(
6 )
مقالات
حول عملية اغتيال
الشيخ
أحمد ياسين
مؤسس حركة
المقاومة الإسلامية "حماس"
ارتفع «الرمز»
محمد فهد القحطاني
صحيفة الوطن
القطرية 29/3/2004
نعم ارتفع
«رمز» فلسطين الشيخ المجاهد أحمد ياسين ومعاذ الله أن نقول سقط،
فالشهداء لا يسقطون لا عند الله ولا عند الناس، وإنما الذي يسقط،
من يموت على فراشه، كما يموت البعير، ولقد أكرم الله الشيخ المقعد
بأشرف موتة، حيث استشهد بين مسجده وبيته بعد أداء صلاة الفجر في
جماعة، وصدق فيه قول الرسول الأعظم عندما قال عن أفضل ما يؤتيه
الله عباده الصالحين «يعقر جوادك ويهراق دمك» ولقد سال دم الشيخ
(الرمز) على أرض الرباط أرض مسرى رسول الله أرض الأنبياء وعقر جواد
«شيخ الانتفاضة وأبا المقاومة» كما سماه شيخنا الجليل العلامة
القرضاوي، ولم يكن جواد «الرمز» إلا كرسيه المتحرك الذي دوخ بني
صهيون بالكر والفر، فلله دره من شيخ ومن مجاهد ومن مقعد تحدى
الإعاقة الجسدية والإعاقة العربية السياسية والجبروت الصهيوني
الأميركي وانتصر على الجميع.
نعم ارتفع
«الرمز» وسقط النظام السياسي العربي في الوحل، هذا النظام الذي
اعتنق مبدأ السلام خياراً استراتيجياً بديل عن الحرب، حتى ضاعت
الأرض وضاع العرض وأصبحنا نرى الموت في عيون أطفال ونساء فلسطين
ولا نحرك ساكناً، حتى صرنا في عين سفاح الدولة العبرية شارون غثاء
سيل لا يعير له بالاً.
نعم ارتفع
«الرمز» وسقط كذب وخداع الإدارة الأميركية، الوسيط غير النزيه،
وغير المحايد الذي يدعي أن المحتل يدافع عن حقه الشرعي في الاحتلال
والاستيطان!! وان صاحب الأرض والعرض يجب أن يموت بدم بارد حتى لا
يكتب عند «بوش» إرهابياً.
نعم ارتفع
«الرمز» وسقط النظام العالمي الجديد الذي يعتبر كل جماعات المقاومة
الوطنية شرعية وقانونية إلا «جماعات المقاومة الفلسطينية»، فهي في
عرفه وشرعه إرهابية مجرمة لأنها تعوق وتؤخر إقامة الدولة العبرية
على أراضي الغير!! مع أن جماعات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها
«حماس» لا تقاتل في منهاتن ولا تضرب في واشنطن ولا ترفع السلاح في
نيويورك، وإنما هي تقاوم مقاومة الشرفاء على أرضها وفي عقر دارها،
ويكفي حماس فخراً أنها تقول في ميثاقها «لا تؤمن حماس بنقل ساحة
المواجهة مع الاحتلال الصهيوني من فلسطين إلى أي ساحة دولية، وليس
وارداً في خطة «حماس» العمل على ضرب المصالح والممتلكات الأجنبية
للدول»، انظر ميثاق حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، فمن الإرهابي
ومن الذي يدافع عن نفسه؟
وفي
الأخير..
ارتفع
«الرمز» شيخ المجاهدين أحمد ياسين وسقط المتخاذلون المهرولون لكل
«طاولة سلام» مزعوم يطلبون العزة عند أحفاد القردة والخنازير، ولله
العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المهرولين لا يعلمون، والسلام.
************************
جريمة شارون.. اغتيال أم انتحار؟
خيري منصور
صحيفة الوطن
القطرية 29/3/2004
عبارة
واحدة لخصت بها صحيفة «ايديعوت أحرونوت» اغتيال الشيخ أحمد ياسين،
هي أنه تسبب في حياته بقتل عدد من اليهود - لا أحد يحزر الآن كم
سيقتل بموته منهم - ! وفي اليوم التالي لصدور الصحيفة، لقي يهودي
مغربي مصرعه، وألقيت قنبلة على مركز يهودي فرنسي، وصدرت بيانات في
العالم تضم أسماء آلاف العلماء والشخصيات تدين الاغتيال، هذا
بالطبع إضافة إلى جنازات رمزية، وتظاهرات عارمة في العالم كله.
لكن هل
انتهى الأمر عند هذا الحد؟ أم أن الرد الحاسم على اغتيال الشيخ لم
يأزف موعده بعد؟ الإسرائيليون وفي مقدمتهم شمعون بيريز أحسوا بأن
اغتيال الشيخ خطأ سيدفعون ثمنه غالياً فإذا كان المقصود بهذا
الاغتيال حسب المزاعم الشارونية والليكودية هو وضع حد للمقاومة
الفلسطينية، وتحديداً لحركة حماس ذات الباع الطويل في العمليات
الاستشهادية، فإن العكس هو ما سيحدث، لأن العنف يستولد عنفاً أشد
منه في الجهة المقابلة، وباستثناء الموقف الأميركي المشين الذي
تجسد في استخدام الفيتو للدفاع عن الاغتيال الشاروني للشيخ في مجلس
الأمن، فإن التقزز من هذا الفعل، أوشك أن يتحول إلى إجماع بشري،
فالشيخ مريض ومقعد، وكرسيه المهجور الذي تناثرت أشلاؤه المعدنية
وامتزجت بأشلاء الشيخ الشهيد، وهذه عوامل إضافية للإدانة،
والاشمئزاز من ممارسة إرهابية قامت بها دولة، فما جرى هو إرهاب
دولة بامتياز!
ومن خلال
متابعة أولية لما كتب ونشر حتى الآن في "إسرائيل"، فإن الانتشار
الذي حلم به الجنرال وتوقع أن يعم المناخات السياسية وغير السياسية
في إسرائيلي تحول إلى قلق، وهلع من ردود فعل غير محسوبة، فما من
"إسرائيل" الآن لا يتحسس رأسه، سواء كان جالساً في مقهى أو في
حافلة أو محطة أو على رصيف! والبادئ أظلم في كل الحالات، بل هو
الأظلم منذ الاحتلال الأول والمستوطنة الأولى والشهيد الفلسطيني
الأول، وهذا برهان جديد يضاف إلى عشرات بل مئات البراهين السابقة
على أن أجندة شارون الدموية لا مكان للسياسة أو الحوار أو حتى الحد
الأدنى من الدبلوماسية فيها لأنه لو فكر في الجريمة التي اقترفها،
وافتخر بأنه أشرف على تنفيذها شخصيا لتردد ولو قليلاً.
ولا ندري
ما الذي خطر بباله لحظة اتخاذ القرار! هل غسل يديه تماماً من العرب
والمسلمين وأركن إلى ردود أفعال أشبه بالمبيدات الكلامية التي أصبح
يسمن بها؟ وعلى الأرجح أن ما قام به العراقيون في البصرة من
الإجهاز على أحد عشر شرطياً بريطانيا في الجنوب لم يخطر ببال
الجنرال، وأن المتظاهرين في الموصل سيضعون احتلال بلادهم في
المرتبة الثانية بعد فلسطين وشيخها الشهيد كذلك لم يكن في حسبانه،
وأن ستة وثلاثين صاروخاً سيطلقها حزب الله فور انتشار نبأ الاغتيال
كان خارج توقعاته، وما هذه كلها سوى ردود أفعال فورية وأولية، لا
بد أن ما سيعقبها لن يكون ساراً لمن شكر جنوده وأجهزة أمنه على
تنفيذ تلك الجريمة!
أكثر من
مراقب ومحلل حتى من أوروبا والولايات المتحدة قالوا أن هذه الجريمة
هي دليل عملي على إفلاس الجنرال، وإحساسه بالهزيمة، فهو إذ يتخذ
قرار الانسحاب من قطاع غزة يريد أن يستبقي لنفسه ما حرم منه
الجنرال باراك عشية انسحابه القسري من جنوب لبنان، فهو يريد أن
يحول غزة إلى خرائب وأطلال قبل الانسحاب منها، كي يصطنع لنفسه
قناعاً آخر غير الوجه الحقيقي الشاحب والمخذول، فشارون يدرك الآن
أن وعوده للإسرائيليين انتهت إلى سخرية مشوبة بالغضب منه، فالأمن
الشخصي الذي قال إنه سيحققه لكل إسرائيلي لم يتحقق حتى بالنسبة
إليه، فقبل فترة قصيرة تمت واحدة من أهم عمليات المقاومة بالقرب من
منزله في القدس، ولم يعد يشعر بأنه هدف مستحيل خصوصاً بعد أن جازف
باغتيال زعيم حركة حماس.
ما من
حماقة تتغذى بالمزيد منها كهذه الحماقة العسكرية التي اقترنت
بشارون منذ توليه أول مهمة في الجيش الإسرائيلي، فهو رغم نجاحه
الميداني في المرحلة الثانية من حرب اكتوبر أو ما يسمى ثغرة
الدفرسوار، عومل عسكرياً كأحمق ومقامر ولم يكن نجاحه النسبي قد حقق
له التبرئة من هذه التهمة من قبل الدولة العبرية ذاتها!
إن
الإسرائيليين يشعرون الآن، وبعد اغتيال الشيخ احمد ياسين بأنهم في
خطر، وأن الجنرال الأرعن فتح كيس الثعابين في غرف نومهم، لهذا لم
يصفقوا له كما اشتهى، بل ذعروا، ولاذوا بصمت يبحث عمن يترجمه، وها
هم الكتاب اليهود يقولون ترجمة هذا الصمت بما لا يروق للجنرال،
أحدهم وهو (ب ـ ميخائيل) يكتب في ايديعوت أحرونوت أن دم شارون
وموفاز ليس أكثر حمرة من دم أي مواطن آخر، ويكتب يوئيل ماركوس في
هآرتس بالقلم العريض وبعبرية فصحى أن اغتيال الشيخ ياسين كان خطأ
جسيما، وأن الأضرار التي ستعود بسببه على "إسرائيل" أكثر بأضعاف من
النفع الذي توهمه شارون، ولو شئنا سرد ما ورد في كتابات المحللين
الإسرائيليين من مختلف المنابر، لانتهينا بعد قائمة طويلة إلى أن
هؤلاء يجمعون على أن اغتيال الشيخ سيقود حتماً إلى المزيد من العنف
والقتل والدمار، ولعل ما قاله أحدهم عن محاولة شارون لإخفاء شعوره
بالإحباط والهزيمة يصلح عنواناً لأكثر ما يكتب وينشر هذه الأيام في
الميديا العبرية!
ما الإرهاب
الرسمي، أو ما يسمى إرهاب الدولة إن لم يكن هذا الاغتيال تجسيداً
له؟
وكم من
البلاغة والتجميل، وتهريب الحقائق يحتاج من يسعى إلى تبرير هذه
الجريمة؟ خصوصاً بعد أن أعلن العالم تقززه من مشهد لا يطاق ولا
يمكن لأي مجرم سادي أن يبلغه.
وأحياناً
يكون الاغتيال مقترناً بمواقف تضاعف من شجبه واستنكاره، واغتيال
الشيخ أحمد ياسين نموذج لهذا النوع من الاغتيالات، فالرجل كان
خارجاً للتو من المسجد، بعد صلاة الفجر، وهو العليل الذي اقترب من
السبعين، والذي قضى عمره في السجون والمستشفيات والنفي في عقر
وطنه، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأن هذا الاغتيال هو الوجه الآخر
للانتحار.
وكان نبوءة
رسام كاريكاتير بريطاني في الغارديان قبل أعوام تتحقق الآن، فقد
رسم بندقية ذات فوهتين متعاكستين، واحدة لاغتيال الضحية والثانية
لانتحار القاتل!
وإن لم
يسقط شارون بالمعنى المادي والعضوي للسقوط، فإن سقوطه السياسي أصبح
محتماً لأنه حسب ما يقول المخدوعون من ناخبيه المزمنين قد فتح باب
الجحيم، وورطهم في مخاوف تحول الحياة إلى كابوس طويل، وإذا كانت
القوة تصيب جنرالاً غير متوازن مثل شارون بالعمى السياسي والأمني،
فإنها أيضاً تحرمه من توقع موقف شعبي رمزي كالذي قدمه أهالي غزة في
اليوم التالي لاستشهاد الشيخ، فقد أطلقوا اسم أحمد ياسين على كل
المواليد في ذلك النهار الحزين، وبهذا المعنى فإن الشجرة تتحول إلى
غابة لحظة اقتطاعها، أو تفجير جذعها، لأن الجذور ضاربة في عمق
الذاكرة والتراب والثقافة والعقيدة.
ولعل
السؤال الذي بدأنا به نقلاً عن ايديعوت أحرونوت، وهو كم سيقتل
الشيخ ياسين بموته؟ يجب أن يتوجه أولاً إلى الإسرائيليين الذين
خدعوا مراراً، ولدغوا من الجحر الليكودي ذاته، ولم يتلقحوا،
فالجنرال الذي يحلم بريادة ثانية للصهيونية، ويعيد مفهوم وأدبيات
الدولة إلى «الحركة» أو المنظمة السرية، يلحق من الأضرار ما لا
يمكن إحصاؤه بـ"إسرائيل" التي يزعم بأنه يحاول تأمينها ضد العنف،
فلا جداره الواقي، أو العرقي ولا اجتياحاته المتكررة بدءاً من قبية
مروراً ببيروت وليس انتهاء برام الله وجنين أدت إلى حصيلة يمكن
الاركان عليها، فهو محكوم على ما يبدو بما يسمى كوميديا الأخطاء،
إذ ما من خطوة إلى الوراء أو إلى الأمام إلا وتتحول على الفور إلى
خطأ آخر، وما من خطأ أيضاً إلا ويتسع ويتعمق حتى يصبح خطيئة.
وهذا هو
قدر القرصان عندما يتصور أنه امتلك البحار كلها، وأن الجزر والشطآن
والثغور كلها مجرد محطات لاستراحته، وأنه لأمر مثير بالفعل، أن
يتغذى جنرال من كل هذه المبيدات السياسية، وهذا الهجاء الكوني، فهو
إضافة إلى ما يسمى «التمسحة» وتكثيف القشور، وإغلاق الأذنين، يفتعل
مواقف ذات صفة استعراضية، كالإفراط في استخدام القوة بلا أسباب
مقنعة حتى لجنوده، أو اقتراف جرائم يتردد أسوأ المرضى والشواذ
والساديين قبل اقترافها، لأنهم يفكرون على الأقل بما قد يعقبها من
ردود أفعال، ولديهم حاسوب لقياس الربح والخسارة من مغامرة ما!
لقد اغتال
شارون يهوداً كثيرين باغتيال الشيخ ياسين، وهو قبل سواه مسؤول عن
كل قطرة دم إسرائيلية، وليس الطرف الآخر المعتدى عليه والمطارد،
والمدرج على قائمة الموتى والشهداء، أما القرائن التي تجزم ولا تشي
فقط بأن اغتيال الشيخ ياسين لن يكون مجرد حدث جسيم، فهي عديدة، وها
هو المناخ الدولي باستثناء بعض المواقف الرسمية كالموقف الأميركي،
وما أعلنته كوندوليزا رايس، أصبح مشحوناً بالإدانة لإسرائيل، وقد
يكون أقرب إلى تفهم المقاومة الفلسطينية من أي وقت مضى لأن ما أدت
إليه أحداث 11 سبتمبر 2001 من مزج حابل المقاومة المشروعة بنابل
الإرهاب المجاني، أصبح قابلاً اليوم للفرز وإعادة النظر.
ومن
المعروف أن شارون امتطى تلك الأحداث بل امتطى ضحاياها في نيويورك،
ليحول الضارة إلى نافعة، أو مصائب أميركا إلى فوائد له، لهذا سارع
إلى التطوع في حرب الإرهاب، وله بالطبع مآرب أخرى في مقدمتها
العثور على ذريعة، تتيح له التنكيل بالفلسطينيين وتصفية قياداتهم
وكوادرهم!
وإذا كان
البعض يرون الآن، أن انتفاضة ثالثة قد بدأت تطرق أبواب "إسرائيل"
بقوة، فإن منتج الانتفاضات المتعاقبة على اختلاف أسمائها هو شارون
ذاته فالشعب المغدور، والمطارد، والمحروم من أدنى حقوق الإنسان في
الحرية والوطن، سيرد على تحيات الجنرالات بأحسن منها، خصوصاً إذا
كانت هذه التحيات بالأباتشي والصواريخ واغتيال الشيوخ والأطفال؟
************************
"ذلكَ ما كنَّا نَبْغِ"!
د. محمد سليم العوا
صحيفة الاتحاد
الإماراتية 29/3/2004
الشهادة في
سبيل الله هي الأمنية الكبرى التي كان الشيخ أحمد ياسين يتمناها
لنفسه. وحياته الزاهدة المتقشفة أكبر دليل على ذلك، وقول ابنته
مريم في حوارها مع موقع "إسلام أون لاين" يوم الخميس 25/3/2004
شهادة حية على هذا الزهد، قالت:"إن الشيخ كان يعيش في بيت متواضع
جداً، يتكون من 3 غرف، وفي البيت شبابيك كتير (تعبانة!). أبي كان
لا يحب الدنيا، كان يحب بيوت الآخرة، عرض عليه كثيراً أن يكون له
بيت مثل بيوت الرؤساء. عرض عليه من السلطة بيت ضخم في أرقى أحياء
غزة، ولكنه رفض العرض لأنه يريد الآخرة ولا يهتم بهذه الشكليات
الدنيوية". ووصفت البيت بأن "مساحته ضيقة. لا يوجد فيه بلاط.
المطبخ متهتك جداً. في الشتاء بارد جداً. والصيف حار جداً. لكنه لم
يفكر مطلقاً في تجديد البيت لأنه كان مشغولاً في تجهيز بيته في
الآخرة".
كان هم
أحمد ياسين الوحيد هو مقاومة العدو الصهيوني. واستطاع من موقعه
المتميز بعدم القدرة على الحركة وحيداً - منذ كانت سنه 14 سنة- أن
يحرّك شعبه كله، والشعوب العربية والإسلامية معه، وأن يحرك العدو
الصهيوني بكل آلات حربه الجبارة وكل الدعم الأميركي الظالم له.
حرَّك شعبه وشعوب العروبة والإسلام لتعلم أن العجز ليس قدراً
محتوماً على أحد. وإذا كان الفرد الواحد قادراً على هزيمة عجزه،
فإن الأمة أقدر على ذلك من كل فرد وحيد أعزل!
وحرّك
العدو الصهيوني حتى جعل همَّ حكومته وجيشه وأجهزة أمنه أن تنال
منه، في غدوة أو روحة إذ رأته أهم أعدائها وأخطرهم عليها وهو، لا
سلاح له إلا سلاح الكلمة الصادقة المخلصة يحرك بها آلاف المجاهدين
وملايين المحبين من أقصى الأرض إلى أقصاها. وحرَّك الأميركيين
الذين يقفون، بكل ما ملَّكهم الله من زينة الأرض وزخرفها، وراء
الصهاينة الإسرائيليين، فكشف كذبهم وهوانهم على أنفسهم وتفاهة ما
يدعونه من مبادئ عندما لم يجرؤوا على إدانة اغتياله وهو أعزل خارج
من صلاة لا يصحبه إلا ولداه (اللذان أصيبا معه) وثلة من محبيه
المؤمنين، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
وهكذا كشف
أحمد ياسين حياً العجز العربي الرسمي، والقوة العربية الشعبية(!)
وكشف شهيداً حقيقة الانهزام الإسرائيلي أمام المقاومة الفلسطينية
الصامدة، وحقيقة التواطؤ الأميركي الذي حول الولايات المتحدة إلى
شيطان أخرس!
استشهد
أحمد ياسين بعد صلاة الفجر، على إثر اعتكافه الليلة السابقة في
المسجد، وأصبح صائماً، فلقي الله على أحسن حال يتمنى المؤمن أن
يلقى الله عليها، بريء الذمة من الفرائض، راجياً ثواب الاعتكاف،
صائماً لله تعالى ليفطر عنده على موائد الملائكة المقربين الذين
يستقبلون الشهيد مع النبيين والصديقين والصالحين، ومن أحسن من
هؤلاء رفيقاً؟
استشهد
أحمد ياسين في الوقت الذي استشهد فيه أميرا المؤمنين عمر بن الخطاب
وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقد طعن عُمَر وهو في صلاة الفجر
الطعنة التي أودت بحياته، وضرب عليٌّ وهو في طريقه من بيته إلى
المسجد ليصلي الفجر، وهو ينادي الناس -كما كان يفعل دائماً- "أيها
الناس: الصلاة، الصلاة"!
ولما بكت
ابنته أم كلثوم قال لها اسكتي(!) فلو ترين ما أرى لما بكيت. قالت
يا أمير المؤمنين، ماذا ترى؟ قال: "هذه الملائكة وفود، والنبيون،
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول لي: يا علي، أبْشِر، فما تصير
إليه خيرٌ مما أنت فيه"! وهو مصداق الحديث النبوي: أنه ما من أحد
يموت فيتمنى أن يرجع إلى الأرض ثم يموت ثانيةً، إلا الشهيد،
لعِظَمِ ما يرى من الكرامة. استشهد أحمد ياسين فوحَّد دمه الطاهر
المقاومة الفلسطينية كلها على العدو والمرابطة في مواجهة العدو
الصهيوني الغاصب حتى يندحر ويهزم بإذن الله.
استشهد
أحمد ياسين فلم ينل غيابه من قدرة حماس ولا قوتها، بل زادها وحدة
وتماسكاً، ولم تمض ساعات حتى كانت القيادة الجديدة قد تولت زمام
الأمور وكأن شيئاً لم يكن، فهؤلاء الذين رباهم أحمد ياسين ليسوا
طلاب زعامة ولا متكالبين على مناصب، لكنهم طلاب شهادة وحملة رسالة
أسمى أمانيهم أن يموتوا في سبيلها وأسعد أحوالهم أن يكونوا جنوداً
في صفوف العاملين لأجل نصرتها. والذين يعرفون حقيقة حماس -وقليل ما
هم- يعرفون أنها لا يديرها عقل فرد ولا رأي قائد واحد، وإنما هي
جماعة مؤسسات لكل منها نظامها المحكم في مرونة تجعله قابلاً
لمواجهة أقسى الظروف وأشق المواقف. وهي ليست مؤسسة لأعضائها فقط،
وإنما هي مؤسسة يقف وراءها من الشعب الفلسطيني قوة هائلة من مختلف
توجهاته وفئاته، تقف وراءها وتقف وراء قوى المقاومة كافة، جميع
القلوب والعقول التي تعرف أن هذا العدو الصهيوني لا يفهم إلا اللغة
التي يحسنها: لغة القوة المزلزلة والألم المستمر، يريد أن يلحقه
بالشعب الفلسطيني فإذا ألحقته المقاومة به هو عرف أثره وأدرك
خطورته وتلفت حوله بحثاً عن مخرج. وليس أدل على الشعور بالضعف في
مواجهة المقاومة الفلسطينية من اغتيال الصهاينة للشيخ أحمد ياسين،
ومن الصمت الأميركي المخزي إزاء هذه الجريمة ومن التآمر في مجلس
الأمن، والتهديد "بالفيتو" لئلا يصدر قرار يدين ارتكابها!
واستشهد
أحمد ياسين وقد ترك رسالة مكتوبة إلى القمة العربية التي ألغت
اجتماعها في العاصمة التونسية. كان ينوي أن يسجل هذه الرسالة بصوته
وصورته ويرسل شريطها إلى الملوك والرؤساء العرب، لكن الانتقال إلى
ما هو خير وأبقى جاءه في وقته فأعجله عن أن يفعل. ومع ذلك فإن النص
الذي نشر لهذه الرسالة - الوصية، سيبقى حجة عليهم حتى لو لم
يجتمعوا، وهو حجة على الذين ذهبوا إلى تونس وعلى الذين لم يذهبوا.
سيقال لهم، ولكل واحد منهم، يوم القيامة: ماذا فعلتم في وصية الشيخ
الشهيد؟
- هل
أوقفتم التطبيع مع العدو الصهيوني بجميع أشكاله؟
- هل
أغلقتم سفاراته وقنصلياته ومكاتبه التجارية وكل صور الاتصال معه؟
- هل
أعلنتم موقفكم -الواجب أن تتخذوه وتعلنوه- من الجهاد لتحرير فلسطين
وأنه حق مشروع لشعبها وفرض عين على كل مسلم حتى تتحرر أرضها؟
- هل
أبديتم تأييداً للشعب الفلسطيني الذي يخوض ببطولة فائـقة مـعركة
غير متكافئة –مادياً- ومفروضة عليه فرضاً، ولو كان ذلك التأييد
معنوياً؟
- هل قدمتم
يد العون الاقتصادي للشعب الذي حال العدو الباطش بينه وبين كل
وسائل الكسب والعيش؟
- هل وظفتم
الطاقات الهائلة التي تسيطرون عليها لخدمة قضية وطن سليب وشعب يباد
وحرمات تنتهك ومقدسات هي قيد الهدم أو قاب قوسين منه؟
وكل هؤلاء
الملوك والرؤساء والزعماء... إلخ مطالبون، واحداً واحداً، بأن
يعدوا الجواب لهذه الأسئلة - ونظائرها - بين يدي الله تعالى،
فإنهم، كلهم، آتيه يوم القيامة فرداً(!)
************************
كابوس الرعب الصهيوني من ثأر الشيخ القادم
ناصـر الفضـالة
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 29/3/2004
إن دولة
الصهاينة قد طغت واستكبرت في الأرض بغير الحق، وأمست تقترف الجرائم
البشعة في كل صباح ومساء، تعيث في الأرض فساداً، وتهلك الحرث
والنسل، تسفك الدماء، وتقتل الأبرياء، وتغتال الرموز الأوفياء،
وتذبح الأطفال والنساء، وتدمر المنازل، وتجرّف المزارع، وتقتلع
الأشجار، وتنتزع الأرض من أصحابها بالحديد والنار، وتقيم الجدار
العازل على الأرض الفلسطينية عنوة، جهاراً نهاراً، وقد توجت
جرائمها المستمرة بهذه الجريمة النكراء، اغتيال الشيخ الرمز،
القعيد المتطهر المصلي بتخطيط وإشراف من المجرم شارون فهي تجسد
إرهاب الدولة بأقبح صوره..
وهذا نذير
ببداية النهاية للطغاة، فإنّ ساعتهم قد اقتربت، فإنّ الطغيان إذا
تفاقم، والظلم إذا تعاظم: يسوق أصحابه إلى الهلاك وهم لا يشعرون..
(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين
ظلموا والحمد لله رب العالمين).
إن استشهاد
الشيخ أحمد ياسين لن يضعف المقاومة، ولن يطفئ شعلتها، كما يتوهم
شارون وعصابته في دولة الكيان الصهيوني، بل سيرون بأعينهم: أنّ
النار ستزداد اشتعالاً، وأنّ أحمد ياسين ترك وراءه رجالاً، وأنّ كل
الفصائل ستثأر، وكلها توعدت "إسرائيل": كتائب القسام، وسرايا
القدس، وكتائب شهداء الأقصى، وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى، ومناضلو
الجبهة الشعبية، وكل أبناء فلسطين: وحدتهم المحنة، ووقفوا صفاً
واحداً ضد المجرمين السفاحين.
إنّ دم
الشيخ ياسين لن يذهب هدراً، بل سيكون ناراً ولعنة على الصهاينة،
وحلفاءهم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). وهاهم الصهاينة
يثبتون من جديد أنهم أجبن الخلق في تحمل تبعات إجرامهم، فبعد ما
اقترفوه بحق شيخ المجاهدين الأعزل من بشاعة القتل والتنكيل تملكهم
الرعب جميعاً وصار حالهم من الخوف والهلع جليا للعيان.. وأصبحوا ما
بين وزراء محاطون بترسانة من الحراسات، وإغلاق لبعض مدارج الطيران
في المطارات؛ خوفاً من إسقاط طائرة، وأسواق ومقاه مُقفرة، وحوانيت
تنتظر المشترين، وحافلات فارغة.. كل زاوية من كيانهم تحولت بعد
اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين إلى ما يشبه القلاع يتحصنون فيها
خوفاً من «كابوس» الرد الفلسطيني القادم لا محالة. كما أعلنت حالة
التأهب القصوى لدى قوات أمنهم بهدف حماية المسؤلين الصهاينة
فالوزراء ونواب الكنيست تمت أحاطتهم بحراسة مشددة، تتكون من «13»
حارساً.. كما بعث «إسحاق شدار» أحد ضباط أمن الكنيست رسالة إلى
النواب، طالبهم فيها بالتبليغ عن كل سفرة إلى الخارج، سواء كانت في
مهمة عامة أو خاصة؛ «منعاً لإمكانية تعرضهم للاختطاف أو الاعتداء
في دول معادية»، على حد قوله.. ولم تكتف هذه الشخصيات بالحراسة
التي توفرها لهم الحكومة، بل جند كل منهم طاقم حراسة إضافي..
وتوالت
الإنذارات للمخابرات الصهيونية حتى بلغت (50) تنذر جميعها بوقوع
عمليات داخل الأراضي المحتلة منذ عملية الاغتيال الآثمة. كما شاركت
عصابة «بوش الصغير» الصهاينة حالة الرعب التي يعيشونها من الانتقام
«القسامي» المنتظر فقد وجهت السفارة الأمريكية في الكيان الصهيوني
دعوة إلى كل مواطنيها بعدم زيارة الأراضي المحتلة في هذه الفترة..
أما الأمريكيون المتواجدون داخل الكيان الغاصب فقد دعتهم السفارة
إلى عدم الاقتراب من الأماكن التي تعج بالناس، وتجنب التوجه إلى
غزة أو الضفة الغربية. لا يختلف الحال في الأسواق أو في حافلات
النقل العامة، فقد أصبحت الحوانيت تنتظر وصول المشترين بعدما كانت
تعج بالكثير منهم.. وكذلك الملاهي والمراقص والمقاهي..تشير صحيفة
«يديعوت احرونوت» إلى أن سوق «محنية يهودا» في القدس المحتلة بدا
فارغاً وبائساً ينتظر هذه المرة العملية التي قد تقع، مشيرة إلى أن
«العشرات وربما المئات من الجنود والشرطة المسلحين يتجولون بين
المتاجر متأهبين لأشد الأمور». بائع يقول: «يوجد إحساس فظيع بالخوف
والفزع، الزبائن يحضرون بشكل سريع، ويشترون حاجاتهم ويهربون من هنا
بسرعة».. بائع آخر قام بتعليق رزمة من الثوم وكتب عليها عبارة «ضد
حماس»، مبرراً ذلك بأنها قد تبعد البلاء عنه!.. سائق حافلة من
القدس قال: «ألقي نظرة فاحصة نحو كل مسافر يصعد إلى الحافلة خشية
أن يكون المنفذ «لعملية استشهادية»، مشيراً إلى أن «كل الركاب
يصعدون وهم واثقون أنهم ربما يكونون هم الضحية القادمة».
هذا هو
شانهم دوماً يقتلون ويبطشون ثم.. يفرون خلف جدرانهم المشيدة آملين
في الأمان ولكن هيهات.. هيهات.. فالثأر لا محالة واقع بهم فالشيخ
من ورائه أسود تعلموا بعزة المقاومة وقوة العزيمة أن يحفظوا دماء
قائد المسيرة، ويفتدوها بالمهج.. ولن تكون دماؤه الطاهرة رخيصة عند
من يرخصون من أجلها أرواحهم فقد علمهم قبل الرحيل أن الشهادة غاية
المنى.. فليمت بني صهيون في اليوم ألف مرة.. قبل أن يأتي القصاص.
************************
لقد انتصر دم أحمد ياسين على جلاديه
بقلم: علي عقلة عرسان*
صحيفة البيان
الإماراتية 29/3/2004
استخدمت
الولايات المتحدة الأميركية يوم الخميس 25 مارس 2004 حق النقض
الفيتو ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يدين العملية الإجرامية التي
قام بها الكيان الصهيوني فجر يوم الاثنين 22 مارس 2004 في غزة
باغتيال الشيخ أحمد إسماعيل ياسين مؤسس حركة حماس وقائدها الروحي
وتسعة آخرين معه وهم خارجون من المسجد بعد أدائه صلاة الصبح.
وكانت
الدولة الأبرز التي رفضت إدانة العملية وذهبت إلى تأييدها حيث قال
الناطق باسمها: «"إسرئيل" دولة ذات سيادة ونحن نعترف بأن عليها أن
تتخذ خطوات للدفاع عن نفسها.» بينما وصف حليفها التقليدي البريطاني
العمل بأنه: «عمل غير قانوني وغير مبرر وغير عادل».
كان نص
مشروع القرار الذي قدمته الجزائر باسم المجموعة العربية، متوازناً
إلى حد كبير مراعاة لما تطلبه الولايات المتحدة عادة، ومنسجماً إلى
حد كبير أيضاً مع موقف الاتحاد الأوربي الذي أدان تلك الجريمة
البشعة، وقد أيدت المشروع إحدى عشرة دولة عضو في مجلس الأمن الدولي
الذي وصفه (دان جيلرمان) سفير الكيان الصهيوني لديه «بالنفاق»؟!
وامتنعت ثلاث دول عن التصويت هي: بريطانيا وألمانيا ورومانيا.
وليس
المستغرب أو المستهجن هنا أن تستخدم الولايات المتحدة الأميركية حق
النقض لحماية الكيان الإرهابي الصهيوني من الإدانة، فذاك هو نهجها
المستمر وموقفها الثابت عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين والعرب من
جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، وقد استخدمت الفيتو حوالي 39
مرة في هذا المجال.
لقد اغتال
الكيان الصهيوني الشيخ أحمد ياسين، وصنف عمله الإجرامي ذاك تحت
لائحة محاربة الإرهاب، فالشيخ ياسين بنظر الناطق الرسمي الأميركي:
«كان زعيماً لتنظيم إرهابي» وبنظر الصهاينة والمتصهينين ومن تؤثر
الحركة الصهيونية عليهم هو « بن لادن فلسطين»، ويقود حركة مصنفة
أوروبياً تحت الضغط الأميركي الصهيوني: «حركة إرهابية»؟! ولا عجب
فكل من يقاوم الاحتلال الأميركي الصهيوني هو إرهابي ومارق وخارج
على القانون ومستباح دمه ويستحق الموت وفق تلك الشريعة المقيتة؟!
اغتال
الكيان الصهيوني الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة «حماس» التي انطلقت مع
بداية الانتفاضة الأولى في التاسع من ديسمبر سنة 1987، وخميني
فلسطين كما سماه الصهاينة في محاكمتهم الأولى له عام 1983 بعد أن
أسس «حركة المجاهدين» التي دعت إلى «مقاومة الاحتلال حتى زواله عن
كامل التراب الفلسطيني».. اغتالته بجبن وخسة لا نظير لهما، وسبّح
بوش وإدارته بحمد شارون الذي أنجز بحملته الإرهابية تلك ما لم
ينجزه بوش بحملته الأوسع منذ سنتين ونيّف..
وبوش من
قبل هذه العملية البشعة وغيرها من جرائم شارون يرى فيه «رجل سلام»،
وأنموذجاً يحتذى به، ونبياً من أنبياء (بني إسرائيل).. وهو يؤمن
بالأساطير الكثيرة حول (بني إسرائيل) ويتبع أنبياءهم ويعمل من
أجلهم وفق اعتقاده الذي يأخذه إلى دوائر شتى من الهوس والفعل الذي
استحق عليه قول بعض الزعماء الاستراليين الذين غرر بهم إنه أفشل
رئيس عرفته الولايات المتحدة الأميركية!؟
لم يقم
شارون وحده باتخاذ قرار بهذا الحجم من الغباء والدموية
والاستفزاز.. فليس هو الذي انفرد بالقرار وأشرف على تنفيذه وهنأ
الذين شاركوه في التنفيذ على نجاحهم في اغتيال شيخ مسن مقعد على
كرسي أمام مسجد في غزة.. بل أيده 61% ممن استطلعت آراؤهم حول هذا
الاغتيال البشع من الصهاينة في فلسطين المحتلة هم شركاء له.
ومعنى هذا
أن هذا الخليط العجيب من المحتلين هو من الإرهابيين العتاة الذين
يقرون جرائم من هذا النوع ويعملون على تنفيذها في إطار مسلسل إبادة
مستمر ضد شعب بكامله.. وهذه نقطة التقاء إضافية ليس بين شارون وبوش
الذي يؤيده ويُعجَب به فقط بل بين الصهاينة العنصريين ومن يسميهم
الأميركيون الآباء المؤسسين للدولة الذين أبادوا الهنود الحمر
وحضارتهم قبل ثلاثمئة سنة تقريباً؟!
العنصرية،
والاعتقاد النابع من تلمودية مقيتة وتوراتية مشبعة بفوقية «شعب
الله المختار»؟!، والغطرسة اللامتناهية، والاستخدام البشع للقوة،
والنظر إلى الآخر على أنه الشرير..إلخ كل ذلك أسس لهذا النوع من
السياسة التي تقوم على العدوان وتشويه صورة الآخر وأخذ القانون
باليد والتدخل الفج.. بل الوقح في شؤون الآخرين وإطلاق الأحكام
السلبية عليهم واتهامهم بأشنع التهم مثلما فعل الرئيس السابق
للكنائس الإنجيلية في العالم كيري يوم الخميس 25 مارس الجاري حين
اتهم الثقافة السياسية للإسلام والمسلمين بأنها شريرة؟! من دون أن
يفكر مجرد تفكير في فهم الآخر واحترام عقيدة سماوية يدين بها أكثر
من سدس العالم، ومن دون أن يتبصر في حقائق ثابتة هي أن دولته مركز
الخطر الداهم الذي يقلق الشعوب والحضارات والثقافات والديانات؟!
إن شارون
وبوش وتشيني ورامسفيلد وولفويتز وريتشارد بيرل وإليوت إبراهام
وأليوت اغيل من جهة ونظراءهم من حاييم وايزمن وبيغن حتى شامير
وغولدشتاين وكاهانا وشارون من طينة عنصرية واحدة وأتباع عقيدة
استعلائية واحدة تعلمهم الإجرام واتهام الآخرين به. وعلينا أن ندرك
ذلك جيداً ونتعامل معه بواقعية واقتدار على أساس ثوابته ونظرته
الاستعلائية الاستعمارية التلمودية وليس على أساس تسامحنا وأوهامنا
وما يلقنه لبعضنا من أكاذيب.
لقد أقام
الكيان الصهيوني ورموزه العسكرية والمدنية حساباتهم عند القيام
بتلك الجريمة البشعة على أساس أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين سيلحق
بحماس ضربة قاصمة ويكسر ظهرها تماماً ويبددها في غزة وخارجها،
فيخرج هو من غزة منتصراً وقد دمرها تنظيمياً وروحياً، ويؤسس لحرب
أهلية فلسطينية ـ فلسطينية يؤجج نارها «التسابق» على من يحكم غزة
ومن يقود حماس، ويقضي على نظرية أن تصبح غزة بعد هزيمته فيها
واضطراره للانسحاب منها: «أرض حماس: حماس لاند» تنطلق منها عمليات
تحرير ضده.. وأنه يمكن أن يجتث باغتيال قائد حماس الروحي روح
الحركة ذاته..إلخ ولكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً.. فحماس
تجاوزت المحنة رغم ثقلها الكبير، وانتخبت خليفة للشهيد أحمد ياسين
هو المجاهد عبد العزيز الرنتيسي من دون ارتباك أو خلاف أو تطاحن..
على الرغم
من أن رجال حماس يتطاحنون على الشهادة في سبيل الله والقضية،
والزعيم فيها يحتل موقعاً متقدماً على طريق تلك الشهادة، والجناح
العسكري لحماس لم يتزلزل بل يعد برد يزلزل المعتدين.
لقد تجاوزت
حماس المحنة الامتحان، ونادت كما نادت الفصائل الفلسطينية المقاومة
والسلطة بوحدة الصف الفلسطيني، والتمسك بالمقاومة بوصفها خيار
الشعب الفلسطيني ووسيلته للدفاع عن نفسه والتصدي للاحتلال والوصول
إلى التحرير والحرية والدولة المستقلة..
وأصبح دم
الشهيد أحمد ياسين رايات في معظم العواصم والمدن العربية
والإسلامية يسير الناس تحتها يؤيدون المقاومة وينادون بالثأر،
وتمكن الشيخ أحمد ياسين باستشهاده من تحقيق إجماع عربي وإسلامي حول
حماس والمقاومة وتحرير كامل التراب الفلسطيني أكبر من ذلك الذي
حققه في حياته. وسيبقى الشهيد يعطي المقاومة دفعاً إلى الأمام في
طريق الجهاد والاستشهاد والتحرير.
لقد هز ذلك
الحدث دولاً عربية وأعاد طرح سؤال القضية عليها من منطلق المسؤولية
القومية من جهة وأبعاد الاستهداف الصهيوني المستمر ضد الشعب
والمقدسات والحقوق من جهة أخرى.
واستطاع
شارون بأفعاله الإجرامية أن يكشف الغطاء عن أعين بعض الرؤساء العرب
ليروا أخيراً «أن الدولة العبرية «منظمة إرهابية»، وهذا يفيد إذا
ما أصبح يقيناً أن الكيان الصهيوني ليس دولة تستحق توقيع اتفاقيات
دولية محترمة معها، وأن الشعب العربي لن يغفر لحكامه السكوت على
سفك الدم الفلسطيني وإبقائه مباحاً مستباحاً، وأن ذلك الشعب في
الأقطار كلها يتعلق بقضية فلسطين بوصفها قضية عربية وإسلامية
وعادلة وإنسانية قبل كل شيء.
ويحق لنا
أن نسأل بعد جريمة الاغتيال، والتوعد الصهيوني باغتيال ثمانين من
قيادات حماس والفصائل الفلسطينية المقاومة الأخرى وحزب الله، وبعد
حركة الشارع العربي، والإدانة شبه التامة ومنها إدانة لجنة الأمم
المتحدة لحقوق الإنسان للعملية «الإسرائيلية»، وبعد الفيتو
الأميركي في مجلس الأمن، وتأييد 61% من اليهود المستطلعة آراؤهم
للجريمة: من الذي حقق نقاطاً أكثر لمصلحته في هذه العملية شارون
الجلاد أم أحمد ياسين الشهيد الضحية؟
ما أذهب
إليه في التماس جواب على هذا السؤال هو أن كلاً منهما حقق أهدافاً
كثيرة ولكن في منحيين متضادين:
ـ شارون
استعلى وعلا في سلم الإجرام، وحصل على موقع متميز في الإرهاب هو
ودولته، وكشف أمام العالم الذي أدانه وأدان كيانه الإرهابي المحتل
صفحة طالما عُتِّم عليها في الطبيعة العنصرية للصهيونية هي الإرهاب
والجريمة المنظمة.. وشارون يتقدم بسرعة أكبر، من خلال الإصرار على
الاستمرار في الإرهاب والاغتيال والتدمير، على طريق كشف الجوهر
الشرير للكيان الصهيوني أمام العالم كله.. بعد أن كشف ذلك الجوهر
لكثير من العرب والمسلمين منذ بدأت قضية فلسطين بكم المذابح
والجرائم التي ارتكبها هو وأمثاله.
ـ أما
الشهيد أحمد ياسين فقد سما في تعاليه عن الإجرام والإرهاب لأنه كان
يجاهد ويقاوم دفاعاً عن النفس والوطن والمقدسات ضد الاحتلال
والعدوان والإجرام والإرهاب المتمثل كله في الحركة الصهيونية
وممارساتها العنصرية اليومية في فلسطين. كان يقف بوجه الاحتلال
الذي ينظم برنامج إبادة لشعبه ولإرادة ذلك الشعب، والاحتلال أفظع
أنواع الإرهاب، وكشف عن عدالة قضية شعبه وعن حقيقة عدوه، وعن تخاذل
بعض قيادات أمته، فحشد الناس حول حركته وقضية شعبه ونضال أمته.
وكشف
عالماً من الزيف والغطرسة، والعدوان والانحياز المقيت ضد العرب
والمسلمين عامة وضد الشعب الفلسطيني ومقاومته خاصة مثلته الولايات
المتحدة الأميركية بشكل خاص.. فالفيتو الأميركي يدين من استخدمه
أخلاقياً أكثر مما يحمي من استُخدِم لحمايته من عدالة المجتمع
الدولي.
لقد انتصر
ياسين وانحسر شارون.. كبر الأول وصغُر الثاني، تعملق شارون في عالم
الجريمة، واستحق لقب الإرهابي الأول في العالم بجدارة لا تضاهى،
واستحق كيانه الصفة التي قام على أساسها أصلاً: « عصابة إرهابية..
» رغم عضوية « الدولة» في الأسرة الدولية وشمخ ياسين في ثوب دمه
البريء..
دم الشهيد
المجاهد.. دم المقاتل من أجل الحرية والاستقلال وإجلاء الاحتلال
البغيض عن وطنه التاريخي، والوقوف بوجه العنصرية.. التخلف التي
تقتل شعبه وحقه في الحياة. واستحق الشعب الفلسطيني وقضيته التي قضى
الشهيد أحمد ياسين وألوف الشهداء من الفلسطينيين والعرب على
طريقها..
استحق وقوف
شعوب العالم وشرفائه إلى جانبه، عدا المرتبطين بالجريمة أو
الخائفين من المجرم والمشوِّهين للحقائق وخدم العنصرية
والإمبريالية الذين لا يحتاج إليهم، وستذكرهم الإنسانية مقترنين
بالخزي والعار.
لم يستخدم
أحد الفيتو لحماية أحمد ياسين «الضحية» من جلاديه، ولكن أكبر دولة
في العالم استخدمت ذلك «الحق» لتحمي الجلاد من حكم العالم عليه
وعلى جريمته بسبب ما ارتكبه بحق الضحية والعدالة والإنسانية.
لقد نصر دم
أحمد ياسين الحقَّ والعدل والحرية والاستقلال، وكشف العنصرية
والطغيان والدول الإرهابية وتلك التي ترعى الإرهاب وتسانده بكل
الوسائل.. وهذا يكفي من بعض الوجوه.. ولكن دم الشهيد أحمد ياسين
أضاف على ذلك أنه ما زال يدفع المقاومة الفلسطينية والدول العربية
والإسلامية وشعوبها وشرفاء العالم كله إلى التفكير بكيفية امتلاك
القوة لتحمي نفسها من إرهاب الدولتين: الصهيونية والأميركية.
لقد انتصر
دم أحمد ياسين على جلاديه، وسوف ينتصر الحق وتتحرر فلسطين من قبضة
الإرهابيين والمجرمين وقطاع الطرق.. مهما امتد الزمن، وارتفع
الثمن، وكثرت التضحيات، واشتدت الأزمات والمحن.. فلا بديل للحرية
ولا غنى لأحد عنها، ولا يوجد ما يعوض كرامة الشعوب والشهداء سوى
الاستقلال ورفع راية الحرية والعدالة فوق كل أرض وتحت كل سماء.
رحم الله
الشهيد أحمد إسماعيل ياسين وأحسن إليه.
* رئيس اتحاد الكتاب
والأدباء العرب
************************
اغتيال الشيخ.. والموقف الأمريكي الغريب!
عبدالله علي العليان
صحيفة الخليج
الإماراتية 29/3/2004
جاء اغتيال
الشيخ أحمد ياسين من قبل الاحتلال "الإسرائيلي" وبإشراف الإرهابي
أرييل شارون ليؤكد من جديد أن الإرهاب "الإسرائيلي" يفوق كل
التوقعات في طغيانه واستهتاره بكل القوانين والشرائع الدولية
المتعارف عليها.
لكن الأغرب
أن الولايات المتحدة التي تدعّي أنها ضد الإرهاب أياً كان نوعه
وجنسه، وقفت مع الإرهاب الشاروني عندما استخدمت حق النقض "الفيتو"
ضد القرار الأممي الذي تقدمت به المجموعة العربية لإدانة اغتيال
الشيخ ياسين. والحقيقة أن هذا الموقف يجعل من محاربة الإرهاب والحد
من طغيانه مسألة غير جادة، إذ كيف تطالب الولايات المتحدة العالم
بأن يقف معها ضد الإرهاب، وهي تساند وتشجع إرهاب شارون وقادة
الكيان؟
فهذا
الإرهاب "الإسرائيلي" الذي تسانده الولايات المتحدة ضد الشعب
العربي الفلسطيني الذي يتعرض يومياً للظلم والإبادة والتنكيل
المستمر يزيد من الاحتقان السياسي، وينهي كل المحاولات الجادة
لإرساء السلام العادل إن صحت مقولات عملية السلام لكن الفيتو
الأمريكي ضد إدانة اغتيال الشيخ المقعد يخلط الأوراق، ويجعلها أكثر
خطراً واضطراباً على كل المستويات. والإشكالية أن مصطلح الإرهاب
يستخدم أحياناً بطريقة انتقائية ويلصق أحياناً بأعمال لا تندرج ضمن
مفهوم التعريف المشار إليه آنفاً، وهذه مسألة تثير الارتياب في
تعريفات بعض الدول للإرهاب ومنها الولايات المتحدة على وجه
التحديد.
ولا شك في
أن العمل الإرهابي في بعض أهدافه يستهدف عادة تحقيق غايات سياسية
أو اقتصادية أو اجتماعية، وهو في ذلك يوجه إما إلى أشخاص أو إلى
ممتلكات خاصة أو عامة. والإرهاب كما انه عمل فردي يقوم به شخص أو
مجموعة من الأشخاص، فإنه قد يكون سلوكاً حكومياً وهو ما يسمى إرهاب
دولة، بل وقد يجد أسسه ومبرراته القانونية في قوانين الدولة
الداخلية. في هذا الإطار وبعد قيام الثورة الفرنسية في 1789، وجد
الثوار أنه ليس هناك من بد من تبني الإرهاب كوسيلة ونظام مشروع
للحكم لإخماد المتآمرين على الثورة، ومن ثم الوصول إلى الأهداف
السياسية المرسومة سلفاً.
فعلى سبيل
المثال الإرهاب "الإسرائيلي" في احتلاله وجرائمه التي ارتكبت ضد
العرب في فلسطين يعد أفظع أساليب الإرهاب في عصرنا الراهن، وهذا
الإرهاب "الإسرائيلي" ربما يفوق الإرهاب القديم بما يملكه من وسائل
حديثة ووحشية منذ منتصف القرن الماضي إلى الآن، وإذا ما أردنا أن
نحصي الجرائم الإرهابية "الإسرائيلية"، فإن عشرات المقالات لا
تستطيع سرد كل الجرائم الإرهابية "الإسرائيلية". فـ"إسرائيل" منذ
احتلالها لأراضي فلسطين في 1948، مارست ضد أهل الأرض الأصليين، شتى
أصناف الرعب والإرهاب، فقامت بطرد الفلسطينيين من منازلهم ودمرتها
على رؤوسهم وطاردتهم ونفذت فيهم عمليات القتل والاغتيال داخل وخارج
وطنهم، وصادرت الأراضي وسممت المياه ومارست قواتها كل أعمال القمع
والعنف ضد المواطنين العزل، من تكسير للأذرع وتهشيم للأضلع على
مرأى ومسمع من عيون العالم وآذانه، ولم يتوقف الإرهاب "الإسرائيلي"
عند هذا الحد، بل تعداه إلى الإضرار بالمقدسات والشروع بحرقها
وتدميرها وطمس معالمها، كما حصل للأقصى الشريف أكثر من مرة، ناهيك
عن أعمال القتل والتدمير التي طالت أراضي عربية أخرى في لبنان
ومرتفعات الجولان السورية المحتلة. تلك الأعمال الإرهابية مورست
بأمر وتوجيه من أعلى سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" بحجة الأمن.
لكن مع ذلك
فإن الولايات المتحدة أدارت ظهرها للقرارات الدولية الداعمة للحق
العربي الفلسطيني منذ عقود عدة، وصمّت آذانها عن سماع ومشاهدة
الإرهاب الصهيوني اليومي، بل ودافعت عن عنصريته الصارخة والفيتو
الأخير يبرز هذه المساندة الظالمة لإرهاب شارون المنظم إلى جانب
الدعم غير المحدود عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وهذا للأسف أوجد
مبررات ومسوغات الإرهاب عند أطراف كثيرة ومنها الطرف "الإسرائيلي".
وليس أقوى
داعم للإرهاب مثل تجاهل أسبابه الكامنة وانتشاره في المجتمعات
الحديثة، وخاصة في عصر الثورة المعلوماتية والعولمة، ونتيجة
للفوارق الاقتصادية والاجتماعية، فإن التطرف والإرهاب سوف يعشش
ويقتات من هذه السلبيات التي تزداد بازدياد أنظمته العالمية
الجائرة والمجحفة في تعاملها الاقتصادي وفق النظرية "الدارونية"
البقاء للأقوى بدل البقاء للأصلح!
أيضاً من
السلبيات التي تسهم في انتعاش الإرهاب قضية الازدواجية والمعايير
في السياسة الدولية، والكيل بمكيالين عند التعاطي معها، والتي
أصبحت ظاهرة تؤرق العالم، والشعور بالظلم إزاء بعض القضايا التي
باتت تستعصي على الهضم والتقبل، مثل معاناة الشعب العراقي والكوارث
الإنسانية التي يلاقيها هذا الشعب من هذا الحصار الظالم.
فالتعاطي
بالازدواجية في الكثير من القضايا، أثمر الكثير من الكراهية غير
المبررة في بعض الأحيان، ومنها الإرهاب المرفوض الذي تعاني منه
الإنسانية، لذلك فإن أفضل الخطوات لوقف هذا الإرهاب واستئصاله، هي
البحث الجاد عن أسبابه وإيجاد المخارج المنطقية والعقلانية لتجفيف
منابعه بالحكمة أولاً، ثم بالتعاطي العادل مع مسببات هذا الإرهاب.
والذي يدعو
إلى الأسف أن مصطلح الإرهاب لا يزال ورقة يتلاعب بها الكثيرون
ويتقاذفون بها كالكرة فيما بينهم، وكل يوصم الآخر بالإرهاب وكل
مشكلة داخلية يعانيها بلد ما، ترفع التهمة الجاهزة على البعض الآخر
بالإرهاب، وبدلاً من اتخاذ الوسائل السلمية والقوانين المرعية،
وحقوق الإنسان لحل هذه المشكلات -والتي تختلف من بلد إلى آخر- فإن
شعار الإرهاب بات الآن سيفاً مسلطاً بلا معايير دقيقة تقيده، وهذه
إشكالية ربما تساعد على ازدهار الإرهاب لا على استئصاله.
ورغم إن
الإرهاب قضية عالمية فإنه بقي خارج دائرة الاتفاق لجهة تعريفه، رغم
ما تضمنته قواميس اللغة وكتابات الفقهاء من اجتهادات للتعبير عن
الظاهرة، لكنها لم تفلح جميعها في وضع ضوابط ومعايير محددة للفصل
بين الفعل الإرهابي وما سواه، الأمر الذي أدى حتى بأولئك المهتمين
بدراسة هذه الظاهرة، إلى مواصلة بحوثهم ودراساتهم من دون الاكتراث
بتعريفها.
وعدم
الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب نابع بالدرجة الأولى من تسييسه،
ووضع الاعتبارات القانونية خارج الحسبان، رغم هويته القانونية في
الأساس، وقد أدى ذلك بدوره إلى اختلاط الأوراق وتباعد المواقف، فلم
يعد مستغرباً أن نشاهد حكومات أو جماعات ترتكب حماقات وتقوم بأعمال
الإبادة البشعة بحق الإنسان، باسم مكافحة الإرهاب، ولم يعد خافياً
أن يستخدم الإرهاب جسراً لتحقيق أهداف ومكاسب شخصية أو حزبية أو
قومية أو دينية.
فالقضاء
على أسباب الإرهاب خطوة إيجابية لدحره وتقزيمه، ولو بصورة متدرجة،
وهو في اعتقادنا أفضل الأساليب لاستئصاله من جذوره، وهذا الإرهاب
لا نختلف جميعاً على رفضه ونبذه بكل أنواعه وصنوفه ومبرراته، لكن
الأسباب الكامنة لعلاجه مسألة مهمة للقضاء على الإرهاب وليس دعمه
وإسناده، كما حدث في الفيتو الأمريكي الأخير.
هذه
الأسباب اجتمعت مع أسباب أخرى وهي غياب العدالة، وازدواجية
المعايير في القضايا السياسية، وغيرها من الأسباب المساهمة في بروز
ظاهرة العنف والإرهاب كظاهرة عالمية والتي تحتاج إلى التقييم
والفهم والتعامل العادل.
وهذا الرد
الأمريكي على القرار العربي في مجلس الأمن يعتبر إهانة واضحة
واستهتاراً بالإجماع العالمي ضد الإرهاب الذي قالت الولايات
المتحدة إنه يهدد العالم ويجب الوقوف ضده ومحاربته، فإذا بها
تسانده وتضع له المبررات والمسوغات لاستمراره، وهذا سوف يزيد من
العنف والإرهاب، والإرهاب المضاد.
والغريب أن
الولايات المتحدة لم تناقش بجدية قضية الكراهية التي تواجهها من
الكثير من دول العالم في هذا العصر، فالكثير من أسباب الكراهية
المرفوضة، ربما تزيد في معدلات الإرهاب وتناميه بصورة مطردة، وهذا
السلوك غير المنطقي عبر عنه (بروستر.ك.ديني) في كتابه "نظرة على
السياسة الخارجية الأمريكية": إن “من الأهمية بمكان أن يتوصل شعبنا
إلى نوع من الفهم العام بدلاً من الاستجابة للعواطف والانحيازات.
نحن نبعد كثيراً عن كل هذه الدول حتى نفهم المدلول الحقيقي. ولكن
مستقبل العالم كله يعتمد على الحكم الصحيح، يعتمد على إدراك الشعب
الأمريكي لأفضل ما يمكن القيام به، وما يجب القيام به”.
والسؤال
الذي يحتاج إلى أجوبة صريحة من العالم كله: لماذا تساند الولايات
المتحدة إرهاب شارون في كل خطواته وتطالب العالم بأن يقف معها ضد
إرهاب غيره؟ هذا التناقض الغريب سوف يجر العالم إلى فوضى العنف
والإرهاب نفسه.. وكأنها بهذه الأساليب تدافع عن الحق ونقيضه، كما
فعل السفسطائيون في القرون الغابرة.
اغتيال
الشيخ احمد ياسين من قبل شارون جريمة وإرهاب لا يحتاجان الى
المسوغات أو المبررات، ويكفي أن تاريخ شارون الذي قال عنه الرئيس
بوش بأنه "رجل سلام" ملطخ بدماء آلاف الأبرياء. وما جريمة اغتيال
الشيخ ياسين إلا إحدى هذه الجرائم الإرهابية التي تضاف إلى سجله
الإرهابي..
فهل تعيد
الولايات المتحدة موقفها من إرهابه؟
************************
شكراً أرييل شارون
فهمي هويدي
صحيفة الخليج
الإماراتية 30/3/2004
هذا شكر
معجون بالكراهية. الشكر له أسباب متعددة سأوردها حالاً. أما
الكراهية فسوف يغنيني عن أي شرح لأسبابها أن أشير إلى أن الأمر
متعلق بأرييل شارون وممارساته، التي كان أحدثها إشرافه الشخصي على
قتل الشيخ أحمد ياسين، لثقتي في أن مجرد ذكر الاسم يستدعي تلقائياً
سيلاً من معاني الكراهية ومترادفاتها.
(1)
قبل سنتين
كان زميلنا عادل حسين الأمين العام لحزب العمل المصري، رحمه الله،
يقول ضاحكاً إن أرييل شارون هو "مبعوث العناية الإلهية لإيقاظ
الأمة العربية". وفي بداية هذا العام كنت في العاصمة الأردنية
عمان، وسمعت من منير شفيق المحلل الاستراتيجي الفلسطيني نفس
الفكرة، وقد زاد عليها أن نجاح الرئيس الأمريكي جورج بوش في
انتخابات الرئاسة القادمة لن يخلو من مصلحة استراتيجية، لأن ذلك
سيكون كفيلاً بالقضاء على هيبة الولايات المتحدة وتدمير سمعتها في
العالم، وهو ما "أنجزت" إدارته فيه الكثير خلال الولاية الأولى.
وإذا ما قدر له أن يستمر في ولاية ثانية، فإن ذلك سيكون انتصاراً
كبيراً لكل الذين يكرهون الولايات المتحدة وينقمون عليها.
كنت في
الكويت حين وقع اغتيال الشيخ أحمد ياسين (12/3)، ولاحظت الغضب
والاستنفار لدى قطاعات عريضة من الناس، كانت محسوبة إلى عهد قريب
ضمن الذين استشعروا خليطاً من الحساسية والاستياء إزاء الموقف
الفلسطيني، متأثرين في الأغلب بالتعبئة الإعلامية السلبية التي ما
برحت تتهم الفلسطينيين بتأييد صدام حسين ونظامه، خصوصاً في غزوه
للكويت عام 1990. يوم ذاع خبر اغتيال الشيخ وجدت الصورة قد اختلفت،
في الشارع على الأقل، حيث نسي كثيرون مشاعر الحساسية والاستياء،
وشهدت المدينة في ذات اليوم مؤتمرين كبيرين للتضامن مع الفلسطينيين
والدعوة إلى مواصلة المقاومة و"الجهاد" من أجل تحرير الأرض
المحتلة، أحدهما طلابي في الجامعة والآخر شعبي عام دعت إليه جمعية
الإصلاح. وقالت لي محامية كويتية إن القلوب التي ماتت فلسطينياً،
دبت فيها الحياة وانتفضت بعد قتل الشيخ ياسين.
أدركت مما
رأيت وسمعت أن المرارة التي رانت على قلوب كثيرين قد انكسرت في
أعقاب ذيوع خبر الجريمة البشعة، فاستعدت نبوءة عادل حسين وتحليل
منير شفيق، وبدأت في قراءة السلوك "الإسرائيلي" من زاوية أخرى، لا
تقف عند وقائع الجرائم التي ترتكب في الدم الغزير الذي يراق كل
يوم، إلى هدم البيوت وتجريف الأراضي، وإنما تتجاوزها إلى ما ينجم
عنها من أصداء وغايات، لم تكن في حسبان البغاة والقتلة الذين خططوا
للجرائم أو نفذوها.
(2)
سيدخل
شارون التاريخ باعتباره رجل الإبادة والاستئصال، الذي أوغل إلى
أبعد مدى في الدم الفلسطيني، بل العربي أيضاً. صحيح أن أمثاله
كثيرون في "إسرائيل"، إلا أن بعضهم فعلها ثم اقلع عن القتل بالسلاح
أو آثر أن يمارسه بأساليب أخرى، كالخنق بقفازات ناعمة أو بالتركيع
"السلمي"، كما يفعل أركان حزب العمل. ولكن من الثابت أن شارون نجح
في أن يقدم نفسه باعتباره القاتل "الأصولي" الذي أغمد السلاح في
القلب الفلسطيني حتى آخر لحظة في حياته، غير مكتف في ذلك بالإجهاز
على البشر وإنما متطلعاً إلى اغتيال الحلم الفلسطيني أيضاً.
يذكر
الجميع اشتراكه في المذبحة التي قام بها "الإسرائيليون" في قرية
"قبية" الفلسطينية عام 1953، التي قتل فيها 69 مدنياً، وقيامه
بالهجوم على غزة وقتله 37 مصرياً (عام 55)، وقيادته للهجوم على
شواطئ بحيرة "طبرية" السورية قبل حرب عام 67، مما أسفر عن قتل 50
جندياً سورياً. أما دوره في احتلال لبنان عام 82، وفي مذبحة صبرا
وشاتيلا التي قتل فيها ألفان من الفلسطينيين، فإنه يحسب عليه
باعتباره من أفظع جرائمه وأكثرها وحشية، الأمر الذي فضح أمره حتى
بين "الإسرائيليين"، فتوارى بعض الوقت - بعد إدانته رسمياً وحرمانه
من تولي وزارة الدفاع - ثم ظهر مرة أخرى رافعاً لواء التوسع في
الاستيطان، والتعجل في التخلص من الفلسطينيين، بالترويع والطرد
والإبادة. وهي الأساليب التي اتبعها بدقة منذ توليه رئاسة الحكومة
قبل أكثر من ثلاث سنوات، واعداً بأنه سوف يقضي على الانتفاضة خلال
مائة يوم. وشاء ربك أن يخيب أمله، فلا تنطفئ جذوة الانتفاضة، وإنما
تتواصل وتتأجج حيناً بعد حين. بل شاء ربك أن يوقعه في شر أعماله،
ليرتكب حماقته الكبرى، التي جعلته يقرر قتل الشيخ أحمد ياسين،
ويشرف بنفسه على ذلك، ويهنئ رجاله علناً على نجاحهم في ارتكاب
الفعل الفاضح.
هي مفارقة
لا ريب، إذ يأتي شارون مستعلياً ومستقوياً بترسانة الأسلحة
التقليدية وغير التقليدية، ومحتمياً بالغطاء الأمريكي، ويظل يلاحق
الانتفاضة الفلسطينية محاولاً سحقها طيلة سنوات ثلاث، مستخدماً في
ذلك أمضى أسلحته وراكباً أعلى خيله، ثم يفشل في بلوغ مراده، ولا
يجد مفراً في النهاية من الاختباء من بطولة الشباب الفلسطيني
المسلح بقوة الإيمان وعدالة القضية وراء السور الذي شرع في بنائه.
ويلجأ إلى إطلاق ثلاث طائرات بعد فجر ذلك اليوم لكي ترمي الشيخ
العاجز بثلاثة صواريخ فتاكة، بينما هو خارج من صلاة الفجر فوق
مقعده المتحرك، في عمل خسيس لا هو من شيم المحاربين الشرفاء، ولا
هو من ممارسات الأقوياء. وهو مشهد قلب الصورة رأساً على عقب، وجدنا
فيه شارون هو العاجز اليائس، في حين طالت قامة الشيخ حتى رأيناه
مارداً عملاقاً استحق لقب "الشهيد المنتصر"، ذلك الذي أطلق على
الحسين بن علي بعد المقتلة التي أوقعها به يزيد بن معاوية في
كربلاء.
(3)
شكرنا
المغموس في الكراهية جد وما هو بالهزل، وإذا سألتني لماذا الشكر
أصلاً، فعندي في الرد أسباب كثيرة في مقدمتها ما يلي:
إنه كشف
لنا عن الكثير من المستور والمخبوء في "إسرائيل". ذلك أنه منذ جاء
إلى السلطة نجح في إقناعنا بأن المزاج "الإسرائيلي" يتبنى التطرف
ويحتمي به، وأن الأصوات التي تتحدث عن السلام أو تراهن عليه لا
تمثل سوى شرائح استثنائية، لا وزن لها ولا قيمة. وحين تكشف
استطلاعات الرأي بعد وقوع جريمة القتل عن أن 61% من "الإسرائيليين"
يؤيدون سياسته، فإن الرسالة هنا تصبح شديدة الوضوح في التعبير عن
استحالة التعايش بين العرب و"الإسرائيليين"، الأمر الذي يترجم لنا
الشعار الذي رفعه البعض عندنا يوماً ما، ممن قالوا إن ما بيننا
وبين "إسرائيل" هو صراع وجود لا صراع حدود. مع فارق أساسي هو أننا
رفعنا الشعار وهتفنا له، في حين أنهم نفذوا الشعار على الأرض، دون
أن يرفعوه أو يهتفوا له.
وإذ
اعتدنا في أدبياتنا السياسية أن نفرق بين "الإسرائيليين" الصهاينة
وعموم اليهود، وحرصنا على أن نبين أن مشكلتنا الحقيقية مع الأولين
دون الأخيرين، فإن ممارسات شارون والتأييد الواسع لسياساته من أغلب
الجاليات اليهودية في الخارج غيرت من ذلك التقدير، إذ فتحت أعيننا
على حقيقة أن المسافة بين الطرفين ليست بالبعد الذي افترضناه،
الأمر الذي نبهنا إلى أننا بالغنا في إقامة ذلك التمييز الذي دأبنا
على الالتزام به، ومن ثم تعين علينا أن نعيد النظر فيه وفي النتائج
المترتبة عليه.
إنه اقنع
الجميع - والشعب الفلسطيني في المقدمة - بأن المقاومة المسلحة هي
الخيار الوحيد. وهو بذلك أسدى خدمة جليلة لمنظمات المقاومة، خصوصاً
تلك التي تتبنى العمليات الاستشهادية، من حيث أنه بممارساته
الاستئصالية صادر أية إمكانية للتفاوض والالتقاء حتى على نقطة وسط.
ذلك أن نهجه يبعث إلى الفلسطينيين برسالة تقول: إما الاستسلام
والركوع وإما الموت. وحين يغدو الموت هو الخيار الباقي أمام ذوي
النظرة السوية الذين يستشعرون الحد العادي من المروءة والكرامة،
فإن الاستباق إليه أولى من انتظاره. ولذلك لم استغرب الأنباء التي
ترددت عن مضاعفة أعداد المتطوعين للعمليات الاستشهادية في أعقاب
قتل الشهيد أحمد ياسين.
إنه ألغى
كل اتفاقات الحلول السلمية التي تم توقيعها مع الحكومات
"الإسرائيلية" السابقة، من أوسلو إلى خريطة الطريق. وهي الاتفاقات
التي بذل كثيرون جهداً كبيراً لفضح ثغراتها والتنديد بتحيزها لـ
"إسرائيل"، وضغطها المستمر على المقاومة لتقليص دورها وتجريدها من
سلاحها وتجفيف منابع قوتها. هذا الجدل من جانبنا حسمه شارون بضربة
واحدة، حينما لجأ إلى مشروع الحل من طرف واحد، الذي قررت "إسرائيل"
أن تفرض بالقوة الحدود التي تريدها، مما يؤدي إلى ابتلاع 48% من
أراضي الضفة الغربية دفعة واحدة.
بممارساته
تلك فإنه وحد الصف الفلسطيني إلى جانب خيار المقاومة، وأجبر
الدوائر التي انخرطت في المسيرة السياسية، وتلك التي راهنت على
الحوار مع "الإسرائيليين" على التراجع، والكف عن إطلاق دعاواهم.
وهي ذات الأجواء التي قربت المسافات بين فصائل المقاومة، الأمر
الذي تجلى في العملية النوعية الجريئة التي نفذت مؤخراً في سيناء
بالتعاون بين منظمتي حماس وفتح.
لا تنس في
هذا السياق أن شارون كان له "فضل" إطلاق الانتفاضة الثانية، التي
عرفت باسم "انتفاضة الأقصى"، إذ كانت زيارته التي اقتحم فيها
المسجد الأقصى، مع نفر من بطانته (سبتمبر 2000)، قد استفزت
المسلمين، وكانت بمثابة الشرارة التي فجرت الانتفاضة، بعدما كانت
الأمور قد هدأت نسبياً في أعقاب انتفاضة عام 87 وجاءت الانتفاضة
الثانية أعنف من الأولى التي عرفت في حينها باسم "انتفاضة
الحجارة".
لا تنس
أيضاً أن شارون وأفاعيله هي التي فضحت "إسرائيل" وكشفت عن وجهها
القبيح أمام العالم الخارجي. وحين اعتبرت شعوب أوروبا أن "إسرائيل"
هي الخطر الأكبر الذي يهدد السلام العالمي، فلم يكن ذلك نتيجة جهد
دعائي بذلناه، وإنما ذلك "إنجاز" صنعه شارون على يديه، يحسب له
ويشكر عليه.
لا
تَفُتْكَ أيضاً ملاحظة إسهامه المتميز في فضح الإدارة الأمريكية
وتسويد صفحتها. ذلك انه بابتزازه المستمر لإدارة الرئيس بوش
واستغلاله لحرج موقفها في سنة الانتخابات، وضعها في مربع التناقض
مع العالم العربي، إذ أنه بإقدامه على ارتكاب مختلف الجرائم بحق
الفلسطينيين، واضطرار الإدارة الأمريكية إلى تغطية ممارساته بذريعة
"الدفاع الشرعي" أو غير ذلك، يمعن في توريطها كاشفاً للجميع
تحيزها، عن غير قصد بطبيعة الحال. وهو ما يوفر علينا الجهد الذي
نبذله لإثبات عدم جدارة السياسة الأمريكية في المنطقة بالثقة، ورفض
التعويل عليها من أي باب.
(4)
حين ارتكب
شارون جريمته في أجواء الإعداد لعقد القمة العربية، وبعد ثلاثة
أيام من اجتماعه مع الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن، وفي
مناسبة مرور 25 عاماً على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، فإن رسالته
هنا تغدو مسكونة بإشارات عدة.
الإشارة الأولى: تعبر عن استهانته
بكل هذه الملابسات، وإبلاغ الكافة بأنها - بالذات القمة العربية -
لا تعني شيئاً عنده، فلا هي تشكل عنصر ضغط ولا مصدراً للحرج أو
إعادة الحسابات.
الإشارة الثانية: أنه بفعلته تلك كان
صريحاً في إغلاقه الباب في وجه الحديث عن مبادرات السلام عبر القمة
أو غيرها. حيث يتعذر من الناحيتين السياسية والأدبية أن يطرح العرب
أية أفكار تتعلق بالسلام، في حين أن "إسرائيل" تواصل اجتياح غزة
وتقتل شيخ المجاهدين. وتتباهى أمام الملأ بذلك، بل تذهب إلى حد
القول إن 70 قيادياً فلسطينياً مدرجون على قائمة الاغتيالات.
الإشارة الثالثة: إنه بما فعل أحرج
جميع الذين راهنوا على السلام مع "إسرائيل"، دولاً كانت أم منظمات
عربية. من ثم فلم يعد أحد مستعداً لاستمرار تلك المراهنة. وقد
لاحظنا في الآونة الأخيرة أن كثيراً ممن عملوا على تسويق مشروعات
السلام "الإسرائيلي" التزموا الصمت. بل إن منهم من اضطر إلى مهاجمة
السياسة "الإسرائيلية" ومقاطعة ما سمي بالأنشطة المشتركة مع
“الإسرائيليين”.
الإشارة الرابعة: أن شارون أراد بهذا
الإحراج المفترض أن يعمق الفجوة بين الحكومات العربية وشعوبها.
وكأنه بعث برسالة تقول: ها هي حكوماتكم عاجزة عن أن تفعل شيئاً في
الرد على "إسرائيل". كما أنها لن تكون قادرة على الدفاع عنكم ضد أي
عدوان آخر، من ثم فالمراهنة عليها مراهنة على جواد خاسر.
الإشارة الخامسة: أن شارون بما فعله
أراد أن يبلغ الفلسطينيين بأن العرب لن يفيدوهم في شيء، وسيظلون
عاجزين عن أن يمنعوا عنهم شراً أو يقدموا لهم خيراً. وبتصوير
المأزق الفلسطيني على ذلك النحو، فإنه أراد أن يشيع اليأس في
نفوسهم، أملاً في فرض الركوع والاستسلام عليهم في نهاية المطاف.
الإشارة السادسة: هي أن شارون بما
فعل أراد أن يبلغ الجميع بأنه لا مكان للمقاومة في الخرائط
الجديدة، سواء تعلقت بالشرق الأوسط بصيغته الراهنة، أو ذلك
"الكبير" الذي يصل إلى إندونيسيا.
(5)
سوف نضاعف
الشكر لشارون إذا تسلمت الأطراف العربية رسالته وردت عليها بما
تستحقه. وهو استحقاق ليس مكلفاً كما قد يبدو لأول وهلة، لأن قطع
العلاقات مع من أغلق الباب أمام أي حديث عن السلام هو في حقيقة
الأمر من قبيل تحصيل الحاصل. وبسبب من ذلك فقد استسخفت كثيراً ما
قرأته قبل أيام عن أن الإدارة الأمريكية تطلب من العرب "تجاوز"
جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، بمعنى اعتبار الحادث كأنه لم يكن.
(هل يجرؤ أحد على مطالبة واشنطن بالتجاوز عما جرى في 11 سبتمبر؟).
ولم يكن أقل من ذلك سخفاً ما نشرته الصحف في وقت لاحق عن ترتيبات
جارية الآن لعقد مؤتمر عالمي في المغرب "من اجل السلام"(!) بين
أئمة المسلمين وحاخامات اليهود، ربما من باب "العفو عما سلف"
واعتبار ما جرى كأنه لم يكن. السؤال الذي ألح عليّ بعد الذي قرأت
هو: إذا لم نتسلم رسالة الجريمة التي ارتكبها شارون ونستوعب
مضمونها الآن، فمتى يحدث ذلك إذن؟
************************
وانتقم الشيخ أحمد ياسين منهم
منير شفيق
اغتيال
الشهيد القائد الفذ الشيخ أحمد ياسين، كما تبين من ردود الفعل كان
اعتداء على شعب بأكمله وعلى العرب والمسلمين كافة، بل شعرت قطاعات
واسعة ومهمة في العالم الثالث وحتى في اوساط الشباب والطلبة والناس
العاديين في الغرب وأجزاء من مناهضي العولمة، أن الاعتداء مسها.
وذلك لما يمثله الشيخ من رمز نضالي وسمات لا يستطيع منصف او ذو
ضمير إلا ان يشعر من خلال هذا الاغتيال حتى لو كان بعيداً منه آلاف
الأميال، ومثلها من الناحية الايديولوجية، بأنه عمل ظالم موجه ضد
الشعب الفلسطيني كله بل ضد الإنسان وقيمه الحميدة.
هذا يعني
أن الشيخ ياسين رحمه الله وطيب ثراه وصدَّره بين الشهداء العظام
عبر التاريخ الاسلامي كان أكبر في نظر الأمة وفي نظر عالمنا من
تصور أشد محبيه ومقدريه ومعجبيه، فكيف بالنسبة إلى مبغضيه وقتلته
ومن دعمهم أو تواطأ معهم وحاول التخفيف من جريمتهم. فلا شك أن ردود
الفعل حتى الآن وعلى مستوى عالمي فاقت توقعاتهم ووضعتهم في مأزق
أشد من المأزق الذي دفعهم إلى اغتياله.
مثلاً لو
يجري الآن استطلاع للرأي العام في أوروبا لوصل المعدل ربما إلى
أكثر من 80% يعتبرون «إسرائيل» أخطر دولة على الأمن والسلام في
العالم مضافاً إلى ذلك الآن أكثر دولة وحشية مرتكبة جرائم في
العالم (وهي كذلك لو تابعناها منذ وعد بلفور وبدايات الهجرة لا
سيما حرب 1948/1949 وما تلا ذلك حتى اليوم).
المهم أن
الاستطلاع الأوروبي الذي أطار صواب الدولة العبرية والحركة
الصهيونية العالمية حين صوت بالمعدل 59% باعتبار «اسرائيل» أخطر
دولة على السلم والأمن في العالم، قد أشعر قادة الدولة العبرية
والحركة الصهيونية بخطر استراتيجي لأنهم يعلمون أن وجودهم وبقاءهم
ومستقبلهم مستمد من الغرب وتعاطف الرأي العام مع سياسييه. فهذه
المسألة أي تشكل رأي عام غربي ضدهم (ولا بد من أن تنتقل عدواه إلى
أمريكا لاحقاً) تشكل مقتلاً حقيقياً لمشروعهم. وهذا هو السبب الذي
جعلهم يضغطون على تحريك ساسة الدول الغربية لوضع مكافحة اللاسامية
في مقدمة مهماتهم. وبالمناسبة إن الاستفتاء المذكور شكل احراجاً
شديداً لأولئك الساسة الذين لا يجرؤ احد منهم أن يقول ما قاله
الاستطلاع. والأخطر، هذا يعني هوة بين سياساتهم والرأي العام في
بلدانهم. ومن هنا جاء التجاوب لشن تلك الحملة.
على أن
اغتيال الشيخ الشهيد الذي لم يعد قعيداً دفع الأمور إلى مستويات
أعلى ضد سمعة الدولة الاسرائيلية، وفي دعم قضية فلسطين وشعبها.
وإذا ما تأمل الإنسان بهذه النقطة فسيجد أن الشيخ ياسين انتقم
لنفسه من حيث لا يحتسبون وبأشد ما يمكن أن تفعل رصاصة أو متفجرة.
هذه واحدة.
أما
الثانية فإن الأثر الذي تركه هذا الاستشهاد الذي تحول الى بركة كان
في ما أحياه في العرب والمسلمين من روح جديدة سكنت دماء الشيخ لتشع
نوراً، وتصنع نهضة، وتضع أمة على أعتاب الوثوب إلى أمام. قد لا
تبدو هذه المسألة واضحة لأن مكانها قلوب عشرات ومئات الملايين
ووعيها، ولا تخرج إلا بعد حين من الدهر، تماماً كما يحدث في
الزراعة او تشكل الأجنة. وبهذا يكون الشيخ قد انتقم لنفسه انتقاماً
استراتيجياً أين سيكون منه أي انتقام آخر من قتلته.
والثالثة
هي فعل ذلك الاستشهاد في الشعب الفلسطيني وتحول مبادئ الشيخ ياسين
(حركة حماس) الى روح سارية في هذا الشعب ليس من زاوية الانتفاضة
والمقاومة والصمود فحسب وإنما أيضاً من زاوية الحفاظ على الوحدة
الوطنية من الفتنة أولاً وعلى تحريم حل الصراعات الداخلية من خلال
الاقتتال وإراقة الدماء ثانياً.
وبعد فمن
يتفكر في هذا لا بد من أن يشفي غليله ومن ثم فليتنافس المتنافسون
لتحقيق الأهداف والإستراتيجية التي استشهد من أجلهما وبسببهما وكان
من الفائزين.
************************
استشهاد الشيخ أحمد ياسين.. رؤية فلسطينية
بقلم: سمر البرغوثي
مدرس علوم سياسية ـ جامعة القدس
صحيفة الأهرام
1/4/2004
للحروب
تأثير مشرط الجراح, فهي تعالج, تستأصل أو تميت, ولكن أبداً
لا يعود الجسد كما كان, وللإنسان الفلسطيني الذي عاش الانتفاضة
وعايشها خصوصية معينة, يختلف في تفكيره وعلاقاته وانطباعاته عن
الآخرين خارج دائرة الاشتباك أو المواجهة. فليالي القصف العشوائي
التي عاشها, ممارسات الاحتلال عليه, والقمع والقهر أمام عيون
أطفاله والانتظار ساعات على الحواجز, العيش أياماً وشهوراً في
منع التجول القاتل, كل هذا غيره وبدله وجعله إنساناً مختلفاً,
يتفاعل مع الأمور بطريقته الخاصة, ويفهم تركيبة وعلاقات مجتمع
الانتفاضة بطريقة خاصة, لا شك أنها تختلف.
لقد صدم
الفلسطيني ابن الانتفاضة كما صدم الإنسان العربي لتلك العملية
الجبانة التي أودت بحياة الشيخ المجاهد أحمد ياسين, ولكن لم تخل
هذه الحادثة من انفعالات مختلفة أحس بها الفلسطيني بشكل خاص, لقد
اختلط لديه الشعور بالحزن والغضب والرغبة بالانتقام مع شعور الفخر
والقوة والأمل.
أما لماذا
الفخر؟ لأن الفلسطيني أحس بالندية بينه وبين "إسرائيل" إن لم يكن
قد شعر بالتفوق فبعد ثلاث سنوات من الانتفاضة, اغتيال العشرات من
القيادات العسكرية وعلى رأسهم مهندس الانتفاضة يحيى عياش,
استهداف العديد من القادة السياسيين, هدم وتجريف البنية التحتية
لمعظم غزة ومواقع أي مقاومة فلسطينية, وبعد كل هذا يتم اغتيال
الشيخ ياسين بثلاثة صواريخ جبارة, انطلقت من المقاتلة الخبيثة
الأباتشي, ويعرف كل فلسطيني في الداخل ما معنى الأباتشي, أشرف
على عملية الاغتيال الرجل الأكثر دموية في العالم, واعتبرت عملية
الاغتيال انتصاراً كبيراً لأقوى جيش في الشرق الأوسط. كل ذلك
لاغتيال شخص يكفي أن تطلق عليه رصاصة تصيبه في جزء حي من ذلك الجسد
الميت بمعظمه تقريباً. أليس هذا مدعاة للشعور بالندية بين
المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي, بعد كل هذا النزيف في
الجسد الفلسطيني يحتاج شارون لكل قوي جيشه العتيد لإثبات أنه
المنتصر في معركة انسحابه من غزة, هذا إذا تم. هذا الذي وعد
شعبه أن ينهي الانتفاضة خلال مائة يوم, بعد ثلاث سنوات ها هو
يقوم بالانسحاب من غزة ومازالت الانتفاضة متأججة. |