الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

 

بعد أن استخدمهم العدو أكياس رمل للدفاع عن احتلاله

ثمن العمالة: بقايا جيش لبنان الجنوبي تدفع فاتورة الولاء لـ"إسرائيل"

محمد السماك

  كاتب وإعلامي لبناني

صحيفة الاتحاد الإمارتية 18/1/2003

كان القادة الإسرائيليون يرددون منذ مطلع الخمسينيات شعاراً يقول: أعطني كولونيلاً لبنانياً متعاملاً مع "إسرائيل" أعطيك دولة مسيحية في لبنان. رفع هذا الشعار (دافيد بن غوريون) أول رئيس لأول حكومة إسرائيلية، ثم ردده (موشي شاريت) أول وزير خارجية إسرائيلي. وفي الوثائق الرسمية الإسرائيلية رسائل متبادلة بين بن غوريون وشاريت حول هذا الموضوع.

 

خلال الحرب اللبنانية (1975-1989) وجدت "إسرائيل" ضالتها المنشودة في الكولونيل (سعد حداد)، فأنشأت له ومعه جيش لبنان الجنوبي. وحاولت فصل المناطق الجنوبية عن بقية لبنان لتكون نواة للدولة المنشودة. ولكن (سعد حداد) مات قبل أن تبصر هذه الدولة النور، فحمل لواء مواصلة العمل على المشروع من بعده العقيد (أنطوان لحد) بعد أن انسلخ عن الجيش اللبناني.

 

وطوال أكثر من عقدين من الاحتلال الإسرائيلي العسكري المباشر لشريط طويل من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي تبلغ مساحته خمس مساحة لبنان تقريباً، مارس جيش لبنان الجنوبي تحت الامرة العسكرية الإسرائيلية كل إجراءات الكانتون المنفصل عن الوطن الأم. ولكن ضربات المقاومة اللبنانية لم توفر له أي فرصة للتنفس، حتى اضطرت "إسرائيل" إلى الانسحاب من جانب واحد، ودون قيد أو شرط في مايو 2000. وانسحبت معها مذعورة شراذم جيش لبنان الجنوبي. حاولت "إسرائيل" التخلّص من عناصر هذا الجيش بتسهيل تهجيرهم إلى أستراليا وكندا والأرجنتين، ولكن بقي الكثيرون منهم داخل "إسرائيل" عارضين خدماتهم القتالية.

 

واستناداً إلى مصادر السلطة الفلسطينية فقد استخدمتهم القوات الإسرائيلية في اختراق صفوف الانتفاضة للقيام بعمليات اغتيال للناشطين في فتح وحماس والجهاد الإسلامي، مستخدمة لغتهم العربية غطاء لهم. واستناداً إلى هذه المصادر أيضاً فإن بعضهم قُتل على أيدي الفلسطينيين في نابلس. وبعد افتضاح أمرهم دفعتهم "إسرائيل" إلى الصفوف الخلفية ثم أهملتهم جملة وتفصيلاً، وبلغ الإهمال درجة حرمانهم من الرواتب التي كانوا يتقاضونها.

 

وفي الأسبوع الماضي قاموا لأول مرة بمظاهرة احتجاج أمام مقرّ رئاسة الحكومة الإسرائيلية في القدس، فتصدّت لهم قوات الأمن بشراسة بالغة.

 

لم تكن "إسرائيل" وحدها التي تخلّت عنهم، لقد تخلّى عنهم أيضاً كبيرهم أنطوان لحد، الذي يقيم الآن في تل أبيب كرجل أعمال..! فيما يعاني جنوده السابقون من الحرمان والاضطهاد. لقد استخدمهم العدو أكياس رمل للدفاع عن احتلاله، ولما قرر الانسحاب تحت ضغط المقاومة اللبنانية تخلّى عنهم كما يتخلى المرء عن ليمونة معصورة.

 

مع ذلك فقد أبدت الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني، وحتى المقاومة، قدراً كبيراً من التسامح معهم لإعادة تأهيلهم بعد التحرير، وبالفعل وجد بعضهم في تلك المبادرة فرصة جديدة لفتح صفحة جديدة في حياتهم، فبادروا إلى استغلالها وتحمّلوا العقوبات الشكلية التي حُكم عليهم بها، ولم تكن تلك العقوبات انتقامية ولا حتى تأديبية، بقدر ما كانت رمزية اقتضتها متطلبات احترام القوانين اللبنانية التي تنصّ على معاقبة المتعاملين مع العدو الإسرائيلي. إلا أن كثيرين آخرين آثروا مع الأسف الالتحاق بالعدو المتقهقر أملاً في أن يغمرهم بمكافآته لقاء ما قدموه له من خدمات وتضحيات طوال سنوات الاحتلال.

 

ولكن "إسرائيل" لم تكن مجرد قوة محتلة، إنها تمثل نموذجاً للعنصرية الدينية التي تحقّر كل من يختلف معها وتحاول أن تلغيه شكلاً ومضموناً، لم يدرك اللبنانيون الذين تعاملوا مع العدو الإسرائيلي طبيعة هذا العدو وأهدافه، اعتقدوا أنهم يتمتعون بقدر عال من الذكاء والشطارة يمكّنهم من استخدام قوات الاحتلال لضرب خصومهم داخل الوطن.. فإذا بالعدو يستخدمهم في أوسخ عملياته حتى في تعذيب المعتقلين من المقاومين اللبنانيين الشرفاء، ثم إذا به يتخلى عنهم يوم انسحابه. وها هو اليوم يرذلهم ويطلق العنان لجنوده لكي يسحقوا رؤوسهم في شوارع القدس المحتلة.

 

إن "إسرائيل" لا تستطيع أن تعطي أحسن مما هو عندها، وما قدمته لهؤلاء العملاء هو أحسن ما عندها، من السهل أن نقول: إنهم يستحقون هذه المعاملة التحقيرية والإذلالية، فهم الذين اختاروا العدو والعمل في صفوفه، وهم الذين آثروه على وطنهم وأهلهم، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع إلا أن نبدي قلقنا واستياءنا من جراء هذا المصير الذي يواجهونه نتيجة التضليل الذي قادهم إلى حضن العدو وإلى معسكره.

 

في ضوء هذه التجربة - المعاناة التي يواجهونها الآن نتساءل بحسرة وألم: أليس من الأفضل لهم أن يراجعوا ضميرهم وأن يرجعوا إلى وطنهم كما فعل الكثيرون من أمثالهم؟

صحيح أنه لابد من محاكمتهم ومعاقبتهم إذا عادوا، إلا أن ذلك أفضل لهم من الإذلال الذي يسحق كرامتهم البشرية، والذي يجعل منهم نموذجاً حياً لمصير الذين يتعاملون مع العدو.

 

لقد أخطأوا مرّتين، مرة بالعمالة للعدو أثناء الاحتلال، ومرة ثانية باللجوء إليه بعد التحرير.. وها هم يخطئون ثالثة بإيثار جزمة الجندي الإسرائيلي على تلاوة فعل الندامة في السجون اللبنانية؟

لقد قرّر ستة منهم بعد حادث الإذلال في القدس العودة إلى لبنان وتسليم أنفسهم إلى القضاء، فعبروا الحدود في منطقة الناقورة الجنوبية يرافقهم مندوبو الصليب الأحمر الدولي ومراقبو الأمم المتحدة.

 

من الواضح أن هذه العودة الجزئية تأتي بعد إجراءات القمع التي تعرّضوا لها على يد القوات الإسرائيلية، ولكن السؤال الذي لابد من طرحه هو : لماذا عاد ستة فقط؟.. ولماذا يستمر الباقون في "إسرائيل" وهم يعدون بالعشرات إضافة إلى عائلاتهم؟

إذا كان السلوك الإسرائيلي مع العملاء اللبنانيين الذين تخلّوا عن وطنهم وتعاونوا مع العدو ولجأوا إليه بعد انسحابه يشكل ظاهرة همجية، فإن استمرار تعامل هؤلاء اللبنانيين مع هذا العدو الإسرائيلي واستمرار ارتمائهم في حضنه والتماسهم مساعدته، يشكل ظاهرة موغلة في الهمجية، إنه لم يعد خطأ دفعتهم إلى ارتكابه ظروف صعبة، بل أصبح جريمة يرتكبونها عن سابق تصوّر وتصميم.

وهنا نستعيد وقائع الاجتماع الذي عُقد في بيروت أثناء الحرب الفتنة بين الكاردينال كوك رئيس أساقفة نيويورك الكاثوليك في ذلك الوقت وعدد من أعضاء مجلس النواب اللبناني، يومها توجّه الكاردينال إلى النواب المسيحيين منتقداً بشدة اتصال بعض الشخصيات القيادية المسيحية مع "إسرائيل" وقال لهم: إن الولايات المتحدة وهي أكبر دولة في العالم، لم تتمكن من التعامل مع "إسرائيل" على قاعدة الأخذ والعطاء، فـ"إسرائيل" تأخذ ولا تعطي. وحذّرهم من أن الاتصال الذي تم مع "إسرائيل" كان خطأ، ولكن إذا تكرّر أو تواصل فإنه يصبح جريمة.

 

لقد تعاملت الدولة اللبنانية (حكومة ومجتمعاً) مع هؤلاء العملاء بمنطق الكاردينال كوك، فاعتبرت اتصالهم بالعدو الإسرائيلي خطأ، وحاكمتهم على أساس هذا الخطأ، فجاءت الاحكام القضائية بحقّهم رمزية وشكلية، فعفا المجتمع عنهم - ولو بصعوبة أحياناً - بهدف المحافظة على الوحدة الوطنية وفتح صفحة جديدة من العيش الوطني في المناطق التي احتلّها الإسرائيليون مدة 22 عاماً. ولكن الاصرار على التعلّق بأذيال العدو والتزلف إليه لم يعد خطأ، إنه كما قال الكاردينال كوك جريمة.

 

ويتضاعف حجم هذه الجريمة بعد أن داس الجنود الإسرائيليون بجزماتهم على رؤوس هؤلاء العملاء في شوارع القدس المحتلة وسحلوهم في شوارعها كالحيوانات المسعورة. ومع ذلك فإنهم يصرّون على المطالبة بما يعتبرونه حقوقاً - حقوق المتعامل مع عدوّ - ويتظاهرون - بلا خجل - من أجل الحصول ولو على جزء من هذه الحقوق!!

 

كم يبدو الأمر مذلاً أن يبادر هؤلاء العملاء إلى استجداء التعويضات من سيّدهم بعد أن سخّرهم لخدمته سنوات طويلة، فعندما يرفض الإسرائيليون منحهم هذه التعويضات، وعندما يسيئون معاملتهم ويحقّرونهم إلى هذا الحد، فمعنى ذلك أن "إسرائيل" لم تعد تريدهم ولم تعد تتحمل وجودهم ولم تعد تطيق عليهم صبراً. فبدلاً من أن يديروا لها ظهورهم ويعودوا إلى وطنهم نادمين تائبين، إذا بهم يتحمّلون مع الحرمان كل أنواع الاهانة والتحقير. قديماً كان يُقال شعير بلادكم ولا قمح الغريب. فما بال هؤلاء القوم يؤثرون شعير العدو على قمح بلادهم !!

 

عندما رفعت الانتفاضة الفلسطينية الصوت عالياً مستنكرة ومستهجنة مشاركة لبنانيين في عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية، جاء الردّ اللبناني أن هؤلاء القوم مارسوا الدور نفسه ضد أهلهم في لبنان، فارتكبوا جرائم اغتيال كوادر المقاومة وزرعوا العبوات الناسفة في العديد من المدن والقرى الجنوبية والبقاعية، ثم إنهم قصفوا مراراً بمدفعية زودتهم بها "إسرائيل"، مدن صيدا وصور والنبطية وسواها، وأسقطوا العشرات من الضحايا.. وحتى "إسرائيل" نفسها في ردّ التهمة الموجهة إليها بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا في عام 1982، تتهم قوات جيش لبنان الجنوبي التي كانت بإمرة الكولونيل (سعد حداد) بارتكاب تلك الجريمة التاريخية البشعة·

 

مع ذلك فقد ضربت الدولة اللبنانية صفحاً عن هذا الماضي المشحون بالقذارة، وفتحت لهم ولو بحذر أبواب العودة حتى لا يخترقوا المجتمع اللبناني كعملاء للعدو تظلّلهم توبة كاذبة، وهكذا تحولت فترات سجن العائدين منهم إلى فترات تأهيل وطني لغسل دماغهم من أي ولاء أو ارتباط بالعدو، ونجحت خطة الدولة إلى حدّ بعيد وتمّ استيعاب العملاء السابقين في المجتمع حيث يزاولون اليوم أعمالهم وكأن شيئاً لم يكن.. أما الذين استمروا في الرهان على "إسرائيل" فإنهم يحصدون اليوم ثمن هذا الرهان مزيداً من الإذلال في "إسرائيل"، ومزيداً من الشماتة في لبنان.