|
دور العامل الديني في حسم الصراع العربي -
الإسرائيلي
محي الدين عبد الحليم
صحيفة
الشرق القطرية 13/3/2003
إن النزاع
العربي الإسرائيلي لا يرجع لأسباب سياسية قابلة للتفاوض من أجل
الوصول إلى حلول وسطى، ولكنه عداء ديني مستحكم يرى في وجود العرب
والمسلمين في الأرض المقدسة تعويقاً لنبوءة توراتية طال انتظارها بعد
أن حقق الله لإسرائيل التفوق والسيطرة على أورشليم عام 1967 مما يفسح
لها المجال لإقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى الذي آن
الأوان لهدمه حتى يأتي المسيح ليحكم العالم ألف سنة يحقق فيها العدل
والسلام قبل أن تقوم الساعة.
كشفت
الصهيونية العالمية عن وجهها القبيح حين حولت النزاع العربي
الإسرائيلي من نزاع سياسي إلى صراع أيديولوجي يحكمه البعد الديني،
مما دفعها إلى تصعيد هجومها على كل من يقف ضد أطماعها مستخدمة في ذلك
الأساطير التوراتية، هذا في الوقت الذي أخذت على عاتقها إغراء القوى
الكبرى لدعمها تنفيذاً لوصايا الرب باعتبارهم شعب الله المختار، ومن
يعترض على ذلك فإن الله سوف يغضب عليه ولا يستحق الحياة الكريمة،
الأمر الذي أدى إلى تطور الثالوث المعروف بالرب والشعب والأرض الذي
وصف أرض الميعاد بأنها الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات.
وتتفق هذه
الأساطير مع طبيعة المعتقدات التي تفسر أحداث التاريخ لخدمة الأهداف
الدينية التي صاغها الفكر الصهيوني واقنع بها الطائفة
البروتستانتينية التي تقوم على أسطورة الاختيار الإلهي لبني
"إسرائيل" على أساس عرقي، وأسطورة نقاوة الدم اليهودي، وأسطورة الوعد
الإلهي، وأسطورة البقرة الحمراء، وأسطورة المعاداة للسامية، وقد اتضح
ذلك جلياً في قيام الجيش الإسرائيلي بمحاصرة كنيسة المهد، التي عبث
فيها بكل المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي الكنيسة التي تقدسها
جميع الأديان بما فيها الدين الإسلامي باعتبارها موطن ميلاد السيد
المسيح، والمكان الذي رفعه الله فيه إلى السماء، وهو الحدث الذي
رفضته كافة الطوائف الدينية من مسلمين ومسيحيين، من أرثوذكس وكاثوليك
فيما عدا الطائفة البروتستانتينية التي ترفع شعار المسيحية
المتصهينة، وهذا هو سر الحملة المعادية التي ترفعها "إسرائيل" على
أصحاب المذهب الكاثوليكي الذين يبلغ عددهم 62 مليون نسمة على الرغم
من أنها أكبر طائفة مسيحية في الولايات المتحدة.
وقد ظهرت
المسيحية الصهيونية في أول الأمر في الولايات المتحدة بين المهاجرين
الأوروبيين الذين جاءوا من بريطانيا بصفة خاصة، وهؤلاء هم الذين
ورثوا التراث الفكري البروتستانتي الذي يؤمن بأن المسيح ولد يهودياً،
وقد أخذ هؤلاء على عاتقهم إبادة الهنود الحمر، ثم استقروا بمعتقداتهم
في أمريكا وحولوا بريطانيا إلى دولة تابعة لها، وهذا هو سر التطابق
والتوافق في وجهات النظر البريطانية الأمريكية إزاء مختلف القضايا
والأزمات مثل الأزمة الأفغانية والأزمة العراقية وغيرها من القضايا.
وقد شجع
الدعم الذي قدمه هؤلاء البروتستانت للحركة الصهيونية "إسرائيل" على
تشريد آلاف الفلسطينيين من سكان القدس الذين منعت عودتهم، وصادرت
ممتلكاتهم، وقامت باعتقال الذين لم يرحلوا منهم، ثم فتحت باب الهجرة
اليهودية إلى القدس، وأبعدت الشخصيات الفلسطينية البارزة عنها، ونزعت
الملكيات، وأغلقت المساجد والمدارس والمحال والبنوك العربية، وقامت
بحفريات حول الحائطين الغربي والجنوبي، وأحرقت المسجد الأقصى في
21/8/1969 ، وضمت القدس إدارياً وسياسياً للسيادة الإسرائيلية،
وأعلنتها عاصمة أبدية لـ"إسرائيل"، وحلت مجلس أمانة القدس العربي،
وألغت القوانين العربية واستبدلتها بقوانين إسرائيلية.
وفى الحقيقة
إن البروتستانت أصبحوا يسيطرون على المراكز الاستراتيجية الهامة في
الولايات المتحدة، يدل على ذلك أن جميع حكام الولايات المتحدة منذ
إنشائها كانوا من البروتستانت فيما عدا عائلة الرئيس الأسبق جون
كنيدي الذي قتلوه هو وشقيقه وابنه حتى لا يتولى كاثوليكي رئاسة
أمريكا مرة أخرى، ولعل الصراع الذي احتدم بين الكاثوليك والبروتستانت
في إيرلندة الشمالية يبرز هذا الصراع بشكل واضح.
وتولى
"إسرائيل" اهتماماً كبيراً بالافانجليكانيين لإيمانهم بالإحياء
القومي لليهود وقيام مملكة "إسرائيل" قبل المجيء الثاني للمسيح، فهم
الذين نادوا بهجرة اليهود إلى فلسطين قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني
الأول في مدينة بازل بسويسرا عام 1897 ، ويقدر العدد الرسمي لأعضاء
الكنائس الافانجيليكية داخل الولايات المتحدة بـ610 آلاف شخص موزعين
على 4836 كنيسة، وتشير مجلة جازيت التي تصدر في مدينة كلورادو
الأمريكية إلى أن "إسرائيل" استطاعت أن تضلل العديد من المسيحيين
الانجيليين، وتشير الإحصاءات إلى أنه يوجد ما بين 40-30 ألف مسيحي
يؤمنون بالمعتقدات الصهيونية، ويتعاطفون مع "إسرائيل" لأسباب دينية،
وتشن "إسرائيل" والحركة الصهيونية الحملات المعادية على أصحاب
الديانة الكاثوليكية الذين يبلغ عددهم 62 مليوناً على الرغم من أنها
أكبر طائفة مسيحية في الولايات المتحدة لأنهم يرفضون أراجيف المسيحية
المتصهينة، كما أنهم يعرفون أن اليهود لا يؤمنون بأية ديانة سماوية
أخرى.
وقد نجحت
"إسرائيل" في استخدام تعبير معاداة السامية ضد كل من ينتقد توجهاتهم
بمن فيهم العرب الذين ينحدرون من أصول سامية لأنهم يعترضون على
المشيئة الإلهية، وقد استطاعوا الربط بين الإرهاب والإسلام في محاولة
خبيثة لتشويه صورة هذا الدين باعتباره سبباً للتخلف الحضاري في
العالم، وأنه يشكل تهديداً للحضارة الغربية، وهو دين يمثل بربرية
مطلقة تقف حجر عثرة في وجه العالم المتحضر، كما استطاعوا توظيف
الدوائر السياسية والإعلامية في الغرب لمحاربة الدين الإسلامي
باعتباره مصدراً للإرهاب والتطرف على الرغم من أن الإرهاب أصبح ظاهرة
عالمية لا يرتبط بدين أو عقيدة انطلاقاً من أن الأديان السماوية كلها
تسعى إلى سعادة البشرية وإيجاد الصلة بين العبد وربه.
وإذا كان
الصراع العربي الإسرائيلي أصبح ينظر إليه من خلال المنظور الديني
الصهيوني، فإن خطورة هذا التيار تكمن في تبنيه لسياسة العنف والقوة
لإبادة الشعب الفلسطيني، وخلق واقع ديمغرافي جديد فوق الأرض المحتلة،
وهو التيار الذي لا يحفل بالقوانين الدولية أو الاتفاقات السلمية،
والذي من أجله تحول الجيش الإسرائيلي إلى أداة لردع العرب
والفلسطينيين وتنفيذ السياسة الاستيطانية التي تستهدف إقامة دولة
"إسرائيل الكبرى" مما دفع الصحافي الإسرائيلي (امنون كاببيليوك)
للتحذير من اختراق اليمين الإسرائيلي المتطرف للجيش، لأن هذا من شأنه
أن يقتل كل فرص السلام، ويؤكد كاببيليوك أن ظاهرة التطرف الديني في
"إسرائيل" سوف تؤدي حتماً إلى زيادة اللجوء إلى العنف والعدوان بعد
أن يرتدي ضباط الجيش الإسرائيلي القلنسوة الدينية على رؤوسهم يدفعهم
إلى ذلك الحاخامات الذين يطالبون الجنود الإسرائيليين بعصيان أوامر
قادتهم العسكريين إذا كانت تتعارض مع قوانين التوراة.
ولا تكتفي
الحركة الصهيونية بذلك، ولكنها تعتبر القرآن الكريم كتاباً إنسانياً
أعده محمد "صلى الله عليه وسلم"، واستمد مادته من التوراة والتلمود،
وذهب بعض علماء اليهود إلى اعتبار الإسلام هرطقة من الهرطقات الكثيرة
التي انحرفت عن اليهودية وخرجت عليها، وهذا يؤكد أن النزاع العربي
الإسرائيلي لا يرجع لأسباب سياسية قابلة للتفاوض من أجل الوصول إلى
حلول وسط، ولكنه عداء ديني مستحكم يرى في وجود العرب والمسلمين في
الأرض المقدسة تعويقاً لنبوءة توراتية طال انتظارها بعد أن حقق الله
لـ"إسرائيل" التفوق والسيطرة على أورشليم عام 1967 مما يفسح لها
المجال لإقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى الذي آن الأوان
لهدمه حتى يأتي المسيح ليحكم العالم ألف سنة يحقق فيها العدل والسلام
قبل أن تقوم الساعة. وهذا يعنى أننا أمام طائفة غير سوية تقودها نخبة
دموية من سفاكي الدماء، تريد التهام المزيد من الأرض، وإبادة كل ما
هو غير يهودي من بشر وشجر وحجر لإقامة دولة "إسرائيل الكبرى" من
البحر إلى النهر على أرض فلسطين التاريخية، وقد استفادت هذه الطائفة
من المسيحيين المتطرفين الذين يؤمنون بالمبادئ اليهودية، وهؤلاء
المتطرفون الذين دفعوا الفاتيكان إلى تبرئة اليهود من دم المسيح، وهم
الذين يقدمون الدعم المادي والمعنوي والسياسي لـ"إسرائيل" في
المنظمات والمحافل الدولية.
|