(
4 )
مقالات
حول عملية اغتيال
الشيخ
أحمد ياسين
مؤسس حركة
المقاومة الإسلامية "حماس"
الرجل القضية ... بالشهادة تنتصر قضايانا
الشيخ أبو جرة سلطاني
حركة
مجتمع السلم - الجزائر
صبيحة يوم
الإثنين، الفاتح من صفر 1425هـ الموافق 22 مارس 2004م أطلقت طائرة
حربية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي ثلاثة صواريخ فوق رأس الشيخ
أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بفلسطين الشاهدة
على الناس، بعد أدائه فريضة صلاة الفجر بأحد مساجد غزة، الصواريخ
الثلاثة أصابت أهدافها الظاهرة فأهدت للشيخ أعظم هدية يتمناها كل
مسلم صادق وهي الشهادة في سبيل الله، ولكنها أخطات أهدافا أخرى لم
يحتسب لها شارون وهو يخطط لإخماد أنفاس رجل يقترب من السبعين...
رجل مقعد " "أرعب" شارون بأطفال الحجارة... رجل
تقول إسرائيل إنه أقض مضاجعها، وتقول الإدارة الأمريكية إنه يخطط
للعمليات الإرهابية من فوق كرسي متحرك، وتقول أطراف محسوبة على
"مسار برشلونة" إنه يترأس أكبر تنظيم للمقاومة الإسلامية في الشرق
الأوسط، وتذهب أوساط عليمة بلخلفيات النزاع العربي الإسرائيلي إلى
أطروحة جديدة تقول أن القضية الفلسطينية صارت "النقطة المفصلية" في
برنامج العولمة بعد سقوط بغداد، وأن الفشل الذي منيت به قوات
التحالف في مستنقع العراق قد دفعها إلى التفكير في عملية "نوعية"
تصرف بها أنظار الرأي العام العالمي نحو بؤرة جديدة للتوتر الدولي
لتغطي بها هزائمها الفاضحة، لاسيما بعد تفجيرات إسبانيا وسقوط
حكومة أزنار.
فالمسرحية باتت مكشوفة، والسيناريو كان جاهزا
بانتظار "المخرج" الذي كان، هذه المرة،
سيء الحظ لأنه وقع فريسة سهلة بين أنياب مقاومة عودت الناس على
أنها إذا توعدت "بزلزلة الأرض من تحت الأقدام" فإنها ستفعل خاصة أن
"رياح الإرهاب" أصبحت أعاصير دولية عابرة للقارات يمكنها أن تضرب
متى شاءت، وفي أية بقعة تريد، ولها من الحجج ما يكفي لتبرير
أفعالها مهما كانت وحشية لأنها لن تكون ـ مهما صورتها وسائل
الإعلام المنحازة ـ أكثر وحشية من ضرب شيخ قعيد، مع تسعة من
مرافقيه، بثلاثة صواريخ فما تركت منه إلا بقايا عجلات كرسيه
المتحرك وجزءا من نعله الذي كان يمسح عليه حتى صار جزءا من قدميه،
و"غترته" التي ظلت ناصعة البياض برغم ضراوة القصف الغادر تحت تغطية
ثلاث طائرات من طراز F16.
ما الفرق – في العرف العام- بين من يقصف قعيدا
بالراجمات المحرقة ومن يقتل الأبرياء بـ "البلطات" المسنونة؟ ما
الفرق بين من يقيم "جدارا عازلا" يغطي به على الناس شمس الله،
ويلتف كالثعبان على العائلة الواحدة فيشطرها شطرين وبين من ينتصب ـ
باسم حق الفيتو ـ ليصادر حق الشعوب في تقرير مصيرها؟ ثم أخيرا:
مالفرق بين من يحرض العصابات الصهيونية على "تصفية"
رواد المساجد ومصابيح الهداية من شيوخ ركع
وأطفال رضع بحجة أن رجلا مشلولا يخطط لضرب أمن إسرائيل، وبين من
قام يدافع عن شرف الأمة المغصوب في جنين وطولكرم والضفة والقطاع.
.إذا كان هناك وجه للمقارنة؟؟
إننا في حركة مجتمع السلم (الجزائر)
لا نخلط بين الإرهاب الإجرامي والمقاومة
المشروعة، وإننا نميز بشكل دقيق، بين حق الشعوب في تقرير مصيرها
وبين "شهوة" بعض الأنظمة في بسط نفوذها على الأخضر واليابس، تماما
كما نفرق بين من يصلي الفجر في المسجد طالبا الشهادة في سبيل الله،
ومن يسهر ليله في المراقص والحانات، باحثا عن سخط الله، وهذا
الوضوح في الفهم والاستقامة في الطرح مازال يقودنا إلى وسطية واضحة
في وضع الخط الفاصل بين سياسة شارون الدافعة باتجاه "تفجير"
المنطقة كلها، وبين سياسة (حماس) المدافعة عن شرف الأمة بالحجارة،
وهذه "الفيصلة" هي التي صنعت خطوطنا الحمراء القائمة على الشهادة
الرسمية للدولة الجزائرية، التي سطرها الرئيس الجزائري الراحل
هواري بومدين بقوله: "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة" ولأنها هذه
المرة مظلومة ظلم غرائب الإبل، فإننا نؤكد عزمنا على بذل كل
مجهودات النصرة وواجبات الولاء للقضية المركزية في سياسة الأمة
الإسلامية حتى يتم تحرير الأرض كلها من البحر إلى النهر دون
الاكتفاء بالتنديد والشجب مستغربين في ذات الوقت المواقف المتخاذلة
لبعض الأنظمة العربية أمام غطرسة الإدارة الصهيونية، واستخفاف
الإدارة الأمريكية التي اكتفت بتذكيرنا – بعد حادثة الاغتيال
الجبانة - بأمرين غريبين:
- أن حماس ومؤسسها مطروحان على قائمة الإرهاب.
- وإنها تدعو جميع الأطراف إلى "ضبط النفس" بعد
سقوط القائد الرمز.
وكأن تصنيف الناس على لائحة الإرهاب حق أمريكي
خالص لها وحدها لا ينازعها فيه أحد، ولو كان بمستوى الإتحاد
الأوروبي، وكأن إرهاب شارون "حق" مكفول بفيتو الكبار و"إرهاب" أحمد
ياسين باطل يجب أن تتم قنبلته بطائرات F16،
بل وكأن كل رافض للإستسلام هو صورة طبق الأصل لأسامة بن لادن، إذ
لا فرق في قاموس الصهيونية العالمية بين أحمد ياسين وبن لادن وياسر
عرفات ..فكلهم "أعداء" الغطرسة الإسرائيلية المتسترة بجدارين:
- جدار
شرعية "الفيتو" الذي يفرضه الكبار على الصغار.
- وجدار
العار العازل بمباركة "فيتو" محور الشر.
وهل تنفع الجدر قوما تحدث القرآن الكريم عن
صفاتهم، فكشف جبنهم المتحصن وراء "قرى محصنة أو من وراء جدر" وليس
لهم بقاء فوق هذه الأرض إلا إذا احتموا بأمة لها دين صحيح، أو بأمة
لها قوة ضاربة "إلا بحبل من الله أو حبل من الناس".
ولأنهم أضاعوا "حبل الله" بانحرافهم عن دين
موسى عليه السلام وبدأوا يقطعون "حبل الناس" بالتسبب في "قلاقل"
كثيرة لمن ضمن لهم الحماية والرعاية من أنصارهم في الولايات
المتحدة، فإنهم معرضون للإبادة على أيدي كل سكان الدنيا.
لقد تخلصت بريطانيا من "أعباء" الصهيونية
المتعبة، بعد ثلاثين سنة من عمليات الإبتزاز (1917 – 1947) ووضعت
سرج القضية على ظهر الولايات المتحدة الأمريكية بعنوان "أفران
الغاز" وكراهية السامية وضحايا النازية ...وكلها أكاذيب ودجل، وبعد
زهاء ستين(60) عاما من الإبتزاز والإحتكار والدجل السياسي ...هاهي
أمريكا تكتشف أنها كانت واقعة تحت سيطرة "عصابات الأرغون" التي
تسببت في إذلال الشعب الأمريكي وتوريطه في عدد من الحروب الخاسرة
دفع فيها الشعب الأمريكي ضحايا أبرياء من أبنائه الأحرار، ذهبوا
شبابا يافعين وعادوا جثثا في صناديق مختومة بأوسمة التآمر
الصهيوني. شباب يدافع عن وهم الصهيونية في معارك خاسرة تصنعها
تقارير كاذبة ومضللة.
ولعلكم تتعجبون إذا قلت لكم:
إن أحداث
الحادي عشر (11) من سبتمبر 2001 من تدبير إسرائيلي.
- وإن
الحرب على أفغانستان كذلك كانت من تدابير تطرف مسيحي يميني متصهين.
- وأن
الحرب الجائرة على العراق تم بتخطيط جناح الصقور في الإدارة
الأمريكية المتعاطف مع إسرائيل.
- والمتاعب
التي تلاحق أمريكا ناجمة عن سياستها الخارجية الجانحة لإسرائيل،
والتي كان من آخر ثمراتها المرة التفجيرات التي هزت إسبانيا وأسقطت
الحكومة المتحالفة مع الإدارة الأمريكية، لما اكتشفت المعارضة أن
الشعب الإسباني دُفع إلى تسديد فاتورة الرعونة العالمية الباحثة عن
أوهام أسلحة الدمار الشامل؟!
وعود على بدء نقرر:
إن الشهيد
الشيخ أحمد ياسين كان سيعيش 70 عاما أو 90 عاما ويموت حتما، كما
يموت كل الناس، ولكن الله أكرمه بأن جعل حياته أطول مما أرادها
شارون، فإذا به يلد اليوم أمام "حي الصبرة"
بمدينة عزة ميلادا أبديا مع الذين "عند ربهم
يرزقون" إن الشلل الذي عاناه الشهيد في جسده سوف ينتقل إلى مفاصل
الإدارة العبرية في الأرض المحتلة، وسوف يدب داؤه في مفاصل جماعات
"الفيتو" حينما يتحول أكثر من مليار ونصف من المتعاطفين مع القضية
الفلسطينية يتحولون كلهم إلى أحمد ياسين، وإلى مشاريع شهادة، يومها
فقط تدرك أمريكا أن الصواريخ لا تقتل القضايا وإنما تحييها، وأن
الإرهاب الحقيقي لا يتحرك فوق كرسي قعيد، إنما يرقد رعبه في مفاعل
"ديمونة" النووي، وأن الذي أرسل شبابه ليموتوا في بغداد، والفلوجة،
والبصرة..، كان أولى به أن يرسلهم إلى "كاليفورنيا" ليستمتعوا
بشبابهم، وأن الـ 26 فيتو التي صدرت كلها، خلال 60 عاما، ضد حق
الفلسطينيين في أرضهم وفي العودة، سوف تتحول إلى 2.6 مليار مدافع
عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.. وأبشر يا "بوش" بسقوط مؤكد
ومريع بعد الفشل المتوالي لسياستك الخارجية، ويومها سوف تحتاج إلى
من يفسر لكم ولأمثالكم قوله تعالى :(فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا
وقذف في قلويهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم..).
أما أنت يا شهيد
لقد عشت
كبيرا يا شيخنا، ومت كبيرا يا رمزنا، فالموت يدركنا جميعا ولو كنا
في بروج مشيدة، أما الشهادة فلا يدركها إلا الفائزون.. فهنيئا لنا
ولكم الشهادة، فقد عشت للقضية، فلما اختارك الله واصطفاك إلى جواره
شهيدا صارت "القضية" التي عشت من أجلها، كالشمس وضحاها.. واليوم
نحن أمام هذه القضية فريقان: "قد أفلح من زكاها"
وذاك فريقنا "وقد خاب من دساها" وذاك فريقكم
فأبشر يا شارون.. إنا قادمون.
************************
اغتيالُ شيخِ المجاهدين
وعَبَثُ العَومِ ضدّ سُنَنِ الله عز وجل
بقلم : الدكتور محمد بسام يوسف
كاتب وأديب سوري
في تسعينيات
القرن المنصرم، لم يكن (إسحاق رابين) يتوقّع، أنه سيغرق في بحرٍ من
دماء ضحاياه، الذين كسّروا رأسه، بعد ظنّه أن تكسير عظامهم سينجيه
من الغرق .. فاستنجد -آنذاك- بأولياء أمره، وعُقِد في (شرم الشيخ)
أول مؤتمرٍ إرهابيٍ في التاريخ، باسم: (مكافحة الإرهاب)، الذي ضمّ
فيمن ضمّ: أخطر سلالات الإرهاب العالمية، بدءاً بالراعي الأميركي
(النـزيه) لمهزلة (السلام الحربيّ)، وانتهاءً ببطل الإرهاب
اليهوديّ الصهيونيّ!..
سُتْرَة
النجاة التي ارتداها –في ذلك الوقت- المقبور: (رابين) في شرم
الشيخ، بعد سلسلة العمليات الاستشهادية للمقاومة في عمق كيانه ..
كانت سُترةً مهترئةً، كالورق الذي سطّر عليه الإرهابيون الحقيقيون
تعريفهم المضلِّل للإرهاب!.. ولم يكلّف كشف اللعبة السمجة، أكثر من
بضع رصاصاتٍ، يهودية الطعم واللون والرائحة، صهيونية الهوية
والجنسية، استقرّت في رأسه وعنقه وصدره، لتقول له بلغةٍ عِبْريةٍ
واضحة: الإرهاب صناعة يهودية، وبراءة اختراعه مسجلّة باسم
الصهيونية، منذ نشوئها ونضوج روحها العنصريّة الإجرامية!..
الإرهابيّان
اليهوديّان الصهيونيّان: (شمعون بيريز) و(بنيامين نتنياهو) .. لم
تحقق لهما كل نجدات (أوسلو)، النجاة الحقيقية من الغرق في رمال
جنوبيّ لبنان المتحرّكة، التي ابتلعت الأول في (قانا)، ثم أجهزت
على الثاني في إحدى ليالي القَدْر المباركة!..
سيّئ الذكر:
(أيهود باراك)، اليهودي الصهيوني، غرق في دماء شهداء انتفاضة
الأقصى المبارك، ولم تنفعه، كما لم تنفع كيانه، كل قوارب النجاة
المصمّمة في (كامب ديفيد) و(واشنطن) و(نيويورك) و(شرم الشيخ) ..
وفَرَّ ذليلاً مهزوماً صاغراً من جنوبيّ لبنان، قبل أن تبتلعه
الرمال المتحرّكة، كما ابتلعت سابقَيْه: (بيريز ونتنياهو)، لكنّ
انتفاضة الأقصى كانت له بالمرصاد، ولم يُجْدِهِ نفعاً قارب النجاة
الأميركي، فغرق في بحر عنصريّته، وعنصريّة مجتمعه اليهوديّ
الصهيونيّ المتطرّف الفاسد!.. الذي قدّم الإرهابي المجرم: (آرئيل
شارون)، ورقةً أخيرةً، لإنقاذ الكيان المصطنع، المصنّع في أنابيب
الصليبية الغربية .. من الغرق في خضمّ حقده وإمعانه في الاحتلال
والإجرام!..
الإرهابيّ
الأحمق (شارون)، انطلق من حيث انتهى صنوُهُ (باراك)، لمتابعة حلقة
الإرهاب والغطرسة، رُبّاناً للمركب اليهودي الصهيوني، تحت غطاءٍ
كاملٍ وصمتٍ تامٍ من قبل العالَم الغربيّ الصليبيّ، بما فيه المقرّ
الرسمي للإرهاب العالمي، الكائن في البيت الأبيض الأميركي!..
كان
الإرهابيون المتستّرون بمقولات (مكافحة الإرهاب) يتوقّعون أنّ
(الثور الشاروني)، سيكون جامحاً ساحقاً ماحقاً، فتنتهي مقاومة
الاحتلال، ويتم القضاء على الانتفاضة قضاءً مُبرماً!.. لكنّ
(شارون) خيّب آمال حلفائه الإرهابيين، ولم يكن بغطرسته وإجرامه،
إلا القابِلة القانونية، التي استولدت أدوات غرقه وغرق كيانه
الصهيوني من رحم الانتفاضة المباركة!.. فكانت العمليات الاستشهادية
في عمق هذا الكيان، إحدى أهم الأدوات التي وُلِدت مكتملة النموّ
معافاة!.. وكانت عمليات المقاومة الضاربة في (تل أبيب) وعمق الكيان
المسخ، التي اشتدّت بعد مدةٍ وجيزةٍ من اعتلاء المجرم الإرهابي
(شارون)، هرم العصابة الحاكمة في الكيان الصهيونيّ .. نموذجاً
واضحاً للأدوات المثالية، بكلّ صورتها الدقيقة وتداعياتها، التي
كشفت هشاشة المجتمع العنصري الصهيوني، وحقيقة بنائه الرمليّ
المتداعي!..
عمليات
المقاومة البطولية في كبد الكيان المسخ وقلبه، لقّنت اليهود
الصهاينة ومَن وراءهم درساً بليغاً باللغة التي يفهمونها، جوهره:
إنه لا يمكنهم العيش بأمانٍ وسلام، على وَقْع مجنـزراتهم، التي
تحرث الأرض العربية الفلسطينية!.. وأنّ هذا النوع من اللعب
والتمتّع بمشاهد الدماء والدموع والجنازات العربية المسلمة ..
ممنوع منعاً باتّاً!.. فمَن يرغب في الاستمتاع بمشهد دم طفلةٍ
رضيعةٍ من مثل: (إيمان حجّو) ومثيلاتها، عليه أن يكون مستعدّاً
للغرق في بحار الدم المتدفّق من قلبه وخاصرته وصدره!.. وهكذا كان
لا بدّ من سفينة نجاةٍ ضخمةٍ هذه المرّة، لقَطْرِ الإرهابي (شارون)
وكيانه المزعزع!..
لم يكن مجرم
الحرب الأميركي: (بوش الصغير) .. إلا (المهندس) الذي صمّم مخطّطات
بناء سفينة النجاة الأميركية الضخمة!.. ولم يكن بعض الحكّام العرب
المشتركون في الزفّة الأميركية الصهيونية، إلا (البَنّائين)
المنفّذين لتصميم سيّدهم المهندس الأميركي الصهيوني!.. فشرعوا -بعد
إنجاز مهمتهم في التواطؤ على احتلال العراق- ببناء سفينة النجاة
المذكورة، التي ستَقْطُرُ القارب الصهيونيّ، الغارق في مزيجٍ من
الدماء والرمال المتحرّكة، وذلك بافتتاح أول ورشة بناءٍ ذات أهدافٍ
تآمريةٍ قذرةٍ .. على أمة العرب والإسلام!.. وهكذا ظنَّ الطائشون
الجبناء، أنّ خطوتهم الدنيئة باغتيال شيخ المجاهدين ورمز المقاومة
(أحمد ياسين).. سيؤمّن لهم سفينة نجاتهم، وما علموا أنهم بذلك
يبنون أدوات سحقهم وإبادتهم، ويشيّدون رافعةً ضخمةً لجهاد شعبٍ
مقاوِم، ولإيقاظ أمّةٍ نائمة، ستكتسح بإذن الله كل مجرمٍ جبانٍ
صهيونيٍ أو أميركيٍ نذلٍ متواطئ، أو خائنٍ منافقٍ عميلٍ!..
ما يدعو إلى
الدهشة وارتفاع المعنويات والثقة باقتراب نصر الله عز وجل في آنٍ
.. هو تلك البذور المدمِّرة، التي نثرها عباقرة الهندسة والبناء
الأميركيون والصهاينة، في سفينتهم قيد البناء!.. فكلّ ما قدّمه
المعلّم المهندس، وما سينفّذه البنّاؤون العرب من مكرٍ وأفكارٍ
ومخطّطات .. يحمل بذور خرابه بين طيّاته!.. وإلا ما معنى أن تصبّ
كل الجهود، لحماية الجلاّد من ضحيّته، ولتحقيق أمنه وسلامه، من
خلال حلولٍ أمنيةٍ مسكِّنةٍ، تخلو من أي حلٍ سياسيٍ حقيقيّ، يعترف
بأنّ احتلال الأرض، وترويع أهلها، وممارسة كل أشكال القهر والظلم
والإجرام بحقّهم .. مخالف لكلّ الأعراف الدولية والإنسانية
والأخلاقية؟!.. وما معنى أن تُعتَبَرَ كلمة: (آه)، الصادرة عن
الضحيّة الذبيحة .. دليلاً قاطعاً على إرهابيّتها وعنفها غير
المبرَّر؟!.. وما معنى الاستنفار بالدرجة القصوى، للتحريض على
اعتقال طفلٍ مقاومٍ قاصِرٍ أعزل، بتهمة الإرهاب وارتكاب أعمال
العنف، لأنه (شَهَقَ) شهقةً مزعجةً، قبل أن تصعد روحه إلى السماء،
بفعل قذيفةٍ متحضّرةٍ انطلقت من دبابةٍ صهيونية الجنسية، أميركية
الصنع والمنشأ، تزرع الأمن والسكينة والاستقرار والسلام
الأميركي؟!.. وما معنى أن تكون أعمال المحتلّ المتغطرس في وطنٍ
محتَلٍّ، من قتلٍ وسلبٍ ونهبٍ، وتجريفٍ للأراضي الزراعية الحيّة،
وقطع أشجارها، وإبادة الحياة على ظهرها .. أن تكون لضروراتٍ أمنيةٍ
تحفظ أمن ذلك المحتلّ المعتدي؟!.. وما معنى أن يزعم المهندس
الأخرق، أنه سيحقق السلام في فلسطين، بينما جيشه الهمجيّ الفاشيّ
يشنّ حرباً ظالمةً لئيمةً، ويحتل بموجبها بلداً عربياً شقيقاً
مسلماً مجاوراً لفلسطين .. هو العراق؟!..
أما ما يدعو
إلى الاستغراب والاندهاش والمرارة في آنٍ .. أن يتحوّل بعض
الضحايا، إلى عمّالٍ ناشطين في ورشة بناء (سفينة النجاة
الأميركية)، لإنقاذ جلاّديهم من الغرق!.. فتتقزّم قضية العرب
والمسلمين المركزية بجهودهم العبقريّة الفذّة، إلى بنودٍ ينبغي
تنفيذها، في (متاهة الطريق) الأميركية الصهيونية!.. بعد أن
مَسَخوها سابقاً (أي القضية المركزية) إلى: بنودٍ مبهمةٍ كُتِبَت
في (أوسلو)، وشارعٍ حزينٍ في (الخليل)، وموقعٍ عسكريٍ في (غزّة)،
وسلطةٍ مسلوبة الأرضية والإرادة والهوية والشرف والمصداقية، وملهىً
ليليٍ في (أريحا) أو (رام الله)!..
ليس هناك مَن
يقدر من البشر، على إيقاف المقاومة المشروعة للاحتلال، أو إنهاء
الانتفاضة المباركة، لا المهندس، ولا البَنّاء، ولا العمّال، ولا
الجلاّد، ولا جحافل المتواطئين أو الخونة أو المشاهدين المتفرّجين
عن بُعدٍ من بليدي الحسّ الإنسانيّ والعربيّ والإسلاميّ!..
المقاومة تتوقّف فحسب، عندما تسير الأمور وفق السُنَن الكونية،
سُنَنِ الله عز وجل في الأرض .. حين ينتهي الظلم، ويزهق الباطل
المتمثّل في: الاحتلال، وسفك الدماء من غير حساب، وزرع الخراب
والدمار في كل بيتٍ آمنٍ وكل أرضٍ عاشقةٍ للحق والعدل والحرية
ورافضةٍ للقهر والظلم والعبودية!.. فهل يستوعب هذه البدهية، أولئك
الذين يصرّون على العوم ضدّ سُنَنِ الله عز وجل في أرضه؟!..
23 من آذار
2004م
************************
شهيد الشهداء
رجاء النقاش
صحيفة الوطن
القطرية 25/3/2004
الشيخ أحمد
ياسين هو شهيد الشهداء باجماع الآراء لو كان هناك استفتاء لاختيار
الشهيد الذي يستحق هذا اللقب الكريم، ولو أن أحداً سأل الشيخ أحمد
ياسين قبل استشهاده عما يمكن أن يقدمه لقضيته وشعبه لقال: دمي..
فهذا الذي حدث للشهيد الكبير كان حلماً له وأملاً يتمنى أن يتحقق.
وقد تذكرت بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين ما قاله شوقي في رثاء
الشهيد العربي الليبي عمر المختار الذي أعدمه الإيطاليون سنة 1931
وكان شيخاً كبيراً تجاوز السبعين. ويقول شوقي في رثائه للشهيد
العربي الليبي:
ركزوا رفاتك في الرمال لواءَ
يستنهض الوادي صباح مساءَ
يا ويحهم! نصبوا مناراً من دمٍ
يوحي إلى جيل الغد البغضاءَ
جرح يصيح على المدى، وضحية
تتلمس الحرية الحمراءَ
والتشابه
كبير بين استشهاد عمر المختار واستشهاد الشيخ أحمد ياسين، والشهداء
لا يموتون ولا يذهب دمهم هباء، بل هم كما يقول شوقي ـ بحق ـ
يستنهضون الناس ويصبحون «مناراً من دم» ويملأون نفوس الأجيال
القادمة بالبغضاء للاعداء الآثمين الذين يعتدون بوحشية وصفاقة على
الناس والأرض والتاريخ، وصورة الحرية الحمراء، التي رسمها شوقي في
أبياته صورة قوية وصحيحة، وليس هناك شعب نال حريته دون أن يقدم دمه
ثمناً لذلك، فالحرية حمراء، لأنها ملونة بلون الدم، ولم يعرف
التاريخ أبداً حرية بيضاء أو صفراء أو خضراء، لأن كل من يريد
الحرية لا بد أن يكون قادراً على التضحية، والحرية لا ينالها إلا
من يستحقها، ولا حرية لمن لا يستحقون الحرية ولا يدفعون ثمنها.
وها هو
الشيخ أحمد ياسين يقدم دمه الغالي ثمناً لحرية شعبه، وقد سال دم
الشيخ في مشهد بالغ الروعة، فقد كان الشيخ خارجاً من لقائه مع ربه
بعد صلاة الفجر، وهذا في حد ذاته دليل حي على عظمة إيمان الرجل
واستعداده للشهادة، فقد كان الشيخ الشهيد على علم تام بأنهم يريدون
دمه، وأنهم ينقمون عليه إصراره التام على حقوق شعبه، وعدم تردده في
الدفاع عن هذه الحقوق التي هي حقوق مقدسة عنده وعند كل عربي مخلص
صادق حريص على مستقبل وطنه وأبنائه.
شارون
ارتكب جريمة قتل الشيخ ياسين وأعلن أنه هو القاتل وأنه أشرف بنفسه
على تنفيذ الجريمة، وليس ذلك بغريب على شارون، فتاريخه ملوث بدماء
الأبرياء من الفلسطينيين، وقد بدأ حياته وهو في الرابعة والعشرين
من عمره سنة 1953 بمذبحة «قبية» الشهيرة التي قتل فيها حوالي سبعين
عربياً في ساعات قليلة، وشارون هو المجرم الأول في مذبحة صبرا
وشاتيلا سنة 1982. وفي هذه المذبحة تم قتل المئات من الفلسطينيين،
ويؤكد البعض أن القتلى بالآلاف، وللأسف الشديد فإن أحداً لا يعرف
حتى الآن العدد الحقيقي لضحايا هذه المذبحة الشارونية، ولا أحد
يحقق فيها ولا أحد يحاسب شارون عليها، بل إنه على العكس يجد مكافأة
من جانب يهود "إسرائيل" الذين انتخبوه ووضعوه في موضع قائدهم ورئيس
وزرائهم، وهكذا يتخلى يهود "إسرائيل" عن مسؤوليتهم تجاه أنفسهم،
ويختارون مجرماً سفاحاً معادياً للإنسانية يجعلون منه رجل دولة
ورئيساً للوزراء.
ومن المؤلم
حقاً، وإن لم يكن غريباً ولا شاذاً، أن تتخذ أميركا على لسان كبار
المسؤولين فيها ذلك الموقف المخزي من جريمة اغتيال الشيخ ياسين،
فكونداليزا رايس تقول: «إن حماس منظمة إرهابية وأحمد ياسين إرهابي»
وهذا التصريح، وإن لم يستخدم كلمة التأييد أو الموافقة، هو في
حقيقته تأييد للجريمة وموافقة عليها، وأسخف من تصريح «رايس» وأكثر
منه سوءاً تصريح المسؤول في الخارجية الأميركية الذي يطالب بضبط
النفس، وبذلك تثبت أميركا أنها شريكة في الجريمة ولن تستطيع أبداً
أن تغسل يديها من دم الشيخ الشهيد.
************************
لا تحزنوا على الشهيد
بقلم: د. راندا محمد مصطفى
صحيفة الأهرام
24/3/2004
لقد قدم
اليهود للشيخ أحمد ياسين كل ما كان يحلم به.. بل أكثر مما كان
يحلم به... قال حين مرة لأحد المقربين له: لا أخشى الشهادة بل
أحب الشهادة... حين يريدونني سيجدونني في مقعدي المتحرك.. فأنا
لا أختبئ..
لقد منحوه
الشهادة في أعلى رتبها.. الشهادة بعد أدائه فريضة ربه...
الشهادة بعد خروجه من صلاة الفجر... ما أحلى تلك الشهادة.. ما
أحلى هدية الصهيونية لذلك الشيخ الجليل الذي أمضى حياته في الجهاد
في سبيل الله.. من أجل تحرير وطنه... الجهاد في سبيل الوطن,
وهو أعلى مراتب الإيمان... ومن نعمة الله عليه أن من الله عليه
بالشهادة على تراب ذلك الوطن.. لقد سقى دمه تراب تلك الأرض
وسينبت مكانه ألف ألف شيخ أحمد ياسين.
لقد أهدوه
- اليهود - أحلى ما يتمنى أي مسلم في أي بقعة من بقاع تلك
الأرض... كل نفس ذائقة الموت حين يأتي الأجل.. يأتي في أي مكان
وفي أي زمان والشيخ أحمد ياسين انتهى أجله عند تلك اللحظة.. ولكن
أنعم الله عليه بالشهادة أنعم الله عليه بالحياة الأبدية في جنات
النعيم.. لقد اختبره الله بالشلل وصبر واحتسب واستمر في الجهاد
في سبيل الله معلياً كلمة الله في الأرض مدافعاً عن أوطانه...
متحملاً الإيذاء والسجن والاعتقال من أجل هدف أكبر وأسمى من كل متع
الدنيا الزائلة.. من أجل صحبه رسول الله وصحبة المجاهدين
والشهداء والأبرار في جنات النعيم الأبدية, لقد أهدى اليهود
الشيخ أحمد ياسين أكثر مما كان يحلم به ويتمناه... فكم عدد
المسلمين الذين ترحموا عليه ودعوا له بالرحمة وقرءوا الفاتحة على
روحه الطاهرة.. لقد توحد المسلمون في شتى بقاع الأرض في الدعاء
له.. لقد توحد المسلمون أخيراً في الحزن عليه وفرحه على شهادته
ولقائه لربه وهو مجلل بدمائه الزكية.. دماء الشهيد..
سيدي الشيخ
الجليل...
لقد أديت
رسالتك حياً وشهيداً... لقد قدت مسيرة الجهاد ووحدت الكثير من
أبناء وطنك وأنت حي.. ووحدت أكثر مشاعر المسلمين وقلوبهم وأنت
شهيد..
سيدي الشيخ
الجليل..
هنيئاً لك
بتلك الشهادة المهيبة.. وهنيئا لك بجنات الخلد في صحبة الشهداء
الأبرار.. هنيئاً لك بدعوات قلوب المسلمين في شتى بقاع الأرض..
وهنيئا لأرض فلسطين التي سينبت في ترابها الآلاف من المجاهدين
الذين ارتووا بدماء الشهيد في لحظات الفجر المباركة..
سيدي الشيخ
الجليل..
يوما ما
ستتحرر فلسطين.. وسيعود إلينا بيت المقدس يومها سترفرف روحك
الطاهرة على القدس الشريف وهناك سنصلى عليك ألف مرة ومرة.. هناك
في مدينة القدس.. مدينة الصلاة سنصلي...
(ولا تحسبن
الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) سورة
آل عمران 169.
************************
"حماس" والقمة العربية
جورج علم
صحيفة السفير
اللبنانية 25/3/2004
كان أول
انتصار حققته "حماس" بعد اغتيال قائدها الروحي الشيخ أحمد ياسين
أنها حافظت على وحدة الصف، فاختارت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي
قائداً لقطاع غزّة، وثبتت القيادة، ورئاسة المكتب السياسي لخالد
مشعل.
العبر من
هذا الاختيار كثيرة: خرجت الحركة بسرعة من هول الصدمة، وأظهرت
أطيافها قدراً كبيراً من التماسك والحرص على وحدة الصف والهدف، في
وقت كانت رهانات "إسرائيل"، على تعميق الشرخ بين قياداتها عند
البحث في اختيار البديل، ثم التصادم والاقتتال.. وأخيراً توجيه
رسالة عاجلة الى قمة تونس العربية تؤكد استمرار المقاومة من خلال
استمرار الحركة في الاضطلاع بالدور الذي نذرت نفسها له.
لن تشارك
"حماس" في قمة تونس العربية، لكنها ستتصدر النقاش، انطلاقاً من
اغتيال قائدها، إلى صلابة معدنها على الصعيد التنظيمي حيث الولاء
عندها للقضية والهدف، وليس للشخص أو المصالح الخاصة، ثم إلى الدعم
الذي يفترض أن يقدم حفاظاً على ما تبقى من ماء وجه تجاه مقاومة
فلسطينية عربية محقّة لم يبق فيها من حضور عربي سوى مواقف منبرية
على مستوى الشارع، لا الأنظمة.
اما الدعم
المنتظر من القمة، فعناوينه باتت واضحة: التطرق الى اغتيال أحمد
ياسين، وذلك عندما يطرح البند المتعلق بالنزاع العربي الإسرائيلي
على بساط البحث، وهذا يعني أن الاغتيال لن يدرج كبند خاص مستقل، ثم
التأكيد على الوفاء بالالتزامات المالية، وفق الأنصبة المحددة
للشعب الفلسطيني، والمقدرة ب330 مليون دولار، في حدود 55 مليون
دولار شهريا ابتداءً من أول نيسان المقبل، والسعي في قمة الملوك
والرؤساء والأمراء إلى "تمرير" ما اتفق عليه المندوبون لجهة منح
صندوقي الاقصى والانتفاضة مبلغ 150 مليون دولار، بعد أن يوافق
وزراء الخارجية العرب على ذلك عندما يلتقون في تونس اعتباراً من
يوم غد.. وما عدا ذلك فإن القمة ستندد "بحائط الفصل العنصري" الذي
تقيمه "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة والذي "يقطع
أوصالها ويحولها إلى كانتونات معزولة". كما ستؤكد على "عروبة
القدس، وعدم شرعية "إسرائيل" لضمّها"، وضرورة حل قضية اللاجئين
"حلاً عادلاً، ورفض محاولات توطينهم في الدول العربية"، وتوجيه
"تحية تقدير وإجلال للشعب الفلسطيني، والرئيس ياسر عرفات على
صمودهم في وجه العدوان الإسرائيلي، ونضالهم للحصول على حقوقهم،
وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس".
العناوين
هذه غير مغرية، ولا تتناسب مع بشاعة السياسة التي تعتمدها
"إسرائيل" ضد الشعب الفلسطيني، ولا حتى مع سياسة الاغتيالات التي
تستهدف رموزه، وقياداته، وباستثناء الدعم المالي الذي يمكن وصفه
بالعملي، يمكن القول إن الباقي من القرارات والتوصيات، هو في حدود
اللياقات الادبية لا أكثر، أو في حدود البيانات الانشائية التي
تبقى حبراً على ورق، في وقت يأمل فيه الشارع العربي بأن تخرج القمة
بقرارات استثنائية جريئة تتناسب مع فظاعة الممارسات، والاغتيالات،
والردود على المطالبات العربية بالسلام العادل والشامل وفق ما جاء
في مبادرة قمة بيروت، بمزيد من سياسة القمع، والعنف، والاحتلال،
والإمعان في انتهاك الحقوق والمحرمات.
ما يقال
وراء بعض الكواليس إنه في حال أقدمت القمة العربية فعلاً على تبني
هذه القرارات والتوصيات الخاصة بالقضية الفلسطينية، فإن ذلك يعتبر
ذروة في الجرأة غير المتوقعة أمام المراقب الاميركي الذي اتخذ كامل
احتياطاته ليتابع وقائع القمة، بصورة مباشرة، ويرصد مواقف وآراء كل
طرف من الأطراف المجتمعة لكي يعاتب، ويحاسب في ما بعد في ضوء
مقتضيات مواقفه ومصالحه من البنود، والمواضيع المدرجة على بساط
البحث..
"ويكفي
القمة، كما يقول بعض الدبلوماسيين، أنها لن تتخذ توصية كما تريد
واشنطن بتصنيف حماس كمنظمة إرهابية لكي تؤكد بأنها حاولت بكل ما
تملك من إمكانات في ظل المعايير الأميركية أن تقدم أقصى ما يمكن من
دعم للمقاومة الفلسطينية".
************************
ماذا نفعل بكرسيك أيها الشيخ؟
خيري منصور
صحيفة الخليج
25/3/2004
لمن أخلى
الشيخ أحمد ياسين كرسيه المتحرك؟ لأمة مقعدة أم لتاريخ أصابه
الكُساح؟ هذا سؤال لا بد أنه خطر ببال من ألقوا نظرة الوداع ما قبل
الأخيرة على الشيخ الشهيد، وعلى كرسيه الذي كان بعجلاته البدائية
أسرع من أحدث السيارات، والمُجَنزرات.
كان الشيخ
ياسين الأخفض صوتاً بين ساسة أدرجوا في عداد ما سُمِّي الظاهرة
الصوتية المتلفزة، وكان الأقل كلاماً، في زمن العيّارين والثرثارين
وباعة الدم في كل المزادات، لكنه كان الأطول باعاً وذراعاً، والرجل
المقعد الذي يرتعد من ذكر اسمه جنرالات مدرَّبون على القفز
بالمظلات.
لهذا
قتلوه، وأعدّوا له ما استطاعوا هذه المرة من الأباتشي والصواريخ
التي تكفي لقتل وتفتيت من هم أسمن منه بكثير، وأرشق منه في الفرار.
لكأننا
أعطينا هذه السيقان التي امتزنا بها على الشيخ كي نطلقها للريح،
وننجو، أما هو فقد مكث في لحم بلاده، منذ الزنزانة حتى الاستشهاد
في لحظة الشفق، وبعد وضوء بالدم يليق بأمثاله.
كان أحمد
العربي هذا يعرف نهايته ويشمّها عن بعد، من خلال دم لا يطيق
الإقامة في الشرايين إذا فرض عليها الاحتلال والخنوع، لهذا لا بد
أنه كان يودّع نفسه في كل فجرٍ كي يلتقيها في الغروب!
لقد اختار
شارون أن يحتفل بالذكرى الأولى لسقوط بغداد على طريقته، فذبح أحمد
ياسين بيده، وبالسكين ذاته الذي ذبح به أطفال قبية، وجنين، ورفح،
لكن الفلسطينيين أيضاً قرّروا الاحتفال بالذكرى ذاتها على طريقتهم،
ولم يكذبوا.. ولن يكذبوا، مادامت الأرواح على أكفّ الفتيان
والفتيات، طليقة من شهوة الحياة حتى لو كانت مجرَّدة من الكرامة.
أخرج الطفل
أحمد من عسقلان كي يعود إليها شيخاً جليلاً، تلمع في عينيه ابتسامة
عمر المختار الأخيرة، ولا بد أن خليل الوزير وغسان وناجي وبقية
العائلة كانت بانتظاره في تلك الظهيرة، فالزفاف لا يليق إلا به،
وهو مأذون العرس الذي عقد الزواج فيه بين تاريخ عنيد وعاشق
وجغرافيا أشدّ عشقاً وعناداً!
لمن تركت
أيها الجليل الشهيد والشاهد كرسيك المتحرك الذي احتاج إيقاف عجلاته
إلى طائرات أباتشي وحزمة صواريخ؟
إن كنت
أخليته لطفل من أحفادك أعدّوا لساقيه مقصلة، فالتاريخ يقبل مثل هذا
التكرار، وإن كنت أخليته لربع مليار من بني جلدتك أصابهم الشلل،
فهذا شأن آخر، بل هو الشجن المزمن في الروح!
أما أنت
فقد مشيت على قدميك معافى إلى عسقلان، فالشهداء أمثالك يموتون كي
يتفرّغوا للسهر.. ويخلون الكراسي المصمّمة للمقعدين كي يثبوا
كالخيول العربية الأصيلة إلى مسقط الروّح!
ما الذي
أخافهم منك أيها الشيخ الطاعن في المرض والسجن والحرية؟ وهم الذين
يطاردون كرسيك المتحرك بالطائرات والصواريخ؟
أخافهم منك
إصرارك، ونزاهة ضميرك الوطني، وإسلامك غير السياسي وغير التجاري
وغير المعروض للإيجار في واجهات الأيديولوجيا والمعارض الطائفية.
لقد فشل
أطباء كثيرون من أبنائك في إعادة العافية إلى ساقيك.. لكن صواريخ
أعدائك نجحت في إطلاقك كالسهم، وأنت الذي لملمت بيديك أشلاءك،
ووضعتها في صُرَّة لعلها خرقة أمك، أو كوفيتك ومضيت إلى عسقلان،
ولا بد أنك تعبت قليلاً قبيل وصول الدار.. لأنك حملتنا على كتفيك.
أعادوك ولم
يقتلوك، وتلك هي المفارقة الخالدة التي يفوتهم إدراكها، لأن عمى
الكراهية حجب عنهم شمس الحقيقة، وأصابهم أيضاً بالصمم، فلم يسمعوا
سوى موائهم وعوائهم فيما كان صهيلك يبقع الأفق بالأحمر الفلسطيني
الفصيح!
كم شهيد
عربي ومسلم أضاف رحيق روحه إلى زفيرك الأخير، وكم شجرة أرملة، وجبل
يتيم مشى في جنازتك العلنية في زمن الجنازات السرية، حيث يُدفن
المغدور تحت قدمي أبيه، ويؤذن الخائف في الجرّة، رغم وفرة المآذن
والكهرباء!
لم تكن
أيها الجليل الأول، رغم أنك من الأوائل في حاسوبنا الأبدي، وليس في
حاسوبهم الذي أعدَّ لإحصاء الماء لا الدم!
فهل نقف
طابوراً أيها الشيخ كي نتبرع لغابة الجراح في جسدك بالحبر؟
فنحن نهرع
كلما سقط صاروخ على ظهر واحد من أغلى رجالنا حاملين زجاجات الحبر،
وما أكرمنا في هذا التبرُّع.
لقد قتلوك
كما تشتهي لا كما يشتهون، وكنت متوضئاً، خارجاً للتوِّ من حضرة من
لم تخف أو ترتجف إلا في حضرته، لهذا انتصرت في أقاصي الموت، وهم
اندحروا في أقاصي نشوة النصر الكاذبة.
معذرة أيها
الجليل، فأنت الآن العدّاء الذي لا نرى حتى غبار قدميه، ونحن
المشلولون، لهذا تركت لنا كرسيك المتحرك، لكن قاتليك حرمونا حتى من
هذا الكرسي عندما حطّموه لأنه حملك، فيا من حملتنا زمناً.. متى
سنحملك بلا تابوت؟
************************
اغتيال الشيخ والموقف الأميركي
د. أحمد عبد الملك
صحيفة الاتحاد
الإماراتية 25/3/2004
استقبلت
الحكومة الأميركية نبأ اغتيال الشيخ ياسين الزعيم الروحي لحركة
المقاومة الإسلامية "حماس" على أيدي قوات العدو الصهيوني وبتدبير
ومتابعة مباشرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي "أرييل شارون"، بدم
بارد. جاء في البيان المقتضب لمستشارة البيت الأبيض "كوندوليزا
رايس"، "أن الولايات المتحدة لم تبلّغ مسبقاً بعزم "إسرائيل" على
اغتيال ياسين"، داعية إلى الهدوء في المنطقة، ومحذرة في آن واحد
بلهجة "ودودة" بعدم قيام أي طرف بما يؤدي إلى تعكير الأجواء.
المتحدث باسم الخارجية الأميركية هو الآخر لم يكن بأقل من "رايس"
في مخادنته لإسرائيل، وعدم جرأته لفضح الجريمة الإسرائيلية
النكراء. فقد دعا الأطراف إلى "التزام الهدوء، وضبط النفس"، وأنهم
"الأميركان" يدرسون الأوضاع. أما المتحدث الأميركي"ريتشارد باوتشر"
فقد كان أكثر وضوحاً في الدفاع عن عملية الاغتيال، وأكثر تطرفاً في
تبرير العملية. فلقد تلاعب بالألفاظ جيداً معتبراً حق "إسرائيل" في
الدفاع عن نفسها ضد المجموعات الراديكالية أمراً مسلّماً به؛ في
الوقت الذي لم يشر إلى إدانة واضحة للعملية أو تبريرها، تماماً كما
فعل نظيره "سكوت" المتحدث باسم البيت الأبيض، وتردد عن توجيه أية
إدانة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة لإسرائيل عن هذه العملية
البشعة.
وحتى نشر
هذا المقال، قد يخرج الأميركيون ببعض كلمات التطمين المعتادة،
والتبرير المستند إلى "لعبة" الألفاظ في محاولة لذر الرماد في
العين، وتضليل الرأي العام كي يخفف من غلواء الاستنكار والغضب
لتعود المياه إلى مجاريها، وتستمر الولايات المتحدة في برنامجها
المعروف، تقوية "إسرائيل" وحماية أمنها، حتى مع مشروع الشرق الأوسط
الكبير. هل هذا هو مجمل الموقف الأميركي عشية اغتيال الشيخ ياسين
في حملة جبانة بالصواريخ التي أطلقتها مروحيات على الشيخ الذي لا
يتحرك من على كرسيه في وقت توجهه لصلاة الصبح؟
وإذا كان
الزعيم المقعد ذو البنية الضعيفة والإيمان القوي قد كان مصدر تهديد
لدولة الكيان الصهيوني؛ فإن أعمال "إسرائيل" الجبانة تتواصل بقتلها
الشيخ ياسين، منذ 1973 حيث اغتالت كبار قادة منظمة التحرير
الفلسطينية في بيروت، كمال عدوان وكمال ناصر ويوسف النجار. وفي
1979 اغتالت "أبوالحسن" قائد العمليات الخاصة في حركة فتح الكبرى
في بيروت. وفي 1988 مجموعة كوماندوز إسرائيلية تغتال "أبوجهاد"
قائد الجناح العسكري في حركة فتح، في تونس. وهنالك قائمة كبيرة
بأسماء ضحايا العدوان الإسرائيلي المتعمد مثل فتحي الشقاقي ويحيى
عياش وأبوعلي مصطفى وإسماعيل أبوشنب وغيرهم. أما قادة حماس بالذات
فالقائمة أطول ممن قامت "إسرائيل" بتصفيتهم علناً ودون رادع من
قانون أو دولة "متحضرة".
وإذا كان
الشعب العربي بأطيافه واتجاهاته قد خرج أمس معبراً عن الغضب الشديد
للعملية الجبانة التي راح ضحيتها "الرمز" ياسين، فإن المتوقع من
الجامعة العربية أن تكون على مستوى المسؤولية، ولا يقل حماسها عن
حماس ملايين الشعب العربي الذين خرجوا إلى الشوارع غاضبين ليس ضد
عملية الاغتيال فحسب، بل ضد الأوضاع المتردية في العالم العربي،
بحيث يختلف بيانها المرتقب للقاء قادة دول العالم العربي في تونس
بعد أيام قلائل (29-30 مارس الحالي) عما قاله الأمين العام للجامعة
السيد عمرو موسى، بأنه "يظهر بوضوح أن الحكومة الإسرائيلية لا
تكترث بوجود يدٍ ممدودة للسلام". وأن "إسرائيل" "ترفض الاستقرار
والهدوء وتسعى بكل قوة لنسف أية بادرة أمل في تحسين الوضع أو بعودة
الأمور إلى نقطة تسمح بالحديث عن تسوية سياسية". هذا الكلام المنمق
ما عاد يشفي غليل ملايين العرب الذين يرون اليد الإسرائيلية تزداد
طولاً لتنال من الشرفاء القليلين من العرب الذين يرفضون لبس
الأقنعة والتلذذ بالمحاسن اللفظية وعلم البديع.
المطلوب من
العرب في هذه المرحلة، وقبل أن تسدر "إسرائيل" في غيّها، التوجه
نحو دول الاتحاد الأوروبي الذي وضع النقاط فوق الحروف بصورة واضحة،
حيث أدان عملية اغتيال الشيخ ياسين، وجاء أن "الإعدامات غير
القضائية ليست مخالفة للقانون الدولي فحسب، بل تنسف أيضاً مبدأ
دولة القانون الذي يعتبر العنصر المركزي في مكافحة الإرهاب". وتابع
البيان الصادر عن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي "أن الاغتيال
يؤجج الوضع على الأرض"، وأن الاتحاد الأوروبي "يعترف لإسرائيل
بحقها في حماية مواطنيها من الهجمات "الإرهابية" لكن ليس لإسرائيل
الحق في تنفيذ عمليات إعدام غير قضائية".
نلاحظ أن
تعابير الاتحاد الأوروبي دقيقة ومؤثرة، وغير فضفاضة كالتعابير
الأميركية والعربية التي غالباً ما تشحن بالعاطفة والكلمات
الخطابية التي لا تؤدي إلى معنى جميل أو موقف قانوني للأوضاع.
إن العالم
العربي يثور بكل شوارعه وبيوته، والمطلوب في ظل هذا الظرف المهم،
أن يؤكد قادة الأمة العربية الذين سيجتمعون في تونس قريباً مصير
ومستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي. وأن "لعبة" حرق المراحل لن تفيد
في هذا الظرف، كما أن التنديد والشجب والاستنكار ما عادت تقنع
المواطن العربي وذلك من خلال الخطب السابقة وبيانات التخدير التي
حقن بها المواطن العربي منذ إنشاء الجامعة العربية قبل حوالى ستين
عاماً!
لقد قرأنا
وسمعنا البيانات العربية الرسمية بعد اغتيال الشيخ ياسين، وامتلأت
الفضائيات المتعطشة للكلام بالحضور المكثف للمحللين السياسيين
والصحافيين الذين -لا حول لهم ولا قوة في القرار السياسي العربي-
وتمنوا تمنيات وأملوا آمالاً عريضة، ولكن للأسف، سنعود من جديد إلى
المربع الأول. وعلى رغم تقديرنا بأن الشيخ ياسين سوف يبقى رمز
المقاومة، ويخرج ألف ياسين في غزة ونابلس والضفة، إلا أن الظلم
والعسف الإسرائيلي هو الذي سيستمر، ويصدر الأوامر القضائية دون
محاكمة بقتل القادة وأفراد الشعب الفلسطيني ودون رحمة ودون مراعاة
لقانون دولي أو رغبة في سلام وهمي تحاول الولايات المتحدة استخدامه
كـ"جزرة" لاستكمال المسيرة العرجاء لـ"وهم السلام". ولسوف نسمع بعد
أعوام قليلة عن مشروعات جديدة للسلام تقودها الولايات المتحدة،
وتلقي بها كالقذى في عيون العرب التي أصابها رمدٌ طويل الأمد. إن
"إسرائيل" قد أهانت العرب إهانات عديدة، وتفردت في قرارات الدم
والاغتيالات في الوقت الذي تضع يداً بقفازات بيضاء على معاهدات
السلام، وتوهم العالم المتحضر بأنها تدعو إلى السلام وتمارسه،
بينما الجانب الفلسطيني هو الذي "يقوّض" هذا السلام ويهدده.
على العرب
أن يدركوا طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ويحددوا
أسلوب تعاملهم معها على هذا الأساس، وأن قيام الدولة الفلسطينية
على التراب الوطني وعاصمتها القدس مع تنفيذ القرارات الدولية ذات
العلاقة بالصراع هو المخرج الوحيد من الطريق المظلم والدامي الذي
وصلت إليه الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. وإذا كانت الولايات
المتحدة ماضية في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، فإنه من العبث
تأسيس منطقة جديدة على أشلاء العرب الأنقياء والقياديين الذين
يدافعون عن شرفهم وأراضيهم المغتصبة. ومن الخطأ ترتيب بيت شرق
أوسطي جديد تكون أيادي بنائيه ملطخة بالدماء وموصولة إلى الصواريخ
والقاذفات.
************************
الشيخ أحمد ياسين لا يعد أيام الشهادة
غسان تويني
صحيفة النهار
اللبنانية 23/3/2004
هل قصد
أرييل شارون أن يعيّن نفسه، "عيناً قبال عين" أحمد ياسين، و"سناً
قبال سن"... كما في "العهد القديم"؟
إنها حقاً
لسابقة لا مثيل لها في تاريخ أي عهد وأي مجتمع، أن يجلس رئيس حكومة
تدّعي الشرعية والانتساب إلى النظام الدولي - أن يجلس على كرسي
الرئاسة، محاطاً بوزرائه، وأمامه الميكروفونات ليعلن بكل صفاقة
ووقاحة أنه هو الذي أمر - كأننا لم نكن نعرف - باغتيال الشيخ أحمد
ياسين، مستطرداً أن اغتياله، بالوسيلة البربرية التي استخدمت، هو
انتصار كبير لدولة "إسرائيل" التي تخلصت من عدوّها الأكبر!
"عين بعين،
وسن بسن"؟
إذاً...
وحده شارون يمكن أن يستأهل الانتقام... فهو العدو الأكبر... إنما
متميزاً بأنه ليس عدو الفلسطينيين والعرب أجمعين فحسب، بل هو كذلك
العدو الذاتي لإسرائيل.
ثم كذلك:
بأنه لن يستحق، ولو مات مضرّجاً بدمائه، لقب الزعيم الروحي لشعبه
أو حزبه...
إذ أين
لعينيه هذه النظرة الهادئة بل الهانئة، المبتلّة دوماً بدمعة
بلورية ولو كانت مبتسمة؟
غداً،
عندما يكتب مستحق سيرة الشيخ أحمد ياسين، ستستهويه روحانية الرجل
أكثر من قيادته للعمليات الاستشهادية.
على دفاعه
عن العنف، فيه شيء من زعامة غاندي.
أوَلم يكن
أسير كرسيّه الذي عليه استشهد، قبل أن يأسره الإسرائيليون؟
بل أكثر،
ألم يصطنع له، موضوعياً، كبيرُ الماكرين وسيّد البهلوانيات،
"القرد"(!) أرييل شارون دور نبوّة العنف عندما دفع به خارج السجن
والعنف العربي المنتفض في أوجه، ينتظر زعامة أكبر حجماً من أبي
عمار الذي كانوا بدأوا يأخذون عليه مهادنته؟
لكن الشيخ
أحمد ياسين لم يقع في "فخ الحرب الأهلية"، رغم فرض الإقامة الجبرية
(الفلسطينية) عليه مرتين.
الرجل الذي
كان منذ الثانية عشرة شهيد مرضه، مقعداً، أسيراً على كرسيه حيث
اغتالته صواريخ، يستحق أن يشبّه بالمهاتما غاندي، "نبي اللاعنف".
حسبنا
مخاطبته القضاة الإسرائيليين الذين حكموا عليه بالسجن المؤبد، عام
1991، إذ قال:
"الشعب
اليهودي تجرّع كأس المعاناة وعاش مشتتاً في العالم، واليوم إنه
الشعب نفسه الذي يجبر الفلسطينيين على تجرّع هذه الكأس. التاريخ لن
يسامحكم والله سيحكم على الجميع".
وحده هذا
الكلام، كان يستحق من البابا يوحنا بولس الثاني أن يرثي من ولد في
منزل متواضع بنى بجانبه جامعاً للصلاة صار مركز الجمعيات الخيرية
التي سيّدته على الناس وزرعت حبه في قلوب المرضى مثله والمعوزين.
رثاه بابا
رومية. وكان أول رئيس دولة دانت شارون ولم تتردد في اتهامه بمخالفة
الشرائع الدولية.
"أنا هنا
في السجن لا أعدّ الأيام". قال الشيخ أحمد ياسين قبل إطلاقه. ولن
يعد الأيام في الدنيا الآخرة.
شارون وحده
الآن يعد الأيام. وسوداء، مضرّجة بالدم.
و"إسرائيل"
شارون كذلك.
************************
فلسطين ياسين
بقلم: أحمد عمرابي
صحيفة البيان
الإماراتية 24/3/2004
في آخر
حديث صحفي له قبل بضعة أيام من اغتياله قال الشيخ أحمد ياسين،
الرمز الأعظم للمقاومة الوطنية الفلسطينية إن على قادة "إسرائيل"
أن يدركوا أنه كلما توالت عمليات الاغتيال الشخصي التي تنفذها
القوات الإسرائيلية بحق قيادات وكوادر فصائل المقاومة كلما ازدادت
هذه الفصائل جسارة.
إنه حديث
يصدقه الواقع لسبب بسيط وهو أن فصائل المقاومة تعتمد في بقائها
واستمرار نشاطها على ينبوع بشري لا ينضب من الشباب الذي يتوفر
لديهم استعداد للتضحية بالنفس وتشوق أسطوري إلى العمل الاستشهادي،
وما لا يريد أن يدركه السياسيون الإسرائيليون- خاصة في اليمين
المتطرف- أن الفلسطينيين تجاوزوا نقطة اللا عودة في التخلص من عقدة
الخوف.
وتاريخ
حركات التحرر يخبرنا بأن التخلص من الخوف لا يكون وليد صدفة وإنما
ينتج من تراكمات الاضطهاد الذي تلقاه كوادر الحركة التحررية من
خصمها حين تبلغ هذه التراكمات عند نقطة زمنية ما مرحلة يستوي فيها
عند المناضل المقاتل الموت مع الحياة.
وفي هذا
السياق تفيد دراسة ميدانية أجراها الأخصائي النفسي الفلسطيني د.
إياد السراج على عينة ممثلة من الصبية الفلسطينيين ضمن الفئة
العمرية من عشر إلى ثماني عشرة سنة أن الطموح الأكبر للأغلبية
العظمى لهؤلاء الصبية هي أن يكونوا استشهاديين. وهذه الدراسة شهد
بصحتها خبراء إسرائيليون كما ورد في الصحافة الإسرائيلية. هذه هي
نوعية البيئة البشرية التي جري فيها اغتيال الشيخ أحمد ياسين زعيم
«حماس».
وإذا كان
أحد قيادات المقاومة الفلسطينية قد قال معلقاً على هذه الجريمة إن
"إسرائيل"، باغتيالها هذا الرمز العظيم، قد فتحت على نفسها أبواب
الجحيم فإنه لم يتجاوز حدود التعبير الصادق. فالجزاء سوف يكون من
جنس العمل ورد الفعل سوف يكون من طبيعة الفعل وحجمه.
ولا ندري
على وجه الدقة ما إذا كان أرييل شارون - الذي أصدر أمر الاغتيال
بنفسه- يدرك أن "إسرائيل" قد تجاوزت بهذه الخطوة البالغة الخطورة
خطاً أحمر هو في الحقيقة أشد الخطوط حمرة.
فبعد هذه
الحادثة الشنيعة لا شك أن فصائل المقاومة الوطنية أصبحت متحررة من
أي قيد انضباطي وتصعيدي وضعته على نشاطها. ولذا فإن «فتح أبواب
الجحيم» سوف يعني على أقل تقدير أن العمل الاستشهادي سوف ينتقل
نوعياً من استهداف الحافلات والمطاعم في "إسرائيل" إلى استهداف
مواقع استراتيجية إسرائيلية بالإضافة إلى شخصيات سياسية إسرائيلية
ذات اسم وحجم.
وفي سياق
هذه النقلة النوعية سوف يؤدي الرحيل الدموي للشيخ ياسين إلى ازدياد
إقبال الشباب الفلسطيني على العمل الاستشهادي بأضعاف مضاعفة. وسوف
يؤدي أيضاً إلى تضامن وتلاحم أقوى بين الفصائل الرئيسية: كتائب عز
الدين القسام (حماس) وكتائب شهداء الأقصى (فتح) وسرايا القدس
(الجهاد الإسلامي).
على الصعيد
السياسي فإن هيجان التيار الشعبي العارم الناتج عن اغتيال الشيخ
ياسين سوف ينعكس سلباً على صورة السلطة الفلسطينية ورموزها فيجرفها
إلى الهامش. وفي ظرف كهذا سوف يجد الرئيس عرفات نفسه أمام خيارين
حادين لم يواجه بمثلهما طوال حياته السياسية الطويلة: إما أن يركب
الموجة الشعبية فيتجدد وهج زعامته الذي خبا وإما أن تتضاعف عزلته
مما يحفز شارون إلى إقصائه خارج الأرض الفلسطينية.
وفي كل
الأحوال سوف يدخل اليوم الثاني والعشرون من مارس 2004 - يوم اغتيال
الشيخ ياسين - صفحات التاريخ كمعلم هام على طريق المقاومة
الفلسطينية. ولعل أقرب مثال موازٍ هو رحيل «هوشي منه» زعيم
المقاومة الفيتنامية في عام 1969. فبينما ظن الأميركيون أن غيابه
سوف يؤدي إلى إضعاف معنويات المقاومة وبث الوهن في صفوف كوادرها
فإن العكس هو الذي حدث.
في هذا
الصدد يقول الصحفي الكندي مايكل ماكلير في كتابه عن الملحمة
الفيتنامية «حرب العشرة آلاف يوم»: «بينما كان الخبراء والصحفيون
الغربيون يتنبأون بحدوث تنافس وشقاق في صفوف الثورة الفيتنامية لدى
موت الزعيم فإن الفيتناميين ضموا صفوفهم أكثر. وليس هناك شك في أن
كل مقاتل فيتنامي قاتل بشراسة أكثر بعد وفاة قائد الثورة». وبعد
فإن جسارة النضال الوطني تأتي أولاً من عقيدة إيمانية قبل أن تأتي
من السلاح.
************************
استشهاد الشيخ أحمد ياسين
منتصر لأنك فلسطيني.. منتصر لأنك كتائب القسام
بقلم: علي بدوان*
صحيفة البيان
الإماراتية 25/3/2004
الجريمة
البشعة التي اقترفتها حكومة شارون، ومجلس وزرائه الأمني المصغر،
باغتيال الشيخ المقعد أحمد إسماعيل ياسين، وباستخدام أرقى
تكنولوجيا السلاح والعتاد الأميركي، وصمة عار على جبين قادة
هولوكست العنصرية الفاشية الصهيونية، التي لم تثنها حدود الأخلاق
الإنسانية من التطاول الدموي على الجسد النحيل لحالة سياسية، وليست
عسكرية، تحمل صفة تعبيرية ورمزية في صفوف الشعب الفلسطيني.
فالجريمة
أتت بعد أيام قليلة من عملية ميناء أشدود النوعية، التي نفذتها
مجموعة مشتركة من كتائب القسام والأقصى، حيث هدد شارون على أثرها
قائلاً: «إن الصيد الثمين ينتظرنا في مواجهة من دخل أرض المحرمات
في ميناء أشدود»، وتذكرنا بالجريمة المشابهة التي اقترفتها حكومة
اسحق رابين باغتيال الشهيد خليل الوزير بعد العملية البطولية التي
نفذتها حركة فتح قرب مفاعل ديمونا عام 1988، وحينها أطلق رابين
تهديداً مشابهاً لما أطلقه شارون بعد عملية ميناء أشدود.
وكما ترجل
خليل الوزير بعد عملية ديمونا التي نفذتها مجموعة من قوات الـ 17
التابعة لحركة فتح. نقول، باستشهاد القائد الشيخ أحمد إسماعيل
ياسين ومرافقيه الشهداء، تكون حركة المقاومة الإسلامية (حماس)
والشعب الفلسطيني قد خسرا رمزاً وطنياً جاداً ومحبوباً، رمزاً
نظيفاً، صافي السريرة، حفر أزميل الزمن أخاديد الوقارعلى وجنتيه،
حيث تعلو وتطفح عليها سمات الحياء والخلق الرفيع باستمرار.
فالشهيد
الشيخ أحمد ياسين، وبشهادة من عرفه كان جزءاً من الوطنية
الفلسطينية قبل أن يكون حماسياً، وكان وحدوياً قبل أن يكون صاحب
انتماء وانحياز أيديولوجي/ سياسي، تشهد له على هذا بصماته الوحدوية
التي تركها على امتداد الأعوام الماضية بين فصائل قوى المقاومة
والحركة الوطنية والسلطة الفلسطينية، ويشهد له دوره في الشارع وبين
الناس في سياق الانتفاضة ومعركة العودة والاستقلال الوطني التي
يخوضها الشعب الفلسطيني منذ عقود متتالية.
وباستشهاد
القائد أحمد ياسين تكون الثورة الفلسطينية المعاصرة بمختلف
تكويناتها الفكرية والسياسية، قد ودعت ستة من الأمناء العامين لعدد
من فصائلها. فقد استشهد زهير محسن الأمين العام لمنظمة الصاعقة عام
1979، واستشهد الدكتورعبد الوهاب الكيالي الأمين العام لجبهة
التحرير العربية عام 1980.
واستشهد
الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العم لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين
عام 1995، واستشهد أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية عام
2001، واستشهد محمد عباس (أبوالعباس) الأمين العام لجبهة التحرير
الفلسطينية عام 2004، والآن يترجل القائد أحمد ياسين مؤسس حركة
حماس.
وأيضاً،
باستشهاد القائد أحمد ياسين، تكون قيادة حركة حماس قد ودعت خمسة من
قياداتها التاريخية المؤسسة: الشهداء صلاح شحادة، إسماعيل أبو شنب،
جمال سليم، جمال منصور، الدكتور إبراهيم مقادمة. كما كانت حركة فتح
قد ودعت ثلاثة أرباع عضوية لجنتها المركزية المؤسسة لها، الشهداء:
عبد الفتاح حمود، أبوعلي اياد، ممدوح صيدم، كمال عدوان، محمد يوسف
النجار، ماجد أبوشرار، سعد صايل، نمر صالح، خليل الوزير، صلاح خلف،
هايل عبد الحميد.
الشهيد
أحمد ياسين، الخطيب المفوه في قطاع غزة، حفر بالكد والتعب المضني.
وبالأظافر مسيرته العلمية انطلاقاً من مدارس وكالة الأونروا، فأمسى
حاملاً لشهادة الدكتوراه في علوم الشريعة الاسلامية واللغة
العربية، ترك ألقاب أكاديمية الجامعة الاسلامية في غزة، واتجه نحو
الهم الوطني الذي تعاظم داخل ثنايا مكونات جسده وشخصيته.
وداخل
سيكولوجيا اللاجيء الفلسطيني القادم قسراً إلى الجزء الآخر من أرض
الوطن في قطاع غزة من بلدة جورة عسقلان قضاء المجدل عام 1948 جنوب
مدينة يافا من الساحل الفلسطيني إلى أرض مخيم جباليا/ درة
الانتفاضة وشعلة المقاومة، وسط قطاع غزة، ومن ثم العيش والحياة في
قلب الهم المسكون داخل نفوس الفلسطينيين من لاجئين وغزازوة، وإلى
ميدان الولادة العملاقة لأجيال اللجوء والشتات وهي تحمل البيارق
دماً وباروداً وقرطاساً ومداداً من العطاء على طريق العودة.
هذا
الإطراء لذكرى الشهيد الشيخ أحمد ياسين ومرافقيه، ليس من حقه فقط
علينا نحن الأحياء الذين تربينا وعشنا في كنف الحركة الوطنية
الفلسطينية المعاصرة، بل هوالواجب بعينه في تأبين فرد من رموز
وشموس النضال والكفاح التحرري العادل للشعب الفلسطيني، خصوصاً وأن
الشهيد اللاجئ إلى قطاع غزة.
رحل وهوعلى
أرض فلسطين صابراً مثابراً كمن يقبض على الجمر الأحمر المتقد في
مواجهة عدو لا يرحم ولا يشفع ولا ينتظم لأية ضوابط أو أخلاق، وفي
زمن الانتكاسات والتراجعات العربية خصوصاً بعد سقوط بغداد، وهي
التراجعات التي لم تعط أحداً منّا نحن العرب والفلسطينيين على وجه
الخصوص سوى الويلات وانفلات وحش القمع الدموي الصهيوني.
وبالنتيجة،
فالخسارة ليست فئوية أو حزبية تخص طرفاً أو فصيلاً فلسطينياً دون
غيره، فالخسارة للوطنية الفلسطينية، في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون
الى فعل وجهد المزيد من القيادات العاقلة / الحكيمة التي تستطيع
وحدها أن تجنب الشعب الفلسطيني الجنوح تجاه مزالق الحروب والفتن
الداخلية التي تدفع نحوها حكومة شارون والاشتراطات الأمنية الثقيلة
التي تحملها خطة خريطة «اللاطريق» الأميركية وتطالب الطرف
الفلسطيني بانجازها ولو فوق جراح بعضه البعض.
ولعل في
استشهاد الشيخ أحمد ياسين تضحية مضاعفة، باعتباره في سقوطه
الاستشهادي قد ألجم دعوات «المقاطعة والانفلات الأمني والعزل
والمراوحة في الحوار الفلسطيني/ الفلسطيني». فاستشهاد القائد أحمد
ياسين بمثابة الترياق لإعادة توحيد الصف مرة ثانية - حيث يتوحد
الفلسطينيون دوماً بالمسرات والمصائب - وهو بهذا يستشهد مرتين مع
مرافقيه في شهادة واحدة على أرض قطاع غزة.
هذا في
الجانب المتعلق بدور وذكرى الشهيد أحمد ياسين. أما في الجانب
السياسي فإن عملية الاغتيال الإسرائيلية قد تجاوزت حدود كل
المحرمات والموانع وأصابت صميم القيادات السياسية الأولى للشعب
الفلسطيني بعد أن اكتفت في مراحل سابقة بتسليط معظم عمليات
الاغتيالات نحو الكوادر العسكرية ونشطاء الانتفاضة، ولم تتجاوز هذا
الحد إلا في الحالات المعروفة التي سقط فيها الشهيدان الجمالان:
جمال منصور
وجمال سليم، والشهيد أبو علي مصطفى قائد الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين، ومن بعده الشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة. وهذا التحول في
التصعيد الإسرائيلي يؤشر على السقف المفتوح الذي تعمل بموجبه حكومة
شارون وطاقمه الأمني والعسكري دون الالتفات إلى أي من المناشدات
الدولية لوقف شرارات دورة العنف.
ولم يكن من
الممكن لهذا السقف من السياسات الشارونية الدموية أن يكون مفتوحاً
لولا الصمت والسكوت الأميركي المطبق في ظل بوادر انفلات الوضع في
العراق والاستدارة الأميركية لتطويق ما يجري على أرض الرافدين.
إن عملية
اغتيال الشهيد أحمد ياسين، وانطلاق أصوات الوعيد والترهيب التي
تطلقها جنازير دبابات قوات الاحتلال وحوامات الأباتشي، لن تقود سوى
إلى مزيد من التدهور، واندلاع دوامة العنف من جديد: عنف الاحتلال،
والعنف المشروع للشعب المقاوم، وعندها لن يجد شارون وشاؤول موفاز
سوى الرد الممكن على يد شعب لم يتبق بين يده إلا جسده وحجارة
الانتفاضة للدفاع عن نفسه ومن أجل مستقبله الوطني.
وفي هذا
السياق، ووفاء لشهداء عملية الاغتيال الأخيرة، علينا ألا نكابر،
ونحن أمام الحدث الجلل ندفن الشهداء، فالشعب الفلسطيني وقواه ليسا
أمام عدو من النوع العادي، بل أمام قوة كبيرة مسلحة بتكنولوجيا
القمع الفائقة التطور، الأمر الذي يفرض على الطرف الفلسطيني درجة
عالية من حسن التصرف، وتحمل أوجاع الجروح النازفة بمزيد من الصبر
والإصرار على وحدة الصف والتقاط النفس، والقفز فوق حدود الاختلافات
والتباينات مهما علا شأنها أومقدارها.
فالوفاء
للشهيد المنتصر أحمد ياسين، يكون بالضرورة مزيداً من الوحدة
الوطنية، ومزيداً من التسامي والتعاضد، ومزيداً من القبضات
المشدودة الى أخمص البندقية والبرنامج السياسي الموحد.
* كاتب فلسطيني ـ دمشق
************************
قمّة الياسين!
خيري منصور
صحيفة الخليج
الإماراتية 27/3/2004
سهل علينا،
لتحقيق التوازن النفسي والوهمي، أن نطلق اسم الشيخ أحمد الياسين
على شوارع في عواصمنا، وعلى مدارس أيضاً، تماماً مثلما فعلنا
لحفيده الشهيد محمد الدرّة، الذي ما إن مضى عام واحد حتى نسيناه.
إن الشهداء لا يموتون بشكل رمزي فقط، كأن يقتل الأعداء ظلالهم كما
كانوا يفعلون في ساكسونيا، إنهم يموتون كي يفتدوا الأحياء، لهذا
يجب ألا يعامل موتهم بهذه الرمزية عديمة المحتوى، وبهذه الطقوس
الاحتفائية التي ما إن تُسدل الستارة عليها حتى ينتهي كل شيء.
إن دمهم في
أعناقنا، لأنهم بلغوا من الإيثار الخالص حداً يحرج هذه الأثرة
المجنونة التي تدفعنا أحياناً إلى التفكير بأننا نعيش أبداً، وبعد
أيام تنعقد القمة العربية في تونس، ولا أظن أن للزعماء فائضاً من
الوقت لزيارة قبر “أبوالقاسم الشابي” مثلاً، لاستذكار نشيده الجبار
أو نشيد بروميتوس، وتلك بالطبع حكاية أخرى.
أما
الحكاية من أولها، فهي أن ما قلناه قبل فترة عن المصادفة ذات
المغزى بين بيان القمة الختامي والأول من أبريل/ نيسان يجب أن يؤخذ
على محمل جدّي، فلا يتداول الناس بيان القمة الممنوع من الصرف
وكأنه "كذبة نيسان"، ولا يتفاقم الإحباط حتى نتحوّل إلى تنابلة
عاجزين حتى عن طرد الذبابة عن أنوفنا!
وما أجدر
الشيخ الياسين بأن تحمل القمة المقبلة اسمه، رغم أنه لم يكن ذات
يوم ممَّن يقاسمون القمم والقيعان حصصها ومقاعدها، وصولجاناتها!
وإن كان ما صدر عن القادة العرب حول استشهاد الشيخ جدياً، وليس
موسمياً، أو مجرَّد اسفنج للامتصاص، فإن الشيخ هو عنوان قمة لأنه
راهن منذ لثغ باسم فلسطين، على حرية شعبه، وشعب الياسين ليس
فلسطينياً فقط، لأن الرجل عربي الانتماء وإسلامي الهوية حتى النخاع
الذي بعثروه عند مدخل المسجد!
والتعبير
عن شجب الاغتيال على استحياء ومن خلال مواقف بروتوكولية وشبه
سياحية يجب أن يتوقف احتراماً لهذا الدم الذي سال من الشهداء
وإمامهم، ولهذا الدمع الذي ملأ عيون الناس وهم يشاهدون لحم الشيخ
يتطاير.. بالرغم من أن كرسيه نبت له جناحان، واخترق جاذبية هذا
الواقع السياسي الآسن.
ليس كثيراً
على شيخ مثله أن يُطلق اسمه على مؤتمر قمة، والعرب لم يبخلوا من
قبل على مؤتمراتهم بإطلاق الأسماء.. فهي قمم وفاق واتفاق.. وقمم
المنعطفات الحاسمة.. إلى آخر هذه القائمة من الأسماء!
لقد قرَّر
شارون اغتيال الشيخ وعلى هذا النحو الوحشي قبيل القمة العربية
بأسبوع أو أقل، وكأنه يرسل برقية عاجلة ممهورة بدم الشيخ إلى ذويه،
تماماً مثلما أرسل من قبل هدايا عدة لقمم وشيكة الانعقاد
والانفراط!
إن أمام
العرب في قمتهم التونسية فرصة واحدة للحفاظ على ما تبقى من ماء
الوضوء وماء الوجه وماء غسل الموتى، أمامهم أن يردّوا على تحية
شارون بأقل منها بكثير، لأن الله لا يكلِّف نفساً أكثر مما تطيق،
والنفوس الآن لا تطيق حتى أن تتنفس بكامل الرئات أو أن تصرخ من
الألم بملء الفم والجرح! وخصوصاً، أن قادة العرب يدركون جيداً بأن
اغتيال الشيخ لن يكون حدثاً عابراً رغم مأساويته، وقد يشكِّل نقطة
تحوُّل في المقاومة ويدشِّن الانتفاضة الثالثة قبل الألف!
فالاغتيال
لم يستهدف شيخاً عليل الجسد ومعافى الروح، بقدر ما استهدف رمزاً
عربياً وإسلامياً، لأن القتل كان على باب مسجد، وفي فجرٍ إسلامي
واحد رغم تفاوت التوقيت.
لقد أدمن
العرب منذ لحظة السقوط، على مخدرات لفظية، وطقوس فارغة من المحتوى،
كي يستطيعوا النظر إلى وجوههم في المرايا، وأخيراً النوم بلا
كوابيس أو أشباح تهزّ السرير!
لكن هذا
الإدمان أفقد المدمن الإحساس بما يتعاطى، لأنه أصبح بحاجة إلى
جرعات أكبر، وستستمر هذه المتوالية إذا لم يحدث قطع مباغت يزلزل
هذا الخمول ويحرِّك هذا الاستنقاع!
بماذا
سيمتاز العرب عن سواهم في مستوى الشجب والاستنكار لهذه المجزرة؟
هل سيقولون
ما قاله وزير خارجية فرنسا بلا تحفظ، وما قاله وزير خارجية
بريطانيا بتحفظ؟
هل
استأصلوا عروبتهم وعقيدتهم كالوشم غير المرغوب فيه وتحوَّلوا إلى
متفرجين على دمهم وما يحدث لهم ولأبنائهم؟
إن إطلاق
اسم الشيخ، الأحمد والياسين بكل ما لهذين الاسمين من قداسة في
الذاكرة العربية، على قمة تونس موقف معنوي يبلِّغ شارون أن الياسين
ليس يتيماً، وبلا أهل، وأن دمه لم ينزف في حادث سير!
والعرب
الآن، رسمياً وشعبياً، بحاجة إلى موقف معنوي على الأقل، يبرِّره
ويحرِّض عليه حدث جلل، بل جسيم ويصعب التعامل معه بلا مبالاة.
ولن تكلّف
تسمية قمة تونس باسم أحمد الياسين العرب بحيث يعلنون الحرب على
شارون، ويأمرون جيوشهم "الجرارة" بالتقدم إلى بيسان وعسقلان.. فنحن
أدرى بالحال، والله يحب السّتر.. لكن أضعف الإيمان هو ما نرجوه
ممَّن يزعمون طيلة الوقت أنهم من الذين آمنوا حتى "أمنوا"!
************************
|