تاريخ فلسطين.. شعب متجذّر ونكبات ولّت وأخرى
حّلت
خاص
"أرض بلا
شعب لشعب بلا أرض".. هذه هي الأكذوبة التي تأسست عليها أبشع جريمة
شهدها التاريخ الحديث.. اقتلاع شعب من أرضه وأرض أجداه.. والإلقاء
به في غياهب الشتات والتشرد.. ولم يكن خافياً على أحد أن الشعار
الذي روّجت له الصهيونية كان غطاءً لتنفيذ مخططات استعمارية
وسيلتها القتل والإرهاب وغايتها تكريس هيمنة الشمال على الجنوب.
ونستعرض
هنا، وعلى عجالة أهم المفاصل التاريخية لشعب فلسطين والتي تؤكد أن
هذا الشعب سكن هذه البقعة من الأرض منذ آلاف السنين.. ورغم تعرّض
هذا الشعب لاحتلالات وقتل وإرهاب وقمع إلا أنه ظل متمسكاً بحقه..
وربما أن انتفاضة الأقصى والتضحيات التي تقدمها على محراب الحرية
تمثل صورة من صورة التمسك الفلسطيني وعبر التاريخ بأرضه ووطنه
وحريته، ولا ريب أن هذا الشعب، ووفقاً لما تقضيه قوانين التاريخ،
النصر والحرية والاستقلال هو المآل الوحيد الذي ينتظره في المقبل
من الأيام.. ولو طالت الزمن.
تؤكد
الاكتشافات الأثرية التي عثر عليها في جبل القفرة جنوبي الناصرة
وسفح الرمل قرب طبريا والتي تعود إلى الفترة بين عامي 7500 و3100
ق.م أن فلسطين شهدت نوعاً من الحياة البسيطة. وكان أهم حدث شهدته
هو تأسيس مدينة أريحا التي يعتبرها المؤرخون أقدم بلدة في التاريخ،
وقد وجدت آثار لها قرب بلدة عين السلطان، وفي أواخر الألف الرابعة
قبل الميلاد بدأ سكان المنطقة يتعرفون على النحاس ويستخدمونه في
بعض الصناعات البدائية، ولذا أطلق المؤرخون على تلك الفترة العصر
الحجري النحاسي.
وبدأت أولى
الهجرات البشرية المهمة إلى فلسطين في بداية الألف الثالثة قبل
الميلاد، وهي هجرة الكنعانيين الذين عرفوا باسم الأماكن التي نزلوا
فيها، وبعد فترة أصبحت هناك ثلاث لغات: الكنعانية والآرامية (لغة
السيد المسيح عليه السلام) والعربية، وظلت فلسطين تسمى أرض كنعان
حتى عام 1200 ق.م حينما غزتها القبائل الكريتية.
وفي الألف الثالثة قبل الميلاد هاجر إبراهيم عليه السلام من بلدة
أور في العراق إلى فلسطين، وهناك أنجب إسحق والد يعقوب الذي يسمى
كذلك إسرائيل وإليه ينتسب الإسرائيليون.
في تلك
الفترة كانت فلسطين جزءًا من الإمبراطورية المصرية، كما كانت
عمليات التبادل التجاري نشيطة بينهما، وهو ما دلت عليه رسائل تل
العمارنة التي اكتشفت في صعيد مصر.
شهدت
فلسطين سلسلة من الغزوات قامت بها القبائل الكريتية التي استقرت في
شواطئ يافا وغزة، فسميت تلك المنطقة فلسطين نسبة إلى اسم القبيلة
الكريتية الغازية التي اندمجت مع الكنعانيين سكان البلاد الأصليين،
وأطلق اسم فلسطين على جميع الأراضي الساحلية والداخلية التي كان
يسكنها الكنعانيون، ومع الزمن غلب العنصر الكنعاني وأصبح سكان
البلاد كلهم من الكنعانيين العرب.
وبسبب
المجاعة التي اجتاحت فلسطين هاجر يعقوب عليه السلام وأولاده إلى
مصر حيث كان ابنه النبي يوسف عليه السلام قائما على خزائنها، وهي
قصة فصلها القرآن الكريم في سورة يوسف. واستقر الإسرائيليون في مصر
وكثر عددهم، ولكنهم بدؤوا يتعرضون للاضطهاد في عهد رمسيس الثاني
فقرر موسى عليه السلام الخروج بهم إلى أرض كنعان، وهذه القصة وردت
في القرآن الكريم في مواضع كثيرة. ومكث بنو إسرائيل في الصحراء
أربعين سنة قبل أن يتمكنوا من دخول فلسطين بعد موت موسى عليه
السلام في عهد النبي يوشع، وتمكن سليمان عليه السلام من إقامة
مملكة لبني إسرائيل بعدما انتصر الإسرائيليون بقيادة طالوت على
جالوت الكنعاني.
وبعد موت
سليمان بن داود عليهما السلام عام 935 ق.م انقسمت المملكة على
نفسها، فقامت يهوذا في القدس ومملكة إسرائيل في السامرة، ونشبت
الخلافات والحروب بين المملكتين، واستعانت كل منهما بملوك مصر أو
آشور ضد الأخرى، مما أضعفهما معاً وأضعف سلطتهما على السكان فعادت
الاضطرابات مرة أخرى ؛ وعلى كل حال فإن هاتين المملكتين لم تدوما
أكثر من ثلاثين عاماً.
وبعد أن
هاجم شيشنق ملك مصر مملكة يهوذا عام 920 ق.م واحتلها أصبحت منذ ذلك
الحين تابعة للدولة المصرية. وفي عام 721 ق.م هاجم الآشوريون
مملكتي إسرائيل ويهوذا واحتلوهما وفرضوا الجزية عليهما، وقد حاولت
مملكة إسرائيل التمرد لكن الآشوريين قمعوا تمردها بقوة وأخذوا معظم
سكانها أسرى إلى العراق.
شن نبوخذ نصر الكلداني هجوماً على فلسطين عام 597 ق.م واستولى على
القدس عاصمة يهوذا وأخذ ملكها وعائلته ومعظم قادتها أسرى إلى
العراق، وأقام في القدس ملكاً جديداً. وفي عام 586 ق.م حاول بقايا
اليهود التمرد على سلطان بابل في فلسطين فعاد نبوخذ نصر وغزاها من
جديد، وفي هذه المرة دمر القدس وعادت فلسطين كنعانية عربية تابعة
للعراق تستقبل هجرات العرب من سوريا والجزيرة العربية.
وبسبب
غزوات الآشوريين والكلدانيين اختفت دولة اليهود في فلسطين بعد أن
عاشت أربعة قرون (1000 - 586 ق.م) كانت حافلة بالخلافات والحروب
والاضطرابات.
وتعتبر تلك
الفترة من أهم فترات التاريخ الفلسطيني، حيث يستند إليها اليهود في
ادعائهم بأحقيتهم في العودة إلى فلسطين التي سموها أرض الميعاد حسب
تعليمات يهود السبي البابلي الذين كانوا يشرحون كتبهم الدينية
بمنطق الحنين إلى الأرض التي كانوا فيها فمزجوها بتعاليم دينية ؛
لكن اليهود الآخرين كيهود السامرة ويهود الحجاز واليمن ويهود ما
يسمى الفلاشا لم يكونوا يعلمون شيئا عن هذه الأساطير التلمودية
التي تخلط الشخصي بالديني أو الذاتي بالموضوعي.
غزا الفرس
فلسطين عام 539 ق.م واحتلوها بعد أن احتلوا بابل، وظلت فلسطين
تابعة للدولة الفارسية طوال قرنين من الزمان، وفي عهدهم عادت بقايا
قبيلة يهوذا من بقايا البابليين إلى القدس.
يعتبر
انتصار الإسكندر الأكبر على الفرس من أهم أحداث القرن الرابع قبل
الميلاد، حيث استولى على سوريا وغزة والقدس وضمها إلى الإمبراطورية
اليونانية عام 332 ق.م، وبعد وفاته انقسمت إمبراطوريته بين قادته
فكانت فلسطين تحت سيطرة القائد أنتيخوس الذي هزمه البطالمة في غزة
عام 321 ق.م، وأصبحت منذ ذلك الحين خاضعة لحكم أنتيخوس الثالث في
سوريا عام 198 ق.م.
وظلت
فلسطين منذ تلك الفترة تعيش حالة من الحروب القلاقل في ظل العديد
من الدول مثل المكابيين والعرب الأنباط عام 90 ق.م، وظلت تابعة
لعاصمتهم "البتراء" حتى احتلها الرومان.
احتل
الرومان فلسطين وجعلوها ولاية رومانية تابعة لروما أولاً ثم بيزنطة
إلى منتصف القرن السابع الميلادي حينما فتحها المسلمون العرب
فأصبحت جزءًا من الدولة العربية.
وخلال فترة
الحكم الروماني شهدت فلسطين ميلاد السيد المسيح عيسى بن مريم
عليهما السلام، وهو النبي الذي أُرسل إلى بني إسرائيل خاصة مع عدد
من الأنبياء في الوقت ذاته ، إلا أن اليهود وشوا به للحاكم
الروماني عام 37 واتهموه بالكفر وما تلا ذلك من قصة الصلب على
اختلاف تفاصيلها في العقيدتين الإسلامية والمسيحية.
كانت آخر
محاولة لإقامة دولة يهودية في فلسطين عام 135 عندما تزعم أحد
الحاخامات اليهود عصياناً، فهاجمهم الحاكم الروماني هادريان واحتل
المنطقة اليهودية في القدس ودمرها، وبنى في ذلك المكان مدينة جديدة
حرم على اليهود دخولها. بعد تلك الواقعة لم يحاول اليهود إثارة أي
قلاقل في فلسطين حتى مجيء القرن العشرين الذي شهد في منتصفه قيام
دولة الكيان الصهيوني، بعد ما يزيد عن ألفي عام منذ زوال
دولتهم عام 586 ق.م على يد نبوخذ نصر.
أرسل الخليفة أبو بكر الصديق عدة جيوش سنة 633 لفتح بلاد الشام
بقيادة عمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي
عبيدة بن الجراح، فهزم يزيد الروم في وادي عربة جنوب البحر الميت
وتعقبهم حتى غزة في عام 634.
وأحرز عمرو
بن العاص انتصارات كبيرة على الروم في معركة أجنادين عام 634 وفتح
فحل وبيسان واللد ويافا، وحينما تولى ثيودوروس أخو الإمبراطور
الروماني هرقل قيادة الجيش الروماني أمر أبو بكر الصديق قائده خالد
بن الوليد بالتوجه من العراق إلى فلسطين.
توفي
الخليفة أبو بكر الصديق وتولى الخلافة من بعده عمر بن الخطاب، فأمر
الجيوش الإسلامية الموجودة في فلسطين بمواصلة القتال لاستكمال
الفتح، وأمر خالد بن الوليد بتوحيد الجيوش الإسلامية في جيش واحد،
واشتبك خالد مع الروم في معركة اليرموك التي شكل نصر المسلمين فيها
لحظة حاسمة في تاريخ فلسطين، إذ تم فيها طرد الرومان منها.
واشترط
البطريرك صفرونيوس أن يتسلم الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه مدينة
القدس التي كانت تسمى آنذاك "إيلياء"، فحضر عمر إلى فلسطين وكتب
للمسيحيين عهداً أمنهم فيه على كنائسهم وصلبانهم، واشترط فيه ألا
يسكن أحد من اليهود تلك المدينة المقدسة. ومنذ ذلك الحين تدفقت
القبائل العربية من سوريا والحجاز ونجد واليمن وسكنت الأراضي
الفلسطينية التي أصبح معظم أهلها مسلمين، وأصبحت اللغة العربية هي
اللغة السائدة.
كانت
فلسطين في العهد الأموي تابعة لدمشق يحكمها سليمان بن عبد الملك،
ومن أعظم آثار تلك الفترة قبة الصخرة التي بناها عبد الملك بن
مروان في الموضع الذي عرج منه النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء
ليلة الإسراء والمعراج، والمسجد الأقصى الذي أتم بناءه الوليد بن
عبد الملك وهو البناء الذي ما زال قائماً حتى اليوم، ومدينة الرملة
التي بنى فيها سليمان بن عبد الملك قصره الشهير والمسجد الأبيض.
وبعد
انتهاء حكم الدولة الأموية أصبحت فلسطين تابعة للدولة العباسية،
وزارها الخليفة المأمون وولده المهدي، وفي ظل
الدولة العباسية ازدادت عملية التعريب ونشأت أجيال جديدة نتيجة
التزاوج بين الفاتحين العرب وأهل البلاد.
وفي القرن الثالث الهجري ونتيجة لضعف قبضة الدولة العباسية على
أجزاء كثيرة من فلسطين، استطاع الطولونيون السيطرة على لبنان
وسوريا ومصر وفلسطين.
ويعتبر
المؤرخون القرن الرابع الهجري قرناً للاضطرابات السياسية، فقد أغار
القرامطة المتدفقون من الخليج العربي على ديار الشام واحتلوا
فلسطين بعد أن أحدثوا فيها كثيراً من الدمار والخراب. وبعد ذلك
توالى على فلسطين أنظمة حكم متعددة من الإخشيديين والسلاجقة
والفاطميين، فكان بحق قرناً للفوضى.
عاد
الاحتلال الأجنبي لفلسطين مرة أخرى مع نهايات القرن الحادي عشر
الميلادي، فقد شهدت أوروبا الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية
والاقتصادية بين فقر في المواد الخام وازدياد في أعداد السكان
وخلافات بين الملوك والفرسان وبين البابا والملوك، فكانت الإغارة
على الشرق حلا مريحاً لجميع الأطراف. وقد بدأت عمليات الشحن
المعنوي بخطبة للبابا أوربان الثاني سنة 1095 طالب فيها العامة
بتخليص قبر المسيح المقدس من أيدي المسلمين وتطهير القدس منهم.
فقاد بطرس
الناسك أولى الحملات العسكرية التي استمرت قرنين والتي عرفت باسم
الحملات الصليبية. واحتل بطرس الرملة ودمر يافا وحاصر القدس بجنود
يقدر عددهم بأربعين ألفاً، وبعد شهر من الحصار استسلمت الحامية
المصرية الصغيرة التي كانت موجودة هناك، فدخلوا القدس عام 1099
وقتلوا فور دخولهم أعداداً كبيرة من سكانها العرب قدرتهم الكثير
من المراجع التاريخية بسبعين ألفاً.
وأعلن
الصليبيون إقامة مملكة لاتينية في القدس ومدوا نفوذهم إلى عسقلان
وبيسان ونابلس وعكا واستقروا في طبريا.
ونجح نور
الدين زنكي بعد قتال عنيف مع الحاميات الصليبية في استعادة بعض
المدن والإمارات، واستكمل صلاح الدين الأيوبي تلك الانتصارت فكانت
معركة حطين الشهيرة التي استرد بعدها بيت المقدس عام 1187.
وفي عهد الدولة المملوكية استطاع سيف الدين قطز والظاهر بيبرس صد
الغزو المغولي الذي اجتاح أجزاء واسعة من العالم الإسلامي في معركة
عين جالوت قرب الناصرة في عام 1259 فكانت واحدة من أهم وأشهر
المعارك الإسلامية.
انتصر
العثمانيون على المماليك في معركة مرج دابق بالقرب من حلب عام 1516
ودخلوا فلسطين التي أصبحت تابعة للحكم العثماني منذ ذلك الحين
ولمدة أربعة قرون.
وحاولت
فرنسا بقيادة نابليون غزو فلسطين بعد احتلال مصر، ولكن الحملة
ارتدت مهزومة بعد وصولها إلى عكا، حيث فشلت في اقتحام المدينة بفضل
تحصيناتها وبسالة قائدها أحمد باشا.
قرر محمد
علي والي مصر عام 1838 توسيع ملكه بضم بلاد الشام، فنجح ابنه
إبراهيم باشا في فتح العريش وغزة ويافا ثم نابلس والقدس. وقامت
في نابلس والخليل ثورات شعبية احتجاجاً على شدة إبراهيم باشا في
تعامله مع الأهالي وفرضه ضرائب باهظة. ولم يدم حكم محمد علي للشام
أكثر من عشر سنوات لتعود مرة أخرى إلى الحكم العثماني.
وبعد
انتصار القوات البريطانية على تركيا في الحرب العالمية الأولى
بقيادة الجنرال اللنبي دخلت فلسطين عام 1917 تحت الانتداب
البريطاني حتى عام 1948، حيث انسحبت مفسحة المجال أمام اليهود
لإقامة دولتهم في فلسطين التي سميت إسرائيل. ونجحت العصابات
الصهيونية بمساعدة كل من بريطانيا والولايات المتحدة في إلحاق
هزيمة بالعرب في حرب 1948، وأعلنوا قيام دولة (إسرائيل) بعد غياب
عن الساحة الفلسطينية دام لأكثر من ألفي عام.
أرسلت
بريطانيا لجنة ملكية إلى فلسطين وحددت مهامها في التثبت من الأسباب
الرئيسية للاضطرابات والتحقق من كيفية تنفيذ صك الانتداب، وجاء
تقرير اللجنة يؤكد أن أسباب الثورة العربية تتلخص في رغبة
الفلسطينيين في نيل استقلالهم الوطني ورفضهم إنشاء وطن قومي
لليهود. واقترحت اللجنة إنهاء الانتداب على فلسطين على أساس
التقسيم وإبداله بنظام معاهدات على غرار ما جرى في العراق وسوريا،
وإقامة دولتين إحداهما عربية وتشمل شرق الأردن مع القسم العربي
الفلسطيني الذي حددته اللجنة، وثانيهما دولة يهودية في القسم
الفلسطيني الذي ارتأت اللجنة أن يكون لليهود، وذلك شريطة أن تتضمن
المعاهدتان ضمانات مشددة لحماية الأقليات في الدولتين، وأن تلحق
بهما مواثيق عسكرية حول إقامة قوات البحرية والبرية والجوية
والمحافظة على الموانئ والطرق والسكك الحديدية وأنابيب البترول.
وخارج حدود
الدولتين دعت اللجنة إلى أن تكون هناك منطقة ثالثة تشمل القدس وبيت
لحم، ويسهل عليها الاتصال بالبحر بواسطة ممر يمتد من القدس إلى
يافا شمالاً ومدينتي اللد والرملة، واشترطت اللجنة أن تظل هذه
المنطقة تحت الانتداب وألا يسري عليها تصريح بلفور، وتكون اللغة
الإنجليزية هي اللغة الوحيدة فيها. واقترحت في مقابل خسارة العرب
لأراضيهم أن تدفع الدولة اليهودية إعانة مالية للدولة
العربية عندما ينفذ التقسيم. وبالطبع رفض العرب تقرير اللجنة، أما
اليهود فرغم اقتراح اللجنة منحهم دولة يهودية فإنهم رفضوا التقرير
لمخالفته وعد بلفور الذي يتعهد بمنح فلسطين كاملة لليهود.
وفي 13
سبتمبر/ أيلول 1937 عرض وزير الخارجية البريطاني إيدن سياسة
بريطانيا إزاء مشروع التقسيم أمام عصبة الأمم واقترح إرسال لجنة
فنية لوضع خطة مفصلة للتقسيم. وإزاء رفض العرب واليهود تأجل تنفيذ
مشروع التقسيم، ثم نشطت المساعي البريطانية الأميركية لإقناع العرب
بتلك الفكرة مرة أخرى عام 1945 من خلال لجنة التحقيق
الإنجليزية-الأمريكية المشتركة، ومن خلال مشروعي موريسون وبيفن
عامي 1946 و1947.
وتحول مسرح
الأحداث من عصبة الأمم في الثلاثينات إلى أروقة الأمم المتحدة في
الأربعينات، فأعلنت بريطانيا قرارها التاريخي بتخليها عن الانتداب
أوائل أبريل/ نيسان 1947 وطلبت من الأمين العام عرض القضية
الفلسطينية في دورة خاصة. وعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم
28 أبريل/ نيسان 1947 جلسة خاصة بالقضية الفلسطينية تقرر فيها
تشكيل لجنة دولية للتحقيق. وبعد أربعة أشهر من إرسال اللجنة إلى
فلسطين كان تقريرها مشابهاً لتقرير اللجنة الملكية البريطانية حيث
أوصت بإبقاء الصفة الدينية لجميع الأماكن المقدسة، واعتماد الوسائل
السلمية لإقرار أي حل.
وكانت
التوصية الثالثة التي تعنينا في هذا العرض هي تقسيم فلسطين إلى
دولة عربية وأخرى يهودية، وتتكون حدود الدولة العربية من الجليل
الغربي ونابلس الجبلية والسهل الساحلي الممتد من أسدود جنوب يافا
حتى الحدود المصرية، بما في ذلك منطقة الخليل وجبل القدس وغور
الأردن الجنوبي، وتبلغ مساحة هذه الدولة 12 ألف كيلومتر مربع. أما
المنطقة اليهودية فتتألف من الجليل الشرقي ومرج بن عامر والقسم
الأكبر من السهل الساحلي ومنطقة بئر السبع والنقب، وتبلغ مساحة هذه
المنطقة التي تعتبر أخصب الأراضي الفلسطينية 14200 كيلومتر مربع.
أما الأماكن المقدسة فتشمل مدينة القدس ومنطقتها وتوضع تحت الوصاية
الدولية ويعين مجلس الوصاية للأمم المتحدة حاكماً غير عربي وغير
يهودي لهذه المنطقة.
وفي جلسة
عقدتها الأمم المتحدة في 23 سبتمبر/ أيلول 1947 تقرر تحويل المشروع
إلى لجنة خاصة تشكلت من ممثلين عن كل الدول الأعضاء بما فيهم ممثل
يهودي وآخر فلسطيني، وقد رفض المندوب الفلسطيني المشروع بعد
استعراض تاريخي لجذور القضية الفلسطينية، في حين أعلن المندوب
اليهودي موافقته على المشروع مع مطالبته لضم الجليل الغربي ومنطقة
القدس إلى الدولة اليهودية. وفي 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 طرح
مشروع التقسيم للتصويت فصودق عليه بأغلبية 33 صوتاً مقابل معارضة
13 صوتا وامتناع عشرة دول عن التصويت. وفي 15 مارس/ آذار 1948
أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب على فلسطين وأعلنت الجلاء في
أغسطس/ آب من العام نفسه وأكدت أنها لن تمارس أي سلطات إدارية أو
عسكرية.
وابتدأت في
ذاك العام نكبة الشعب الفلسطيني الذي كّثف تاريخه بالبطولات
وكّثفت عظمته التضحيات.. ومؤكد أن تاريخ الشعب الفلسطيني لم ولن
يقف عند حدود النكبة..
|