|
الصهيونية المسيحية: انحراف سياسي
تحت عباءة دينية و"إسرائيل" هي المستفيد الأوحد
كتب: د. محمد السعيد إدريس
صحيفة الأهرام
22/5/2004
رغم الفجوة
الهائلة بين رسالة الضمانات الأمريكية التي قدمها الرئيس الأمريكي
جورج بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون, ووعوده التي
اعتبرت بمثابة "وعد بلفور" أمريكي للدولة الصهيونية وبين رسالة
التطمينات التي قدمها الرئيس الأمريكي للعاهل الأردني الملك عبد الله
الثاني التي أعاد فيها للتفاوض المباشر دوره في معالجة القضايا
الخلافية بين الفلسطينيين والإسرائيليين, فإن المنظمات الصهيونية
الأمريكية صدمت بما اعتبرته تراجعاً أمريكياً ليس في الضمانات
والوعود, ولكن في النهج الأمريكي, كما صدم أرييل شارون هو الآخر
واضطر لإلغاء زيارته التي كان سيقوم بها لواشنطن مبرراً ذلك برفض حزب
الليكود لخطته الخاصة بالانسحاب من قطاع غزة.
لقد كان جوهر
الاهتمام الإسرائيلي, وكذلك المنظمات الصهيونية الأمريكية طيلة
الأسابيع الماضية التي أعقبت وعود الرئيس بوش لشارون متركزاً ليس على
الوعود والضمانات رغم خطورتها الشديدة من المنظور العربي, ولكن على
النهج الأمريكي الجديد في التعامل مع الصراع العربي- الإسرائيلي
الذي تلخص في استبدال سياسة الأمر الواقع كمحدد لما يسمي بـ"عملية
السلام" بدلاً من قرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي.
فالإسرائيليون يريدون فرض سياسة القوة والأمر الواقع واختلال موازين
القوى الإقليمية لصالحهم كمعيار وكمحدد للتفاوض مع الفلسطينيين,
بدلاً من قرارات الأمم المتحدة. تجلى ذلك عندما قال الرئيس
الأمريكي في لقائه مع شارون بالبيت الأبيض: إن حدود عام 1949 لم
تعد تعبر عن الأمر الواقع في إشارة إلى أن مطالب العرب بالانسحاب
الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967 لم تعد مقبولة, وأنه بات
من الضروري قبول العرب بأن تضم "إسرائيل" أجزاء من تلك الأراضي التي
احتلتها عام 1967 إلى أراضيها بما يتوافق مع موازين القوى ومع
متطلبات الأمن الإسرائيلي.
هذا التطور
في الموقف الأمريكي هو الذي حظي بكل الاهتمام الإسرائيلي
والصهيوني, لذلك حدثت لهم انتكاسة معنوية بل وصدمة قوية بالتطمينات
التي قدمها الرئيس الأمريكي للملك عبد الله الثاني, وأعاد فيها
التركيز على خريطة الطريق وأهمية التفاوض الثنائي بين الطرفين
الفلسطيني والإسرائيلي.
وكرد فعل
لهذه الصدمة نظمت مجموعة ممن يطلقون على أنفسهم اسم" المسيحيون
الصهاينة" مظاهرة حاشدة تضامناً مع "إسرائيل" يوم الخميس (6 مايو
2004) خارج مبنى الكونجرس في العاصمة الأمريكية تم فيها عرض إحدى
الحافلات الإسرائيلية التي دمرتها التفجيرات الفلسطينية في الأراضي
الفلسطينية المحتلة. وقال بيان منظمة "مسيحيون من أجل
"إسرائيل"": إن أنشطة هذه المظاهرة تشمل إعلان يوم 6 من مايو
يوماً قومياً للصلاة من أجل "إسرائيل" تستمر فيه المظاهرات والصلوات
من الساعة الثانية عشرة ظهراً إلى الرابعة بعد الظهر. وعقدت
المظاهرات تحت عنوان: "الإرهاب, تذكرة في اتجاه واحد", وتم عرض
إحدى الحافلات المحترقة التي قالوا إنها تم تفجيرها من قبل
الفلسطينيين في "إسرائيل". وقال منظموا المظاهرة إن الحافلة رقم
19 ستعرض أمام مبنى الكونجرس وستبقى هناك للعرض طوال شهر مايو
ليشاهدها الجمهور الأمريكي الذي يقبل على هذه المنطقة السياحية
بكثافة في شهور الصيف.
وقال
المتظاهرون في بيان لهم: نحن المسيحيون الصهاينة.. مهمتنا حث
الدعم لدولة "إسرائيل" والشعب اليهودي عن طريق الصلوات وعن طريق
العمل الجاد وفق مشيئة وكلمة الرب.. إننا نريد أن يتفهم الآخرون
قلب الرب وأغراضه من أجل اليهود وأن نحصل على الفهم الجديد للأصول
اليهودية للعقيدة المسيحية".
ولحسن
الحظ, وفي اليوم نفسه (6 مايو 2004) عقد في القدس المحتلة
مؤتمر دولي هو الخامس من نوعه لمركز بحثي اسمه" مركز السبيل للاهوت
التحرر المسكوني" أكد على رفض التحالف المعاصر لمنظمات"
الصهيونية المسيحية" وقادتها مع العناصر الأكثر تطرفاً في حكومات
"إسرائيل" والولايات المتحدة والتي تسعى حالياً لفرض سياسة استباقية
عسكرية أحادية الجانب على الآخرين في فلسطين والعراق, وذلك في
البيان الختامي للمؤتمر الذي اختتم أعماله التي تواصلت لأربعة أيام
في القدس ورام الله المحتلتين عن الصهيونية المسيحية وأبعادها
ومخاطرها وتأثيرها في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وجاء في
البيان أنه" كنتيجة لمذكرة التفاهم بين الرئيس الأمريكي جورج بوش
ورئيس وزراء الكيان أرييل شارون في الرابع عشر من الشهر الماضي,
اتجهت الأزمة بين "إسرائيل" وفلسطين نحو مرحلة جديدة من القمع للشعب
الفلسطيني, ما سيقود, لا محالة, إلى دائرة مفرغة من العنف
والعنف المضاد, والذي ينتشر حالياً في جميع أنحاء الشرق الأوسط
ومناطق أخرى من العالم. نرفض التعاليم الهرطوقية للصهيونية
المسيحية التي تدعم السياسات المتطرفة والمساندة للاقتصارية العرقية
والحروب المستمرة بدلاً من بشارة الحب والخلاص, والمصالحة للعالم
أجمع التي نادى بها السيد المسيح في الإنجيل المقدس".
وأكد المؤتمر
أن الصهيونية المسيحية حركة سياسية ولاهوتية حديثة, تتبنى أكثر
المواقف الأيديولوجية الصهيونية تطرفاً, والتي تسيء للسلام العادل
في الأرض المقدسة, وتصور هذه الحركة, بدعمها للصهيونية السياسية
المعاصرة, الإنجيل وكأنه يتبنى أيديولوجية التسلط (حكم القيصر)
والاستعمار والحرب, مشدداً على أن التصرفات أحادية الجانب للحكومة
الإسرائيلية تتناقض مع القانون الدولي, وتنقض اتفاقيات السلام
السابقة, كما ترفض مشاركة الفلسطينيين وتضع السلام العادل والدائم
في الشرق الأوسط في خطر مستمر.
وعبر المؤتمر
عن استيائه لموافقة الولايات المتحدة وحكومات أخرى على إملاءات
شـارون, ممـا يعيد تكرار الأخطاء التاريخية للإمبراطوريات
الاستعمارية في الماضي, مثل وعد بلفور, معتبراً أن مثل هذه
الإملاءات أحادية الجانب تثبت سياسة تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم
ومن حقوقهم الوطنية, وتواصل حرمانهم من حقوق الإنسان الأساسية.
جذور الصهيونية المسيحية
لقد شكل تيار
الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة على الدوام رافداً استندت
إليه الصهيونية في تحقيق مشروعها وفي تشكيل مجموعات ضغط تعمل لمصلحة
"إسرائيل", بل وفي كسب قطاع واسع من الأوساط البروتستانتية الأصولية
في أمريكا وعلى أعلى المستويات. وإذا كانت الصهيونية المسيحية تبرز
الآن كقوة محركة ودافعة للسياسة الأمريكية ونزوعها إلى معاداة العرب
والمسلمين وحقوقهم والتحريض على خوض الحروب ضدهم تحت شعار محاربة
"الإرهاب" أو غيرها من الشعارات بعد وصول أركانها إلى السلطة,
فالحقيقة أن تيار الصهيونية المسيحية موجود منذ سنوات طويلة وبدرجات
مختلفة في مراكز صنع القرار الأمريكي في مختلف العهود وبالذات ابتداء
من وصول اليمين المحافظ أو" المحافظين الجدد" إلى الحكم في
الولايات المتحدة في عهد حكم الرئيس رونالد ريجان عام 1980, وقد
أسس هذا اليمين برامجه السياسية والاجتماعية والثقافية على مبادئ
دينية خطيرة, وشكل مع قوى الصهيونية المسيحية تحالفات وثيقة.
وقد لعبت
القوى الصهيونية المسيحية دوراً رئيسياً في صياغة الأبعاد
الأيديولوجية والتصورات الفلسفية والأخلاقية لقوى اليمين المحافظ,
كما أمدته بعناصر وكفاءات بشرية بارزة, وساندته بمؤسساتها
ومنظماتها المختلفة بحيث أضحى أبرز مفكري هذا اليمين المحافظ يعبرون
عن جوهر المنطلقات الفكرية لتيار الصهيونية المسيحية, وأخذوا
يوظفون هذه المنطلقات في صياغة الفكر الاستراتيجي الحاكم في الولايات
المتحدة, كما يتجلى الآن في عهد الرئيس جورج بوش.
وتعتبر
مؤلفات الكاتبة الأمريكية جريس هالسل وبالذات كتاب "النبوءة
والسياسة" ثم كتاب "يد الله" (ترجمهما للعربية الأستاذ محمد
السماك وصدرا من دار الشروق بالقاهرة) من أبرز ما كتب عن هذا
التيار الديني- السياسي المؤثر بقوة متصاعدة في صياغة السياسة
الخارجية الأمريكية وبالذات نحو الصراع العربي- الإسرائيلي خاصة,
والوطن العربي بصفة عامة.
لقد بين كتاب
"النبوءة والسياسة" أن الصهيونية أضحت بسبب تيار الصهيونية
المسيحية, صهيونيتين, الأولى والأساسية صهيونية مسيحية,
والثانية يهودية. ويأتي كتاب "يد الله" ليبين أن اللاسامية
أضحت, وبفضل هذا التيار أيضاً, لا ساميتين, الأولى تكره اليهود
وتريد التخلص منهم وإبعادهم بكل الوسائل الممكنة (لا سامية
المجتمعات الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين), والثانية
تكره اليهود أيضاً بيد أنها تريد تجميعهم في مكان محدد هو فلسطين,
ليكون هذا المكان مهبط المسيح في مجيئه الثاني المنتظر (لا سامية
أمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين وما بعده), وفكر هذه
اللاسامية يجئ امتداداً للفكر الذي أرسته بعض الحركات الدينية
المسيحية وبالذات "الحركات الألفية" التي تؤمن بأن السيد المسيح
سيعود ليحكم العالم مدة ألف سنة, وربطت بين هذه العودة ووقوع بعض
الأحداث الرمزية من أهمها عودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة
"إسرائيل" وإعادة بناء الهيكل ثم ظهور المسيخ الدجال, وتفجر مجموعة
من الصراعات الدموية تتوج بالمعركة الشهيرة المعروفة بمعركة
"هرمجدون" (قرية مذكورة في الرؤيا وتقع شمال القدس) حيث تقع معركة
بين ما يسمى بـ"الحق والباطل", وعند اقتراب إفناء العالم يظهر
السيد المسيح.
ولقد خطف
تيار الصهيونية المسيحية هذه المعتقدات بالربط بين الانتصار الساحق
لإسرائيل وعودة السيد المسيح ونشأة تيار مسيحي يزداد قوة يربط بين
شدة الولاء والدعم لإسرائيل وبين تعجل عودة السيد المسيح.
الصهيونية المسيحية كحركة سياسية
سعت
الصهيونية المسيحية, منذ تبلور اتجاهاتها في ما قبل إنشاء الدولة
اليهودية في فلسطين, لدعم نفوذها لدى الرأي العام الأمريكي,
وممارسة الضغوط السياسية على الإدارات الأمريكية المتعاقبة من أجل
مصلحة هجرة اليهود إلى فلسطين وإقامة وطن لهم فيها, واستخدمت
الصهيونية المسيحية من أجل ذلك كل وسائل العمل السياسي والإعلامي
والمنابر اللاهوتية, وتقديم العرائض ونشر الكتب والبيانات,
وتأسيس المنظمات والمؤسسات العاملة من أجل دعوة اليهود "للعودة"
إلى الأرض المقدسة وتيسير أمر هذه الهجرة, كما أسهمت في دعم وتمويل
إنشاء مستعمرات يهودية زراعية وغير زراعية في فلسطين.
وفي
ثلاثينيات القرن العشرين تسارع نمو منظمات صهيونية مسيحية, نشطت من
أجل "مساعدة اللاجئين اليهود الفارين من ألمانيا وأوروبا الشرقية
لدخول فلسطين ملاذهم الطبيعي".
ومن بين هذه
المنظمات" اللجنة الفلسطينية- الأمريكية" التي تأسست في مايو
عام 1932 وقادها في مراحل تالية أعضاء كبار من الكونجرس وقادة عمال
ورجال أعمال وأكاديميون ووزراء, وكذلك منظمة "المجلس المسيحي
لفلسطين" التي تأسست في عام 1942 وغيرها.
لكن التنامي
الكبير في هذه المنظمات الصهيونية المسيحية عدداً وقوة, أخذ في
التسارع بعد قيام "إسرائيل" وبخاصة في الستينيات حينما برزت قيادة
صهيونية مسيحية عبر منابر كنسية ومحطات تليفزيونية وإذاعة, وقدمت
برامج دينية ذات طابع جماهيري, ونشرت كتباً, وأنتجت أفلاما
سينمائية ناجحة, وأسست مدارس وجامعات ومراكز بحث, وقد شكلت
"إسرائيل" ودعمها والوقوف معها محوراً أساسياً في هذه الأنشطة
باعتبار أن الوقوف ضد "إسرائيل" هو معارضة للرب.
ومن أبرز
القيادات الصهيونية المسيحية القس جيري فولويل الذي اقتحم الحياة
السياسية الأمريكية في مطلع الستينيات ببرامج متلفزة ومسموعة, من
بينها برنامج "ساعة من إنجيل زمان" والذي يبدو فيه أكثر تشدداً
في دعم "إسرائيل" من كثير من اليهود الأمريكيين, ولم تقف طموحاته
عند حدود الوعظ في الكنيسة ووسائل الإعلام, بل عمل على بناء مؤسسات
تعليمية تملك أجهزة إعلامية, وتأسيس منظمة سياسية للعمل السياسي
باسم "منظمة الأغلبية الأخلاقية" لممارسة الضغط على الكونجرس
والإدارة الأمريكية, وللتأثير في اتجاهات الرأي في المجتمع
الأمريكي, ولتعبئة الملايين من الأمريكيين لممارسة حقهم الانتخابي
والتصويت على البرامج والأشخاص الذين ترشحهم منظمات الصهيونية
المسيحية. ونجحت منظمة جيري فولويل في توفير عناصر النجاح لعدد من
الشيوخ والنواب في الكونجرس, وحولت مواقف عدد غير قليل من الأعضاء
لمصلحة التصويت الدائم لطلبات "إسرائيل".
ولا يقف جيري
فولويل وأتباعه وبرامجه ومنظماته, عند مسألة الوقوف مع "إسرائيل"
دائماً, وإنما يمارس مواقف مناهضة للعرب ولحقوقهم, كما يعارض بيع
أسلحة أمريكية للدول العربية, ويمارس ضغوطاً في الكونجرس لنقل
السفارة الأمريكية إلى القدس, ويقدم "شهادات استماع" أمام لجان
الكونجرس المختلفة بهذا الشأن, حيث يرى أن القدس هي عاصمة لليهود
منذ آلاف السنين وأن نقل السفارة إليها خطوة مبررة دينياً وصحيحة
سياسياً, وأن "إسرائيل" هي الدولة الوحيدة في العالم التي ينكر
حقها في اختيار مكان عاصمتها. وقد عبرت "إسرائيل" عن تقديرها للقس
الصهيوني جيري فولويل, فمنحته ميدالية الزعيم الصهيوني الإرهابي
جابوتنسكي, وزرعت غابة باسمه في أحد جبال القدس المحتلة.
ومن القيادات
الصهيونية المسيحية البارزة الأخرى, القس بات روبرتسون, الذي
يعود بأصوله إلى أسرة هاريسون الذي وقع إعلان استقلال أمريكا, وكان
والده عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي لمدة 34 عاماً, وأعلن بات
روبرتسون ترشحه للرئاسة الأمريكية عام 1988. ويقف روبرتسون على رأس
منظمة متشعبة الأغراض والوسائل ولها جذور شعبية وتأثير واسع المدى,
وتعتبر شبكته الإعلامية المسماة" شبكة الإذاعة المسيحية "CBN))
من بين المحطات الأكثر حداثة وحذقاً ونشاطاً, واحتلت الموقع الرابع
بعد شبكات التلفزة الرئيسية الثلاث في الولايات المتحدة الأمريكية,
وتصل إلى أكثر من30 مليون منزل. وتملك مؤسسة روبرتسون جامعة
معتمدة منذ عام 1977 تصدر نشرة إخبارية تضم أكثر من ربع مليون
مشترك, وقد اعتاد أن يقول فيها: إن "إسرائيل" هي أمة الله المفضلة
ويؤيد احتلالها للأراضي العربية ويعتبر العرب في برامجه المتلفزة
أعداء الله.
ومن الشخصيات
الصهيونية المسيحية البارزة الأخرى القس مايك ايفانز, ومن برامجه
الاستعراضية المرئية برنامج يسمى "إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء",
وقد اعتاد أن يستضيف في برامجه قادة من "إسرائيل", وتغطي برامجه
أكثر من 25 ولاية أمريكية, وينشر الإعلانات الصحفية الباهظة
الثمن دعماً لإسرائيل ولسياساتها, ويرى أن بقاء "إسرائيل" حيوي
لبقاء أمريكا, وأنتج فيلماً واسع الانتشار أسماه" القدس دي.
سي" ويعني ذلك القدس عاصمة داوود, مستخدماً حرفـيD))
و(C) ليـرتبـط هـذا المسمـى في أذهان
الأمريكيين بحرفي D)) وC))
فـي عاصمتهم واشنطـن دي. سي (Districtof Colombia),
بهدف التدليل على أن القدس هي عاصمة "إسرائيل" مثلما أن واشنطن هي
عاصمة الولايات المتحدة.
ويتضح مما
سبق حدوث تطور هائل في أساليب الدعوة والتبشير والوعظ في الشؤون
اللاهوتية, فالديانة لم تعد في المجتمع الأمريكي مجرد طقوس تؤدى في
الكنائس في أيام الآحاد وفي الأعياد الدينية, وإنما تتم أيضاً من
خلال التفاعل والاستجابة مع برامج دينية متلفزة يشاهدها ملايين
الناس, وبخاصة البالغين ممن تتجاوز أعمارهم الخمسين عاماً, وهم
أضخم كتلة انتخابية وأكثر فئات المجتمع ثراء وتبرعاً واهتماماً
بالعمل السياسي والاجتماعي.
وقد شكلت
الصهيونية المسيحية العديد من جماعات الضغط للتأثير في صناع القرار
في الإدارة الأمريكية من أجل تحقيق أغراضها وتوجهاتها وعقدت تحالفات
متينة لهذا الغرض مع جماعات اليمين المحافظ السياسية, وهو اليمين
الذي يؤمن بالمبادئ التوراتية نفسها ويتميز بكفاءة كبيرة في
التنظيم, واستقطاب الجماهير, وتوفير مصادر التمويل. ومن بين
هذه المنظمات الممارسة للضغط السياسي, منظمة "المائدة المستديرة
الدينية" التي تأسست في عام 1979, وقد ترأسها القس ادوارد مالك
اتيـر E.M.CAtter)), وعقدت العشرات من
الندوات التي شارك فيها سياسيون وقيادات أصولية مسيحية, كما أقامت
"حفلات إفطار سنوية" للصلاة من أجل "إسرائيل" ودعم سياساتها ودرجت
على إصدار بيان عقب كل صلاة إفطار تبارك فيه "إسرائيل" باسم ما يزيد
على50 مليون مسيحي يؤمنون بالتوراة في أمريكا. وتشارك هذه
المنظمة في إصدار النشرات وتقديم المعلومات لأعضاء الكونجرس, كما
تشارك في تنظيم الرحلات إلى "إسرائيل", وفي تنظيم حملات الرسائل
إلى مراكز القرار السياسي الأمريكي لمصلحة "إسرائيل".
ومن بين هذه
المنظمات التي تمارس أساليب الضغط السياسي (اللوبي) مؤسسة "جبل
المعبد", ولها امتداداتها داخل "إسرائيل" وتركز هدفها على إنشاء
"الهيكل" في القدس, ولها شبكة هائلة من المتعاونين معها من
رجال أعمال وقساوسة ولها فروعها في عدد من المدن الأمريكية, كما أن
لها تفرعاتها على شكل لجان كنسية, وتعمل في مدينة القدس, وتوفر
الدعم المالي لغلاة اليهود العاملين على هدم المسجد الأقصى وبناء
"الهيكل" مكانه, كما توفر دعماً قانونياً لأولئك اليهود الذين
اقتحموا المسجد الأقصى واعتدوا عليه, وتجمع الأموال المعفاة من
الضرائب وتبعث بها إلى "إسرائيل", كما تقوم بشراء أراض في الضفة
الغربية المحتلة لمصلحة الإسرائيليين وبخاصة في القدس الشرقية
وضواحيها, كما تتولى هذه المؤسسة عمليات تدريب الكهنة اليهود
وإعدادهم, وتجنيد خبراء في الآثار والتصوير وإيفادهم إلى فلسطين
للتنقيب تحت المسجد الأقصى.
وهناك العديد
من المنظمات الصهيونية المسيحية من أمثال منظمة "مسيحيون متحدون من
أجل إسرائيل" التي تأسست في عام 1975, و"الصندوق المسيحي
الأمريكي لأجل إسرائيل", المتخصص في شراء الأراضي العربية وحيازتها
لأغراض بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية, وكذلك"
الرابطة الصهيونية المسيحية لدعم إسرائيل", و"وسطاء لأجل
إسرائيل", و"الكونجرس المسيحي الوطني" الذي يشارك فيه رهبان
كاثوليك وقساوسة بروتستانت.
ومن المنظمات
الصهيونية المسيحية النشيطة داخل "إسرائيل" نفسها, المنظمة المسماة
بـ" السفارة المسيحية الدولية" وقد جاء تأسيسها تعبيراً عن أهمية
القدس لدى أتباع هذه العقيدة الصهيونية المسيحية, وتأكيداً لأهمية
العمل المسيحي, نيابة عن "إسرائيل", وقد تأسست عام 1980 وبحضور
أكثر من ألف رجل دين مسيحي يمثلون 23 دولة, وافتتحت لها فروعاً
في عدد كبير من عواصم العالم, ولها أكثر من عشرين مكتباً في
الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن أبرز
نماذج أنشطتها ما تنشره من كتب ومجلات ونشرات, وحملات عرائض,
وحملات بريد ورسائل, ورحلات سياحية إلى "إسرائيل" إلى جانب تنظيم
مسيرات ومظاهرات.
هذه نماذج
قليلة من منظمات الصهيونية المسيحية التي يزيد عددها على ثلاثمائة
منظمة ومؤسسة وجماعة ضغط. لقد نمت هذه الحركة الصهيونية المسيحية
في أمريكا بتسارع جارف وحجم كبير وبموارد ضخمة وصارت تشكل تياراً
سياسياً رئيسياً وبخاصة في الحزب الجمهوري ومؤسساته, وتؤدي دوراً
مؤثراً وحاسماً في توفير التأييد الشعبي, والدعم المالي والمعنوي
والسياسي والعسكري لإسرائيل على قاعدة وشعار الحركة الأصولية
المسيحية "هل تستطيع أن تحب المسيح من غير أن تحب "إسرائيل"؟",
وصارت توصف في الأوساط اليهودية بأنها أحد أهم أعمدة "إسرائيل" في
الولايات المتحدة الأمريكية.
ونتذكر ما
قاله المتحدث باسم "السفارة المسيحية الدولية", حينما اعترض أحد
الإسرائيليين المشاركين في المؤتمر الصهيوني المسيحي الأول المنعقد
في بازل عام 1985, على اقتراح حث "إسرائيل" لإعلان ضم الضفة
الغربية وغزة مقترحاً تخفيفه, بسبب أن استطلاعات الرأي العام
الإسرائيلي تشير إلى أن ثلث الإسرائيليين يرغبون في مبادلة الأرض
بالسلام. أجاب المتحدث باسم هذه المنظمة المسيحية, قـائلاً:
"لا يهمنا تصويت الإسرائيليين, ما يهمنا هو ما يقوله الله,
والله أعطى هذه الأرض لليهود", عند ذلك مر الاقتراح بالإجماع.
ولقد وعت "إسرائيل" و"الحركة الصهيونية العالمية" مدى أهمية
المنظمات الصهيونية المسيحية لدعم المشروع الصهيوني, ولا سيما أن
هذه المنظمات صارت تشكل قوة عددية ومادية ونفوذاً كبيراً في المجتمع
الأمريكي, مما دفعها إلى التحالف والتنسيق معها, وتيسير حركتها
وتلميع قادتها إعلامياً, والسماح لها بالحركة داخل المجتمع
الإسرائيلي نفسه واستخدامها لأغراض ممارسة الضغط والتأثير في الرأي
العام الأمريكي والعالمي لمصلحة أهداف "إسرائيل" وسياساتها.
وتدرك
"إسرائيل" أن تحالفها مع هذه القوى المسيحية المتصهينة له فائدة
استراتيجية, ووجدت أن مسألة تنصير اليهود في المستقبل, أي عند
عودة المسيح الثانية, هي مسألة لاهوتية مؤجلة لا تستدعي الخوض فيها
الآن, حتى لا يؤثر ذلك في تحالفات وعلاقات "إسرائيل" بالمسيحية
الأصولية, ويبدو أن كلا الطرفين يتحاشى الخوض في هذه المسألة
الخلافية, وكلاهما يملك عقلية براجماتية مدهشة, فالمنظمات
الصهيونية المسيحية درجت في مراحلها المبكرة من هذا القرن على اعتبار
أمريكا "أمة مسيحية", لكنها تراجعت عن شعارها هذا واعتمدت شعاراً
جديداً يعتبر أن الولايات المتحدة الأمريكية هي "جمهورية مسيحية,
يهودية".
وفي الوقت
نفسه فإن استقراءً لتاريخ "إسرائيل" والحركة الصهيونية السياسية يبين
أن "إسرائيل" لا تستطيع تحمل مسألة التدقيق في نوعية أصدقائها, أو
التردد في قبول الدعم, بل تأخذه من أي مصدر تستطيع الحصول عليه,
ولا ترد اليد التي تمتد لدعم سياساتها وأمنها ووجودها, وأثبتت
الصهيونية المسيحية أن "صهيونيتها" أشد تطرفاً وغلواً من صهيونية
قطاع غير قليل من يهود "إسرائيل" نفسها.
ومن ناحية
أخرى, يلاحظ وجود قاسم مشترك ما بين الفكر الصهيوني اليهودي,
والفكر الصهيوني المسيحي, من حيث اعتبار القوة بمثابة الطريق
لتحقيق الغايات السياسية أو اللاهوتية, وكلاهما يتحدث عن الإبادة
والغزو والحرب النووية. كما يتشابه مضمون الخطاب الصهيوني لدي
اليهودية والمسيحية المتهودة, من حيث تبرير الاستيطان عقائدياً,
واستخدام التطهير العرقي لسكان الأرض الأصليين, وامتلاك الشرعية
المستمدة أو المبررة من فهم حرفي للتوراة, حيث كان الغزاة عبر
التاريخ في الأمريكتين وجنوب أفريقيا وغيرها يتلحفون نموذج المسيحي
المتهود المؤمن بمقولة: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وقد شكلت
الصهيونية السياسية تجسيداً صارخاً لما يمكن تسميته بالإمبريالية
الثيوقراطية المسيحية, وبررت الاستيطان واقتلاع السكان وقتلهم
بمبررات توراتية.
وفي كل
الأحوال لا تبدو "إسرائيل" في الخطاب الصهيوني المسيحي أمراً دنيوياً
أو إنسانياً أو حتى سياسياً, ولكن تبدو" قضاء إلهياً", ومن ثم
تصبح معارضة سياسات "إسرائيل" خطيئة دينية, ويصير دعمها وتأييدها
في سبيل مرضاة الله, وتكون تقويتها عسكرياً واقتصادياً ومساعدتها
مادياً وتسويق منتجاتها وسنداتها وإنشاء صناديق الاستثمار الدولية
لمصلحتها, وبناء المستوطنات فوق أرض مغتصبة, وتنظيم الرحلات
السياحية إليها, وتوفير وسائل المعلومات والتقنية لها, التزاماً
دينياً مبنياً على اعتبارات تاريخية ولاهوتية.
ماذا يعني ذلك ؟
يعني في جانب
بارز منه أن هذه الظاهرة إذا ما استمرت وتعمقت فإنها ستترك آثاراً
كبيرة داخل المجتمع الأمريكي نفسه, وبخاصة تجاه طرح منظومة قيم
مختلفة مستندة إلى مبادئ توراتية, كما سيكون لهذه الظاهرة أبعادها
على مستوى العلاقات الأمريكية مع العالم الخارجي, وبخاصة في إطار
الهيمنة الثقافية والقيمية الأخلاقية, ولعل هذا النوع من الهيمنة
قد يدفع باتجاه إدخال الاصطفاء الإلهي في السياسة الدولية.
|