|
مفاتيح سرية للخطاب الصهيوني
خيري منصور
صحيفة الخليج
الإماراتية 13/6/2005
غالباً ما
تضطرنا بعض التصريحات ذات النبرة "الإبادية" التي تصدر عن جنرالات
الدولة العبرية إلى مراجعة معاجم الصهيونية وموسوعاتها، فالمنطق
التقليدي ومعايير العقل التي رسختها الخبرة الإنسانية عبر التاريخ لا
يتيحان للمرء فهم ما يقول هؤلاء.. وما يرطنون به من مفاهيم عديمة
الصلة بالواقع، وهذا بالفعل ما طالب به كاتب يهودي يصنف الآن في خانة
المعارضة، هو يوري أفنيري الذي سخر صحيفته "هاعولام هازيه" للتعبير
عن وجهات نظر تدرجت من الأحمر الصهيوني إلى البرتقالي، وأخيراً إلى
هذا اللون الباهت، حسب ما يقول أفنيري فإن الأدبيات الصهيونية تحتاج
إلى دليل.. وإلى معجم خاص بها، لأن الكلمات في تلك الأدبيات لا تعني
المعاني نفسها في أي مكان آخر.
وفي حوار
أجرته أخيراً "هآرتس" مع موشيه يعلون ترد عبارات ترسخ اعتقادنا بأن
الخطاب الصهيوني لا يقرأ مكتفياً بذاته كأي خطاب آخر، وثمة مفاتيح
لابد من العثور عليها وتجريبها لفهم ما وراء الأكمات والكلمات، على
سبيل المثال.. فهم العالم "السور الواقي" على أنه جدار عزل عنصري،
ودانه قضائياً وأخلاقياً، لكن معظم الناس لم يخطر ببالهم ما كتبه قبل
سنوات "أفي شلايم" صاحب كتاب "الجدار الفولاذي" فقد رأى هذا الكاتب
اليهودي أن الصهيونية لا تستطيع الحياة والتنفس في الهواء الطلق، وهي
قد حولت "الجيتو" من واقع سياسي وأيديولوجي إلى فكرة استوطنت العقل،
لهذا فالسور ليس مادياً فقط إنه مشيد بقوة داخل الدماغ الصهيوني،
لهذا.. اعتبر موشي يعلون أن بناء السور بمعناه المادي قد فشل، لأن
الفلسطينيين لا يزالون يتحدثون عن حق العودة.
إذن ثمة سور
آخر يمتد هذه المرة من داخل فلسطين بدءاً من الخط الأخضر إلى العالم
كله، عبر خطوط الطول والعرض فيه، وحيث يوجد فلسطينيون لاجئون يحلمون
بحق العودة.
وعلينا أن
نلاحظ هنا، أن الحلم قد بدل مجاله الحيوي والسياسي خلال العقد الأخير
فلم يعد حلماً بالعودة.. بل بحق العودة.
وتلك حيثية
طارئة، أملتها ظروف المنطقة ومعاهدات السلام من طرف واحد.
إن اكتمال
بناء السور الواقي لن يتم ما دام هناك فلسطيني واحد يحلم بالعودة..
وما دام هناك يهودي واحد لم يتم تهجيره إلى فلسطين، أليست هذه
الأطروحة الصهيونية التي لم يطرأ عليها أي تحول هي المعادل السياسي
والأيديولوجي والعسكري لنظرية الإبادة والمحو؟
إن ما ورد في
معجم المصطلحات الصهيونية الذي وضعه "افرايم ومناحيم تسلمي" يقدم لنا
المفتاح.. فالفلسطينيون حسب هذا المعجم هم قبائل أقامت زمناً في "أرض
إسرائيل"، وقد أطلق الأدباء الهيلانيون اسم فلتشنيا أو فلسطين عليهم.
إن نفي حق
العودة.. هو الحصيلة المنطقية لمعتقد صهيوني من هذا الطراز، لهذا،
فإن كل ما يصدر الآن من تصريحات لجنرالات وساسة في الدولة العبرية
ينبع من المربع الأول للصراع، بخلاف ما يتوهم الرغائبيون العرب الذين
يطيب لعيونهم الكليلة أن ترى في الثعبان مجرد حبل أو عصا.
|