أن يقبل العرب الفلسطينيون الأمر الواقع سوف يحدث السلام

 

وثالثها أن الحرب الراهنة ما هي إلا واحدة من الجولات التي يتعين على "إسرائيل" كسبها، وحتى هذه اللحظة فإن هذه الحرب قد أدت إلى توحيد المجتمع الإسرائيلي حول اليمين، كما أدت إلى عزل الفلسطينيين وأظهرت "الوجه الحقيقي" لهم باعتبارهم من الجماعة الإرهابية الدولية التي هاجمت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، وفي النهاية فإن خسائر "إسرائيل" في هذه الحرب مقبولة من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية.

 

ورابعها أنه في إطار هذا البديل لا بد من تغيير الأمر الواقع فقط عن طريقة خطة محكمة لزيادة عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى الدرجة التي تجعل الحل القائم على دولتين مستحيلاً.

 

وخامسها أنه في إطار هذا الحل سوف يتعين "تشجيع" الفلسطينيين على الرحيل بحيث يستحيل تشكيل أغلبية عربية في الدولة اليهودية.

 

البديل الاستراتيجي الثالث المطروح إسرائيلياً بعد التسوية التفاوضية وفرض الأمر الواقع يقوم على "فك الارتباط من جانب واحد Unilateral Disengagement. ونقطة البداية في هذا البديل تقوم على أنه يفرض نفسه فقط لأن البديلين الآخرين من المستحيلات، فلم يعد ممكناً بعد سنوات الصراع الأخيرة، وحالة التهديد التي عاشتها "إسرائيل" أن تتم تسوية سلمية بين الطرفين، وحتى لو تم التوصل لهذه التسوية فإن الدولة الفلسطينية سوف تشكل دوماً خطراً على "إسرائيل" ليس فقط لأنها تمثل تهديداً أمنياً مستمراً من قبل جماعات فلسطينية غير قابلة بالتسوية بل أيضاً لأنها سوف تمثل عاملاً في تخريب الاقتصاد الإسرائيلي والتفكك الاجتماعي وزيادة الجريمة.

 

كما أنه بات مستحيلاً في نفس الوقت استمرار سيطرة "إسرائيل" على الفلسطينيين لأن الأخيرين لن يقنعوا بأحوالهم، كما أنهم سوف يجدون دائماً فرصة لإيذاء "إسرائيل"، فضلاً عن التكلفة العسكرية والدولية العالية لوجود حالة من حالات الاحتلال الدائم. فالصراع الحادث بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو صراع بين الشعوب، وعندما بدأت العمليات "الإرهابية" الفلسطينية ضد الإسرائيليين المدنيين فإنه لم يعترض أحد من الجانب الفلسطيني بل كانت هناك مشاعر واضحة للتشفي والفرح من آلام الإسرائيليين.

 

ومع غياب هذين البديلين من الناحية العملية، وعدم وجود قيادة فلسطينية جاهزة للتفاوض، فإن الحل المتاح يقوم على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية ليس إلى الخط الأخضر الذي يمثل حدود الرابع من يونيو 1967 ولكن إلى حدود تحددها "إسرائيل" وفقاً لما يحقق أمنها في وادي الأردن، وتحمي المستعمرات الكبرى، والقدس الموسعة تحت السيطرة الإسرائيلية. وبعد تعيين الأراضي التي سوف يتم الانسحاب منها تقوم "إسرائيل" بالفصل الكامل بين الأراضي الفلسطينية الباقية والأراضي الإسرائيلية من خلال حائط فصل مانع يعزل هذه الأراضي تماماً عن الجوار العربي، ويجعل الدخول والخروج منها مرتبطاً بالإرادة الإسرائيلية. وبالطبع فإن الانسحاب الإسرائيلي قد يتضمن تفكيك عدد من المستوطنات، كما أنه سوف يسبب انزعاجاً دولياً، ولكن "إسرائيل" تستطيع التعامل معه طالما بقيت أولاً على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، وطالما أن الفلسطينيين والعرب سوف يقومون بعمليات إرهابية تكفي لإبعاد العالم عنهم.

 

البديل الرابع المطروح في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي ربما يكون هو بديل شارون نفسه، وهو لا يتناقض مع بديل الأمر الواقع أو بديل الفصل الكامل، وإنما يمهد الطريق إلى أي منهما في المستقبل. ويقوم هذا البديل أيضاً على أن التسوية حالياً مستحيلة ليس فقط بسبب الدم الذي سال بين الطرفين، ولكن أيضاً لأن القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ضالع فيما جرى من إرهاب. ومن الناحية العملية فإنه يستحيل ضم الأراضي الفلسطينية، كما أنه يستحيل الفصل الكامل معها، وبالتالي فإن الحل الممكن في هذه المرحلة يقوم على قاعدتين : الأولى هي تسوية مرحلية، والثانية هي إدارة الصراع الذي لا يتوقع له نهاية ولكن يمكن خفض مستوى حدته من خلال التسوية المرحلية. وهنا فإن خريطة الطريق لا ينظر لها على أنها طريق إلى تحقيق التسوية النهائية خلال فترة معقولة قدرها 30 شهراً كما هو الحال في وثيقة جنيف، وإنما ينظر لها على أنها طريق إلى فترة مفتوحة قد تصل إلى عشرين عاماً تبقى فيها الدولة الفلسطينية المؤقتة عند حدودها في أراضى المناطق (أ) و (ب) كما تقررت في أسلو.

 

هذه البدائل الاستراتيجية الثلاثة الأخيرة كما هو واضح تقوم على فرض حل إسرائيلي مهما كانت وجهة النظر الفلسطينية أو العربية أو الدولية فيه، وبالتالي فإنها تعتمد تماماً على القوة الإسرائيلية، وفي بعض منها فإنها تقوم على استمرار العلاقات القوية مع الولايات المتحدة التي يرى غالبية الإسرائيليين أنه لا يوجد غيرها له قيمة في المجتمع الدولي.

 

 وبالتالي فإن أية استراتيجية عربية ومضادة لهذه البدائل والخيارات والاستراتيجيات الإسرائيلية لا بد وأن تضربها في نقاط ضعفها الرئيسية بحيث تجعل أولاً الحل ممكناً وهو ما تقدمه وثيقة جنيف، وبحيث تجعل الولايات المتحدة متحمسة لهذا الحل وهو ما توجد إشارات أمريكية قوية عليه عندما استقبلت واشنطن ياسر عبد ربه ويوسى بيلين بأذرع مفتوحة، وإذا كان ممكناً بعد ذلك خلق التفاف دولي حول الاتفاق بحيث تعزل "إسرائيل" وبعد ذلك يتم فرض هذا الحل عليها ربما بعد الانتخابات الأمريكية.