|
المزاج الأمني الجديد للمواطن الإسرائيلي
جورج المصري
صحيفة الشرق
القطرية 26/2/2003
إن غلبة
الفكر المتسلط تأخذ تاريخها من العهد القديم والصراع بين الخير والشر
التي تجسد الحرب، والنص الذي يحتوي على إشارة من هذا النوع في العهد
القديم ذلك الوارد في سفر التكوين بشأن الحكم الذي فرضه الرب محدداً
به طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الحية والأنثى.
كشفت نتائج
الانتخابات الإسرائيلية للكنيست مؤخراً جنوح المجتمع الإسرائيلي نحو
اليمين، فعلى الرغم من فوز حركة شينوي العلمانية بسبعة عشر مقعداً،
إلا أن تزايد نفوذ الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة مع الليكود
على حساب اليسار التقليدي ممثلاً في حزب العمل وحركة ميريتس يؤكد قوة
النزوع نحو الأمن والرغبة في جر "إسرائيل" نحو مواجهات دامية داخلياً
وفلسطينياً وإقليمياً.
ولا يمكن
التذرع بفوز ميتسناع على بن اليعازر، لأن القمع الوحشي لانتفاضة
الأقصى وهجوم المستوطنين على الفلسطينيين البسطاء وسجل شارون الأسود
عوامل تؤكد عدم رغبة الإسرائيليين في السلام، ومحدودية خيارات السلطة
الفلسطينية و"إسرائيل" معاً سوى بالمقاومة، إن ادعاء شارون والتفاف
المتطرفين حوله بشعار أمن "إسرائيل" يخلق مناخاً شبيهاً بالحرب
الباردة والعودة إلى خطاب سياسي ذي مفردات حادة تحتل الأرض والإبقاء
عليها وسياسة القمع والتوسع والهيمنة مكانة متميزة فيه، ليمكننا
القول بعودة شعار "إسرائيل" الكبرى التوراتية التي لا تعطي وزناً
للتسوية والاتفاقات الثنائية مع السلطة الفلسطينية وبعض الدول
العربية، ويكشف هذا عن توافق خطاب وشخصية شارون ومفاهيمه الأمنية مع
الحالة العقلية والنسبية للإسرائيليين، حيث استثمر زعيم الليكود
مشاعر الخوف من العمليات الاستشهادية وانتفاضة الأقصى وجعل منها
أولوية تفوق، وأدرك أن الشعب الإسرائيلي بحاجة إلى الأمن بدلاً من
الخوف والتمسك بالأرض بدلاً من الانسحاب منها والسلام القوي مع
الليكود بدلاً من السلام المراوغ مع إسرائيل واحدة.
وأفرز هذا
التوجه تقوية للعنصرية الإسرائيلية المعبر عنها شارون الذي يرى تمحور
مستقبل "إسرائيل" وقدرتها على الاحتفاظ بشخصيتها الأمنية وقوتها في
وسط محيط من الإعداء، وليس هناك من وسيلة للتعامل معه سوى القوة
وتجلياتها التي تصل إلى الحرب.
لقد أفرزت
استطلاعات الرأي والتأييد الجارف لشارون مبدأ الاستنفاذ إلى عاملي
الخوف والدين الأمر الذي يدفع إلى عدم التفاؤل العربي والفلسطيني
خاصة، لأن الجمع بين هذين العاملين يدفع دائماً إلى إنتاج سياسات
متطرفة وبعيدة عن الواقعية تجسد العنف المتأصل لدى الإسرائيليين،
ويدل ذلك على سمات الفكر الصهيوني الذي يجرد اليهودي من إنسانيته
بعزله عن سائر البشر ثم يجرد الآخرين من إنسانيتهم وجعلهم متفرجين
موضوعيين على المأساة اليهودية بل يجعل اليهودي شريكاً في العنف الذي
يحيق به، وحول الاستشهاد اليهودي إلى مجرد مذبحة وقعت لشعب لا يرفض
العنف الذي هو ضحيته حتى أصبحت شعارات الانتقام والثأر والانتقام
بالسيف بدلاً من الكتاب هي السمة الأصيلة للإسرائيليين.
وفي واقع
الحال فإن تحولاً جذرياً طرأ على اليهود بعد تعرضهم للإبادة الشاملة
والتشريد، فتاريخهم قبل عصر التوراة وبعده تاريخ دموي حربي مليء
بالغزو والعدوان وتغلب عليه صفة الشراسة والعنف. وأظهرت الرغبة في
فوز شارون تأصل المفكرين الصهاينة المتأثرين في منهجهم الفكري بآراء
داروين في التطور الطبيعي وتطبيق هذا المنهج على التطور التاريخي
والاجتماعي لليهود مثل النازية، لقد فسر هؤلاء المؤرخون التيه
اليهودي في الصحراء بعد خروج "بني إسرائيل" من مصر على أنه التطبيق
الرباني لنظرية الاختيار الطبيعي وبذلك لا يكون التيه عقاباً لليهود
على فسادهم الأخلاقي وإنما يصبح من جانب الرب محاولة للقضاء على
الضعيف من بينهم حتى لا يدخل أرض الأطهار سوى الأصحاء الأقوياء.
ويمكن القول
إن المجتمع الإسرائيلي يتخذ من النازي مثلاً أعلى له وهو الأمر الذي
يعطي له علم النفس التفسير المقبول بأنه إذا ما تعرض الفرد لعدوان لا
قبل له بمواجهته وأصبحت الهزيمة خطراً يهدد اتزانه النفسي فإنه
كثيراً ما يلجأ إلى اتخاذ مصادر العدوان نماذج له يقتدي بها ومثلاً
علياً يسير على هديها حفاظاً على اتزانه النفسي. ولعل مشهد محمد
الدرة مازال ماثلاً في الأذهان بالإضافة إلى الشهيد عصام سويح الذي
مثل المستوطنون بجثته والشهيد خالد حسونة الذي نقلت الفضائيات
العالمية بشاعة تصرف الجنود الإسرائيليين بجثته بعد وفاته.
إن ذكرى
النكبة النازية تدفع اليهود إلى ادخار قوة داخلية لا تقتصر على منع
الهزيمة فحسب بل تحتم ضرورة الانتصار، ولكن الفكر الصهيوني الذي
بلورته حملة شارون الانتخابية يحرص على الاحتفاظ بعنصر رئيسي من
عناصر التكوين السيكولوجي الإسرائيلي وهو أنه لا مكان في ذلك التكوين
ليهودي منتصر قوي فحسب بل هناك مكان ليهودي يرد الاعتداء أو يستعد
لحماية نفسه وإذا لم يكن هناك اعتداء أو حتى تهديد فإنه من المحتم
الإلمام بكل ذلك حتى تدوي سريعاً صورة انتصار اليهودي ولتحل محلها
صورة مخافة اعتداء العرب.
ويدل اللجوء
إلى العنف لدى الإسرائيليين على تبني وجهة النظر الدينية التي تثبت
سطوة الفكر الثيوقراطي وتحالف شارون مع المتطرفين من شاس والمفدال
ويهوديت هتوراة. إن غلبة الفكر المتسلط تأخذ تاريخها من العهد القديم
والصراع بين الخير والشر التي تجسد الحرب والنص الذي يحتوي على إشارة
من هذا النوع في العهد القديم ذلك الوارد في سفر التكوين بشأن الحكم
الذي فرضه الرب محدداً به طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الحية
والأنثى (وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق
رأسك وأنت تسحقين عقبة).
ومنذ ذلك
الحين أصبح الصراع بين القوى المختلفة لفرض الإرادة هو جوهر العلاقات
بين البشر وتاريخ اليهود على النحو المدون به في العهد القديم يزخر
بالعديد من الإشارات عن الحروب، وقد جمعت قوانين الحرب في التوراة
(سفر التثنية) وهي تحدد لهم أسلوب الاستيلاء على المدن والتعامل مع
البلاد وهي بالنسبة للإسرائيليين مصدر وحي وشريعة مقدسة لاستئناف
البعث الإسرائيلي في فلسطين على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية
وقانونية لتحقيق وعد الرب.
ويرى زعماء
"إسرائيل" حالياً أو واضعو الأسس لسياستها أن هناك استمرارية للتاريخ
العسكري اليهودي منذ أيام موسى ويوشع بن نون حتى الآن، وهذا التطرف
الديني والعنصري في النظرة الصهيونية للفلسطينيين والعرب يعكس دمجاً
فكرياً بين القومية المعادية للأجانب وبين التطرف الديني ضيق الأفق.
وقد وصل هذا الدمج إلى ذروته في كلمة أحد الحاخامات العسكريين في
مؤتمر انتخابي لشارون أخيراً والتي تحتوي تفسيرا جديداً لشريعة موسى
ممتزجاً بعسكرية مقاتلة تؤدي في النهاية إلى عالم من المفاهيم
الجديدة في الفكر الإسرائيلي المشبع بالصهيونية الدينية المتطرفة،
واحتوى هذا التحريض على تبرير ديني لقتل الفلسطينيين ولاسيما النساء
والأطفال أثناء انتفاضة الأقصى عندما قال «لقد قالوا مثل هذا حيث أنه
لابأس من قتل غير اليهودي ولا نثق بغير اليهودي بأنه لن يؤذي
قواتنا». وقد تجلت هذه الروح العدوانية في المظاهرات المؤيدة لشارون
وتلك التي تعقب تهديد العرب بالقتل في أعقاب العمليات الاستشهادية
وخاصة من المستوطنين.
|