|
الإعلام في الاستراتيجية الصهيونية
حسين قبلاوي
صحيفة
البعث السورية 8/3/2003
تحشيد الرأي
العام في الغرب، وزرع القناعة في الوعي الغربي بأهمية وجود "إسرائيل"
للدفاع عن الحضارة والمصالح الغربية، وتشويه صورة العرب وقلب الحقائق
وتزييفها... عناوين رئيسة للفعل الإعلامي الخاضع للسيطرة الصهيونية،
والذي يلقى الدعم من جهات الغرب الرسمية، ولاسيما في الولايات
المتحدة، حيث يتحول قاتل مجرم مثل شارون إلى رجل سلام!!
شهدت مدينة
بال في سويسرا عام 1897 انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول الذي ترأسه
مؤسس الصهيونية السياسية (ثيودور هرتزل)، وجاء في البند الثالث من
مقررات ذلك المؤتمر «ضرورة العمل على نشر الروح والوعي بين يهود
العالم وتعزيزهما لديهم من أجل دفعهم للهجرة إلى فلسطين»، وكانت
المسؤولية الأولى لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي تقع على عاتق الإعلام
الذي قدم خدمات كبيرة للغاية للمشروع الصهيوني وهدفه في إقامة
"إسرائيل"، ومنذ ذلك الوقت والإعلام يشكل حجر الزاوية في
الاستراتيجية الصهيونية التي أخذت بعداً آخر بعد قيام الكيان
الصهيوني عام 1948، حينما اندمج الإعلام بشكل كامل ومطلق بالسياسة
الخارجية الإسرائيلية التي كان هدفها الرئيسي توسيع الكيان الصهيوني
على حساب العرب، وتكريسه حقيقة واقعة في ظل الإمكانات الضخمة
لرعايتها من قبل الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية.
ويدرك الكيان
الصهيوني أن مصيره يتوقف بدرجة كبيرة على دعم العالم الغربي له، ولما
كان الاعتراف الدولي وحده لا يضمن وجوده في الخارج، فقد أخذ يبحث عن
ضمان آخر، وانتهى به البحث إلى ضرورة خلق إحساس لدى الرأي العام
الغربي بأن مصالحه آمنة وتقدمه يرتبط بحد كبير ببقاء الكيان الصهيوني
والمحافظة عليه، وقد نجح الكيان الصهيوني في مسعاه هذا كثيراً عندما
تمكن من خلق هذا الانطباع لدى الغرب مستغلاً الإمكانيات الهائلة التي
بين يديه، متمكناً خلالها من تحقيق أهداف السيطرة والهيمنة وفرضها
على العقل الأوروبي، وتأتي في مقدمة تلك الإمكانيات وسائل الإعلام
المرئية والمسموعة والمقروءة الممتلكة من قبل إمبراطوريات إعلامية
مترامية الأطراف ذات انتشار واسع، وله نفوذ كبير عليها عمل على
استغلاله خير استغلال لكي تقوم بتقديم الصورة المطلوبة عنه وتقلب
الحقائق بما يتساوق مع توجهاته وأهدافه، حيث يتم تصوير ممارسات
القوات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل إلا من إرادة المقاومة
على أنها تندرج تحت إطار الدفاع عن النفس لا تحت إطار العدوان.
لقد تمكن
الإعلام الصهيوني ولفترة طويلة من الزمن من لعب دور أساسي في عملية
تحشيد الرأي العام، وخصوصاً في الغرب، خلف المخططات الصهيونية، عن
طريق تزييف الحقائق بالادعاء أن "إسرائيل" تشكل واحة للديمقراطية في
المنطقة، ولذلك فإن ضمان تفوقها مسؤولية غربية لأنها هي القادرة على
الدفاع عن المصالح الغربية، وهذا ما كان هرتزل قد أكده عندما قال:
«إن الدولة اليهودية ستكون حائطاً يحمي أوروبا في آسيا وسوف يكون
حصناً منيعاً للحضارة في وجه الهمجية»، ويقول (حاييم وايزمان) أول
رئيس للكيان الصهيوني: «إن القضية الصهيونية هي قتال الحضارة ضد
الصحراء وكفاح التقدم والفاعلية والصحة والتعليم ضد الجمود الفكري».
لقد عمل
الإعلام الصهيوني على ترسيخ مقولة رئيسية إنه ليس للغرب في هذه
المنطقة أفضل من الغرب نفسه، كما يتمثل ذلك في "إسرائيل" التي اعتمدت
منذ البداية على الدول الغربية والدفاع عن مصالحها، وهذا ما يؤكده
الأكاديمي (جورج رودر) حين قال: «إن بقاء "إسرائيل" كقوة غربية رادعة
يعتبر مسألة بالغة الأهمية للدفاع عن أوروبا وعلى المدى الطويل عن
أمن الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أن "إسرائيل" مستعدة وراغبة في
مشاركتنا أهدافنا الدفاعية، والغرب مطالب بالدفاع عنها في وجه
التهديدات التي تأتيها من الدول العربية التي تستهدفها وتحاول القضاء
عليها إذا ما سنحت لها الفرصة للقيام بذلك».
وعملية تأليب
الرأي العام العالمي ضد العرب وتشويه صورتهم وتزييف حقيقة عدالة
قضيتهم هي سياسة تتم صياغتها بعناية فائقة من قبل المسؤولين
الإسرائيليين، ساسة وأكاديميين، فالبروفيسور (بنيامين عزار) يقول:
«إن الإيحاء للعالم باستمرار العداء من قبل العرب لإسرائيل يخدم جملة
من التصورات والمفاهيم التي تقوم على أن الدول العربية تريد إبادة
"إسرائيل" وإزالتها من الوجود، وهو شيء علينا أن نعمل على إقناع
شعبنا والرأي العام به بكل الوسائل التي بين أيدينا، لأن ذلك يعد من
مصالحنا العليا».
إن القول
السابق يهدف إلى إضفاء الشرعية على الممارسات الصهيونية، ودعم
"إسرائيل" ومدها بكل أسباب القوة بذريعة الدفاع عن النفس ضد الأخطار
التي تتهددها، كما تدعي، حتى وصل بها الأمر إلى عسكرة وتجييش الداخل
الصهيوني بالكامل، ونجد أن الإعلام الصهيوني كان ولا يزال يتخذ من
تلقين الذهن اليهودي بعقدتي الخوف من العرب وادعاء التفوق التكنولوجي
والقيمي عليهم وسيلة لتحقيق أهدافه، ويعمد إلى تحويل عقدة الخوف من
العرب إلى أسطورة عملت وسائط الإعلام على غرسها في ذهن كل يهودي
أينما كان من أجل تنمية الشعور بالحقد والكراهية ضد كل ما هو عربي،
حيث يتم الترويج لمقولة التفوق القيمي والتكنولوجي على العرب من خلال
التركيز على تشويه صورة العرب وضرورة التعامل معهم بلغة القوة التي
كرست مقولة الجيش الذي لا يقهر، إلا أن حرب تشرين التحريرية وانتصار
المقاومة الوطنية اللبنانية وتمكنها من دحر جيش الاحتلال من فوق تراب
الجنوب اللبناني، وصور التضحية والفداء التي يسطرها أبطال انتفاضة
الأقصى في مواجهاتهم اليومية ضد ذلك الجيش المدجج بالسلاح حتى
الأسنان، أسقطت تلك المقولة وأثبتت عدم صحتها.
والمتابع
للإعلام الإسرائيلي لابد أن يلاحظ المساحة الواسعة المتاحة أمام
الكتاب والصحفيين والعاملين في المحطات الإذاعية والتلفزيونية وتنوع
آرائهم وتحليلاتهم، إلا أنها جميعها تجري تحت إطار عام محدد يصب في
خدمة الهدف الصهيوني وتسويغ كل الممارسات الصهيونية.
إن الإعلام
الصهيوني المدعم بالآلة الإعلامية الغربية الموجه للعرب يحاول أن يصل
بهم إلى الاقتناع بعدم جدوى خيار المقاومة لتحقيق هدف نهائي يتمثل
بالمضي بهم إلى قمة اليأس من إمكانية التخلص من الأوضاع التي يفرضها
عليهم التفوق الإسرائيلي التقني والعسكري، ومن ثم تحطيم أي أمل في
نفوسهم بإمكانية تغيير الواقع أو حتى التفكير في تحسين الظروف
الذاتية والموضوعية التي من الممكن أن تحقق لهم استعادة حقوقهم
كاملة.
وكان إسحاق
رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يرى أن السياسة الإعلامية
والدبلوماسية الإسرائيلية يجب أن تنطلق من أن "إسرائيل" قد أصبحت
حقيقة ثابتة في المنطقة العربية، وأن مهمتها تتجسد في مواجهة العرب
بتلك الحقيقة على الصعيد العالمي، وتوضيح مقدار عجز العرب في تغيير
هذه الحقيقة المؤكدة التي يجب أن يقروا بها ويتصرفوا على ضوئها.
وفي ظل
الأوضاع السائدة اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومع استمرار
انتفاضة الأقصى، ونتيجة لاهتزاز صورة الكيان الصهيوني في أكثر من
مكان في العالم الذي يشاهد المجازر الوحشية التي ترتكبها القوات
الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، رأت الحكومة الإسرائيلية
ضرورة إعادة ترميم تلك الصورة بمساعدة وسائل الإعلام الغربية بتقديم
المسوغات اللازمة لتبرير ما تقوم به من ممارسات لمواجهة العنف
الفلسطيني كما تسميه، وقامت الحكومة الإسرائيلية بتوجيه دعوات لكبار
الصحفيين الذين لهم حضور قوي في بلدانهم على نفقتها ضمن برنامج تم
إعداده مسبقاً، وتعمل على إعادة صياغة نظرتهم للأمور وفقاً لمنظارها
وترتب لهم لقاءات مع عائلات القتلى الصهاينة الذين سقطوا في العمليات
الاستشهادية لممارسة نوع من الضغط والتأثير المعنوي عليهم ومن ثم
عكسه من خلالهم على الجمهور في بلدانهم.
إنه هدف آلة
إعلامية هائلة تريد قلب الحقائق وصياغتها من جديد لتقديم القاتل
بصورة الضحية، وتحويل الفعل الوحشي إلى فعل مبرر لدى الرأي العام
الذي يراد إعادة تشكيله من جديد بهدف إحداث التأثير المقصود، مستخدمة
تقنيات دعائية متطورة تلقى الدعم والتأييد من الغرب الرسمي، ولاسيما
الولايات المتحدة، ألم يقل جورج بوش الابن إن شارون رجل سلام!!.
|