|
الساسة والإعلاميون الغربيون يتجاهلون
مخاطر الأصولية اليهودية في "إسرائيل"
صحيفة الحياة
13/3/2003
يعرض ديفيد
هيرست (الكاتب البريطاني) في أحد الفصول الجديدة في الطبعة الثالثة
من كتابه "البندقية وغصن الزيتون: جذور العنف في الشرق الأوسط"
للأصولية اليهودية المتطرفة ويعتبر أن تجاهل الغرب لمخاطرها هو
ممارسة للمعايير المزدوجة، خصوصاً وأن الغربيين طالما حاربوا
الأصولية الإسلامية واعتبروها عدواً احتل محل الشيوعية.
ويحذر هيرست
من أن خطر الأصولية اليهودية لا يقتصر على المسرح الداخلي في الدولة
العبرية وإنما يتجاوزها إلى العالم الرحب لأن "إسرائيل" تملك أسلحة
دمار شامل في مقدمها أكثر من 200 رأس حربي نووي تستطيع إيصالها إلى
أي بقعة في العالم. ويقول هيرست تحت عنوان "الأصولية الإسلامية، ماذا
عن الأصولية من الصنف الإسرائيلي - اليهودي؟":
إن الميل إلى
إدخال المقاومة الفلسطينية في سياق حضاري أعم يجد ما يغذيه في تلك
الظاهرة التي أحدثت، في ربع القرن الذي مضى منذ كتابة الطبعة الأولى
من كتاب "البندقية وغصن الزيتون"، تأثيراً هائلاً في المنطقة
والعالم. فقد حلّت الأصولية الإسلامية، أو الإسلام "السياسي"، في
أذهان غربيين كثيرين، محل الشيوعية بصفتها ربما أكبر "تهديد" مفرد
للنظام العالمي القائم الآن، وتحدياً أيديولوجياً واستراتيجياً خصص
له الساسة والأكاديميون والمعلقون في الغرب، أينما أظهر نفسه، سواء
في العالم الإسلامي نفسه أو في المجتمعات المسلمة المهاجرة، اهتماماً
كبيراً. وتصبح الانتفاضة بالنسبة إلى أولئك الذين ينظرون إليها من
زاوية النظر هذه مجرد حلقة أخرى في ما يسمى "صراعاً بين الحضارات".
وبالنسبة إليهم، ثمة صلة متأصلة بين "الإرهاب" الفلسطيني، ومثلاً،
تفجير "القاعدة" سفينة حربية في المياه اليمنية. وقال معلق من
المحافظين الجدد في "نيويورك تايمز" إن الأمرين كليهما "قبل كل شيء
تعبير عن المواجهة القديمة جداً بين الإسلام والغرب". والملفت هو
الغياب التام تقريباً من مثل هذه الحجج لأي ميل إلى فحص الأصولية
اليهودية، أو حتى مجرد التساؤل عما إذا كانت هي أيضاً عاملاً في
الصراع على فلسطين، وأحد الأسباب التي تجعله يبدو غير قابل للحل.
والواقع أن
ثمة جهلاً كبيراً، أو عدم اكتراث، بهذا الموضوع برمته في العالم
الخارجي، بما في ذلك الولايات المتحدة. ويعود هذا، على الأقل جزئياً،
إلى ذلك التمنع العام لدى وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية عن إخضاع
"إسرائيل" للتمحيص الدقيق نفسه الذي تخضع له دول ومجتمعات أخرى،
خصوصاً عندما تكون المسألة المعنية حساسة ومشحونة بالعواطف، مثل هذه
المسألة. ولكن هذا في نظر الراحل (إسرائيل شاحاك)، ينعكس سلباً في
صورة خاصة على المجتمع اليهودي الأميركي الذي يعمد، بسبب نفوره
الراسخ والمؤسسي من رؤية أي عيب في "إسرائيل"، إلى غض النظر عما ينظر
إليه الإسرائيليون مثله باشمئزاز وخوف ولم يتوقفوا عن قول ذلك.
والواقع أن شاحاك الذي كان في طفولته مسجوناً في معسكر بيلسن
للاعتقال، ودارساً ونشيطاً في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان،
وأخلاقياً ومحباً للديانة اليهودية في شكلها النبوي الراقي، تأثر
بالمسألة إلى درجة أنه كرس جزءاً من سنواته الأخيرة لدراستها. وفي
عامي 1994 و1999، أثمرت جهوده كتابين مميزين هما "التاريخ اليهودي"
و"الدين اليهودي والأصولية اليهودية في إسرائيل". و شاركه في تأليف
الثاني الدارس الأميركي نورتون ميزفينسكي.
عندما يتعلق
الأمر بالتعصب والتطرف، قد لا نجد فارقاً كبيراً بين الفرعين
الأميركي والإسرائيلي للظاهرة نفسها. ولكن بينما يعتبر الفرع
الأميركي عديم الأهمية في مجموع الحياة السياسية الديموقراطية
الأميركية وفي المجتمع الأميركي، فإنه يمارس عن بعد نفوذاً كبيراً
جداً في المكان الوحيد، "إسرائيل"، الذي - من الواضح - أنه يمكن
للأصوليين اليهود أن يأملوا بتحقيق غرضهم النهائي الذي هو ليس مجرد
تشكيل سياسات دولة يهودية، وإنما حكمها. واليهود الأميركيون، خصوصاً
أولئك المنتمين إلى الطائفة الأرثوذكسية، ممولون سخيون لقوات الصاعقة
التابعة للأصولية، أي المستوطنين المتدينين. والواقع أن ما لا يقل عن
10 في المئة من هؤلاء، ومن بين الأكثر تطرفاً، وعنفاً وجنوناً في بعض
الأحيان، هم مهاجرون من أميركا.
ويقول شاحاك:
إن هؤلاء من "أسوأ الظواهر إطلاقاً" في المجتمع اليهودي و"ليس صدفة
أن لهم جذورهم في المجتمع اليهودي الأميركي". وكان حاخام طائفة
لوبافيتش، الراحل مناحيم شينيرسون، ناظر طائفة "تشاباد" التي يحتمل
أن تكون أكثر الطوائف الحسيدية سُعاراً، يعطي من مقره في نيويورك
توجيهاته إلى اتباعه الكثيرين في كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة.
وبينما نشرت "نيويورك تايمز"، التي ربما كان ثلث قرائها من اليهود،
دراسات معمقة عن الأصولية الإسلامية أو الأصولية المسيحية، إلا إنها
لم تفعل الشيء نفسه بخصوص الأصولية اليهودية. وتعبر أسبوعية "جويش
برس" التي يوجد مقرها في بروكلين، وهي أكبر صحف المجتمع اليهودي
انتشاراً، عن تأييدها صراحة لتلك الأصولية وتدعو إليها.
وينم هذا
الجهل أو عدم الاكتراث عن إهمال كبير لأن الأصولية اليهودية ليست،
ولا يمكن أن تكون، مجرد مسألة داخلية إسرائيلية. وكانت "إسرائيل"
دائماً مجتمعاً أيديولوجياً إلى حد كبير، وهي أيضاً قوة عسكرية
متضخمة جداً، نووياً وتقليدياً. وهذا مزيج يصبح، عندما تكون
الأيديولوجية المعنية هي الصهيونية في أشد أشكالها تطرفاً
وثيوقراطية، مفعماً بعواقب محتملة للمنطقة والعالم، وبالطبع بالنسبة
إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم الداعمة لـ"إسرائيل".
الأصولية
اليهودية في "إسرائيل"، نمت أهميتها السياسية نمواً هائلاً في ربع
القرن الأخير. ويعتقد أن النواة الصلبة للمؤمنين بها، تمييزاً لهم عن
الجسم الأكبر للمتدينين الأكثر تقليدية، يشكلون ما يتراوح بين 20 و25
في المئة من السكان. ويحتمل أن هذه النسبة أعلى من نسبة الأصوليين
المسلمين الحقيقيين في معظم بلدان المنطقة. ومن المؤكد أنها أعلى من
نسبة الأصوليين في إيران. وفازوا بثلاثة وعشرين من مقاعد الكنيست
الـ120 في انتخابات 1999، مقارنة بحفنة مقاعد فقط في السنوات المبكرة
من عمر الدولة. وحازوا، خصوصاً المستوطنون منهم، على نفوذ لا يتناسب
مع أعدادهم، يؤثر في العملية السياسية الإسرائيلية برمتها، خصوصاً في
ما يتعلق باليمين القومي المتطرف جداً الذي يشاطرهم، تحت مظهره
الخارجي العلماني، جزءاً كبيراً من نظرتهم المحمومة المتعالية إلى
العالم. إنها أصولية من نوع خاص جداً، متمركز حول العرق، شديدة
الكراهية للأجانب، وذات معتقدات وممارسات يقول شاحاك: إنها "أكثر
تطرفاً حتى من تلك الأنظمة المخترعة شمولية".
مثل الأصولية
في كل مكان، يسعى نوعها اليهودي إلى استعادة ماضٍ مثالي مُتخيل. وإذا
ما استطاعت تحقيق ذلك في أي وقت، فإن من المؤكد جداً أن "إسرائيل"
التي يحتفي بها "أصدقاء إسرائيل" الأميركيون إلى ما لا نهاية كـ"حصن
للديموقراطية في الشرق الأوسط"، لن تبقى كذلك. ذلك أن "المملكة
اليهودية"، التي نهضت في مكانها بأكمل وأفضل أشكالها، سترفع سيادةً
إلهية قاسية غضوبة فوق أي مفاهيم عصرية وثنية متصلة بإرادة الشعب، أو
الحريات المدنية أو حقوق الإنسان. وستكون (تلك المملكة) محكومة
بالقانون الديني اليهودي (هالاخاه) الذي سيكون الحاخامون المفسرين
الوحيدين له، وسيقوم مفوضون دينيون، مزروعون في كل مؤسسة عامة وخاصة،
بالتأكد من تطبيقه بصرامة، بمساعدة مواطنين ملزمين قانونياً بإبلاغ
السلطات عن أي مخالفة. وسيتولى الحكم ملك يختاره الحاخامون وسيحل محل
الكنيست مجلس قضائي، ديني وإداري، أعلى، "سانهيدرين". وسيجري الفصل
بين الرجال والنساء في الأماكن العامة، وسيطبق "احتشام" النساء في
الملبس والسلوك بالقانون. وسيكون الزنى جريمة عقوبتها الموت، وسيكون
أي شخص يقود سيارته يوم السبت أو يدنس ذلك اليوم بأي شكل آخر، عرضة
للموت بالرجم. وسيكون القانون الديني اليهودي، بالنسبة إلى غير
اليهود، صرح تمييز منهجي ضدهم وسيتم بموجبه العقاب على كل جريمة أو
رذيلة يمكن أن يرتكبها أحد الأغيار ضد يهودي، من القتل أو الزنى إلى
السطو أو التحايل، عقاباً أشد من ذاك الذي يُفرض لنفس الجريمة أو
الرذيلة إذا ارتكبها يهودي ضد أحد الأغيار، هذا إذا اعتبرت أصلا
جنحة، وهي لن تعتبر كذلك في معظم الأحيان. وستزال كل "أشكال الأوثان
وعبادة الأوثان"، خصوصاً المسيحية منها (إذ يُنظر تقليدياً إلى
المسلمين، الذين لا يعتبرون وثنيين، باحتقار أقل مما ينظر به إلى
المسيحيين). وأولئك الأغيار، أو من يسمون "أبناء نوح" المسموح لهم
بالبقاء في المملكة. لا يمكنهم عمل ذلك إلا كـ"أجانب مقيمين" ملزمين
بموجب القانون بقبول "الدونية" الأبدية التي تعنيها تلك الصفة
لـ"يعانوا إذلال العبودية" و"ليبقوا أذلاء لا يرفعون رؤسهم أمام
اليهود". وفي صلوات أيام الأسبوع، سيردد المؤمنون اللعنة الخاصة:
"ولينقطع أمل المرتدين، وليهلك جميع المسيحيين فوراً". ولا يدري
المرء ما رأي أناس من أمثال (جيري فالويل) و(بات روبرتسون) في هذه
اللعنة، ذلك أن من الغريب رؤية هذا الافتتان، من جانب الإنجيليين
الأميركيين، بـ"إسرائيل" ما زال أصوليوها اليهود يكنون احتقاراً
مذهبياً للمسيحية لا يضاهيه سوى الاحتقار الذي يخص به الأصوليون
المسيحيون اليهود أنفسهم.
ستنهض
المملكة اليهودية عندما يأتي المسيح المنتظر ويعاد بناء الهيكل
المدمر مرتين على الموقع الذي يقوم عليه الآن المسجد الأقصى وقبة
الصخرة. والأصوليون ينتمون لعدد كبير من الطوائف التي كثيراً ما
تتنازع بحدة بعضها بعضاً في شأن أدق مسائل وتفاصيل العقيدة، لكنهم
جميعاً يتفقون على هذه الحقيقة الأخروية الأساسية. غير أن من المهم،
على أي حال، التمييز بين موقفين متضاربين تجاهها. إذ تعتقد إحدى
مدارس الأصوليين بأن المسيح المنتظر سيظهر في الوقت الذي يناسبه، وان
العصر الألفي (الذي سيملك فيه المسيح على الأرض)، ونهايته في يوم
القيامة، لن يأتي إلا بمشيئة الله وحده. وهؤلاء هم الـ"حريديم"،
الأكثر تطرفاً في رفضهم العنيد للعالم العصري العلماني الحافل
بالرذيلة، والذين ينفقون وقتهم - ومال الدولة - في الصلاة والدراسة
المقدسة. وحزب "شاس" هو أكبر عنصر سياسي مفرد في تكوينهم. ويتضمن
موقفهم قدراً ما من التصوف الديني التقليدي المعارض، تاريخياً، لفكرة
الصهيونية برمتها والهجرة إلى فلسطين وإقامة دولة يهودية.
أما المدرسة
الثانية، الأقل تطرفاً في المراعاة الظاهرية للتعاليم الدينية، فهي
ثورية إلى درجة تحبس الأنفاس في ما يتعلق بنقطة مذهبية واحدة حاسمة
الأهمية: الاعتقاد بأن مجيء المسيح المنتظر يمكن تحقيقه أو استعجاله،
بوساطة إنسانية، هنا والآن، في العالم الدنيوي. والواقع أن "عهد
المسيح" قد وصل بالفعل. ويمثل مدرسة الأصولية هذه الحزب القومي
الديني، ونتاجه المستوطنين المنتمين إلى "غوش امونيم" (كتلة
المؤمنين) الذين سيطروا عليه في نهاية الأمر. واتباع هذا الحزب
مستعدون لغمس أنفسهم في هذا العالم، مع أنه طافح بالرذيلة، وهم
بعملهم هذا يطهرونه. وباستثناء القلنسوة الرمزية، تبنوا اللباس
العصري التقليدي، وهم يُدْخلون مواضيع علمانية في مناهج معاهدهم
الدينية.
لم يأت ذكر
"غوش" التي برزت للمرة الأولى في 1974 إلا في الطبعة الثانية من
"البندقية وغصن الزيتون" التي صدرت في 1984. وفي حلول ذلك الوقت، كان
المستوطنون المتدينون، المعتمرون القلنسوة الذين يحملون الرشاش
"عوزي" قد رسخوا أنفسهم بصفتهم الطليعة الجديدة الأكثر أصالة وتمتعاً
بالإعجاب للمشروع الصهيوني برمته.
وكان هذا
الأمر مثيراً جداً للسخرية. ذلك أن الاستيطان، "استرداد" الأرض، كان
دوماً المهمة المركزية المعرفة للصهيونية. ولكن بينما كان الرواد
الأصليون متمردين علمانيين - عصريين ضد طغيان الأرثوذكسية اليهودية
الثيوقراطية المنتمية لعقلية العصور الوسطى، أما الآن فإن تلك
الأرثوذكسية، أو نسختها المعاد تركيبها وفقاً لمفهوم "غوش"، قد
اغتصبت قيادة حركة كانت تعتبرها في وقت من الأوقات منشقة مخربة
لسلطتها.
ووفقاً
لتعاليم زعيمهم الروحي الحاخام (تزفي يهودا كوك)، فإن "غوش" أو على
الأقل الحاخامين الذين يقودونها، هم أنفسهم التجسيد الجماعي للمسيح.
وبالنظر إلى أن المسيح سيظهر، وفقاً للنبوة التوراتية، راكباً على
حمار، فقد عَرَّف الحمار بأنه يعني أولئك اليهود الضالين العلمانيين
الذين يبقون في جهل عنيد بالغرض السامي لراكب الحمار المهدي إلهياً.
صحيح أنهم أدوا، في شكل أولئك الصهاينة الأوائل، المهمة الضرورية
المتمثلة بإعادة اليهود إلى الأرض المقدسة، واستيطانها وتأسيس دولة
هناك. لكنهم الآن أدّوا غرضهم التاريخي، وصاروا الآن مهملين بعدم
نبذهم سلوكهم الشبيه بسلوك الحمار وعدم إدراكهم أن الصهيونية لها غرض
ديني مقدس وليس مجرد غرض قومي ضيق.
أرادت
القيادة الصهيونية العلمانية الرئيسية لليهود تحقيق حياة "عادية"،
وأن يكونوا كالشعوب الأخرى لهم دولة قومية خاصة بهم. ويعتبر المؤمنون
بالمسيح المنتظر وقسم كبير من اليمين القومي، وأن يكن لأسباب عاطفية
أكثر منها مذهبية، أن ذلك الأمر مستحيل، إذ أن "فرادة اليهود
الأبدية" تنبع من العهد الذي أعطاه الله لهم على جبل سيناء، لذا، على
حد تعبير الحاخام آفينر، أحد زعماء "غوش" ورئيس معهد ديني يدرس
الطقوس الكهنوتية القديمة التي سيجري إحياؤها إذا أعيد، وعندما يعاد،
بناء الهيكل، فإنه "بينما يطلب الله من الأمم الأخرى العادية التزام
قواعد عدالة وفضيلة مجردة، فإن مثل هذه القوانين لا تنطبق على
اليهود". ومنذ بدأت الصهيونية، ولكن خصوصاً منذ حرب 1967 واحتلال
"إسرائيل" بقية فلسطين التاريخية، يعيش اليهود في "حقيقة سياسية
متعالية"، أو حالة "تحول ميتافيزيقي" تحرر فيها "إسرائيل" عبر الحرب
والاحتلال، نفسها ليس فقط من أعدائها الماديين، ولكن أيضاً من القوة
"الشيطانية" التي يجسدها هؤلاء الأعداء. ويقول آفينر إن الأمر
باحتلال البلاد هو "فوق الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية المتعلقة
بالحقوق القومية للأغيار في البلاد". وما يسميه "واقعة قدوم المسيح"
هو ما يملي ذلك. فقد أمرت "إسرائيل" بأن "تكون مقدسة، وليست أخلاقية،
والمبادئ العامة للأخلاق المعتادة للبشرية جمعاء، لا تلزم شعب
"إسرائيل"، لأنه أختير ليكون فوقها".
وليس اعتبار
العرب أن الأرض أرضهم، مع أنها في الواقع ليست لهم وهم ببساطة "لصوص"
أخذوا ما كان دائماً لليهود، سبب مقاومتهم هذه العملية، وإنما لأنهم،
بصفتهم اغياراً، ملزمون بالضرورة بعمل ذلك. ويقول لامع آخر من "غوش"
وهو الحاخام (اليزر والدمان)، مدير المعهد الديني الرئيسي في مستوطنة
"كريات أربع": إن "العداء العربي ينبع، مثل العداء للسامية، من
التمرد العالمي" في وجه "إسرائيل" الساعية إلى تحقيق "مهمتها المقدسة
بأن تخدم كقلب العالم".
لذا فإن
القوة هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع الفلسطينيين. وطالما بقوا في
"أرض إسرائيل" فإنهم لا يستطيعون عمل ذلك إلا كـ"أجانب مقيمين" من
دون "مساواة في الحقوق الإنسانية والمدنية"، لأن تلك (المساواة)
"مبدأ ديموقراطي خارجي" لا ينطبق عليهم. ولكنهم، في النهاية، يجب أن
يغادروا. وثمة طريقتان يمكن أن يحدث عبرهما ذلك الأمر، إحداهما
"التهجير القسري". وفي تلك الحالة تمنع التمييزات التي تجرى عادة في
دولة مستنيرة بين من هو مدني ومن هو محارب، لأن المدني والمحارب
كليهما ينتميان إلى فئة سكان ليس لها بداهة مكان في "إسرائيل"،
ويعتبران كلاهما عدوين لها.
أما الطريقة
الثانية فتقوم على أساس الأمر التوراتي بـ"إفناء ذكرى العماليق". وفي
مقال عن "أمر الإبادة الجماعية في التوراة" رأى الحاخام (إسرائيل
هيس) - من دون أن يتعرض لأي انتقاد من حاخامية الدولة التي يقضي
واجبها الرسمي بتصحيح الخطأ أينما تجده - أنه "سيأتي اليوم الذي
سندعى فيه جميعاً إلى شن هذه الحرب لإفناء العماليق".
وقدم سببين
لذلك: الأول الحاجة إلى ضمان "النقاء العرقي". أما الآخر فيكمن في
"العداء بين "إسرائيل" والعماليق كتعبير عن العداء بين الضوء
والظلام، والطاهر والنجس، وبين شعب الله وقوى الشر، وهو عداء لا يزال
موجوداً مع أبناء العماليق عبر كل الأجيال"، ويتجسد حالياً في الشعوب
العربية أو كما قال معلق إسرائيلي ليبرالي عندما احتدت مشاعر "غوش"
بعد مرور عامين على بدء الانتفاضة: "الترانسفير ليس كافياً" بالنسبة
إليهم، "إنه (حل) أضعف من اللازم، إنه أجندة يسارية، وما يريدونه هو
الانتقام الفظيع، أي تهجيرهم إلى الموت وليس عبر الأردن".
بالنسبة إلى
"غوش" هناك بعد للمستوطنات يتجاوز ما هو مجرد استراتيجي - الدفاع عن
الدولة أو الرقعة الجغرافية - هو توسيع "أرض "إسرائيل" إلى أن تبلغ
حدودها الكاملة المتنبأ بها توراتياً"، مهما تكن تلك الحدود.
والمستوطنات هي قلاع أيديولوجيتهم القائمة على الإيمان بالمسيح
المنتظر، وهي نواة دولتهم الثيوقراطية التي هي في طور الصيرورة
وإلهامها، وقاعدة القوة التي ينطلق منها صراع داخلي لا يمكن فصله عن
الصراع الخارجي - أي الصراع بين اليهود ضد "إسرائيل" الأخرى
(العلمانية - العصرية)، أي "إسرائيل" التيار الصهيوني الرئيسي الأصلي
التي تقف في طريقهم. ويجب أن تحقق "غوش" ما علّمه الحاخام كوك: وهو
أن "دولة إسرائيل" الحالية تحمل ضمن ذاتها "مملكة إسرائيل، مملكة
السماء على الأرض، ونتيجة لذلك تعانق القدسية التامة كل شخص يهودي،
وكل فعل، وكل ظاهرة، بما في ذلك العلمانية اليهودية، التي ستبتلع
يوماً ما من جانب القدسية والخلاص".
من المفروغ
منه أن "غوش" تعتبر أي تسوية سلمية بين العرب و"إسرائيل" برعاية
أميركية أمراً مستحيلاً عملياً، ولكن أي محاولة لتحقيق ذلك المستحيل
يجب العمل بنشاط لتخريبها. وبالنسبة إليهم كانت أوسلو، وإمكان "إعادة
تقسيم أرض "إسرائيل" صدمة هائلة ووجودية. وقال الحاخام (يائير
درايفوس) إنها كانت "ردة" وإن اليوم الذي سرى فيه مفعولها سيعتبر
"نهاية العهد اليهودي - الصهيوني (من 1948 إلى 1993) في التاريخ
المقدس لأرض إسرائيل".
وأعلنت "غوش"
وحلفاؤها "انتفاضة يهودية" ضدها. وكانت هذه موجهة بالدرجة الأولى ضد
الفلسطينيين. وأقدم مستوطنون مسلحون، بعد إعلان عزمهم على استخدام
"اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب"، على إغلاق طرقهم بالصخور وإطارات
السيارات المحروقة، ونهبوا ممتلكات وأطلقوا الرصاص على راشقي الحجارة
الفلسطينيين. وجاءت الذروة المروعة في شهر رمضان الذي صادف شهر شباط
(فبراير) 1994 عندما أطلق طبيب يدعى (باروخ غولدشتاين)، وهو إسرائيلي
لكنه ولد ونشأ في بروكلين، رصاص رشاشه على مصلين مسلمين في الحرم
الإبراهيمي في الخليل فقتل 29 منهم قبل أن يُقتل.
|