المعتقلون الفلسطينيون حولوا السجون الصهيونية إلى جامعات لإكمال دراستهم
جامعة يوسف
-عليه السلام-
في سجن النقب خير دليل
غزة / خاص
رغم ما يعانونه
من آلام البعد عن الأهل والأحباب ، وأصناف العذاب وألوانه على يد السجانين الصهاينة
، إضافة إلى الظروف غير الإنسانية
والمأساوية التي يعيشونها ، إلا أنهم استطاعوا التغلب على هذه الظروف والتكيف معها
، حيث أنهم تمكنوا من تحويل هذه السجون والمعتقلات الصهيونية إلى منابع للعلم
والمعرفة ، وجعلوا منها جامعا تخرج العلماء والمثقفين ، ولعل الدليل الواضح على هذه
التجربة ، يجن النقب الصحراوي الذي أطلق عليه المعتقلون " جامعة سيدنا يوسف عليه
السلام " إضافة إلى كونه قلعة الشهيد القائد جمال منصور .
و قد توج الأسير ناصر عبد
الجواد ( 38 عاماً من قرية دير بلوط ) والذي يمضي حكما بالسجن 12 عاماً مسيرة
التعليم داخل السجون بحصوله على درجة الدكتوراه ليكون أول أسير فلسطيني يحصل على
هذه الدرجة العلمية أثناء فترة محكوميته، و ذلك بعد أن ناقش رسالة الدكتوراه التي
تحمل عنوان " نظرية التسامح الإسلامي مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي " من
سجنه في مجدو عبر الهاتف الخلوي لمدة ساعتين بالتنسيق مع جامعة النجاح الوطنية.
ويقول الأسير عبد الجواد في
تعليقه على هذا الإنجاز أن سنين الأسر التي زادت عن 11 عاماً حتى الآن، لم تزده إلا
إصراراً على التميز والخروج بشيء ثمين من هذه الفترة الاعتقالية الطويلة ولإثبات أن
الفلسطيني قادر على التميز حتى وهو خلف القضبان.
وقد شكل هذا الإنجاز دفعة قوية
لمئات الأسرى الآخرين الذين يناضلون من أجل الحصول على الدرجات العلمية المختلفة
بدءًا من شهادة الثانوية العامة، ووصولا للشهادة الجامعية الأولى ثم الماجستير و
الدكتوراه.
و بجانب هذه الجهود الحثيثة من
الأسرى للحصول على شهادات تعليمية رسمية فأن حركة التعليم و التثقيف داخل المعتقلات
تشهد يوما بعد يوم نقلات نوعية متميزة تدلل على عمق و اتساع التجربة الاعتقالية
للأسير الفلسطيني الذي يأبى أن تضيع فترة اعتقاله هباءً منثورا و إيمانا منه بضرورة
الاستعداد للحظة التي سيخرج فيها من المعتقل ليواصل نضاله.
ورغم اختلاف كل تنظيم داخل
السجن في الآلية و المواد التي تشملها عملية التعليم التي يقدمها لأفراده إلا أن
هناك أطار مشترك يوحد الجميع يعتمد على ضرورة استغلال فترة السجن في زيادة و صقل
معرفة الأسرى بكافة مستوياتهم.
و إذا أخذنا نموذج سجن مجدو
للتعرف على تجربة التعليم داخل المعتقلات كونه يعد من أكثر المعتقلات التي تضم بين
جدرانها جامعيين و طلاباً فلسطينيين إذ تدل الأرقام أن هناك 218 طالباً جامعياً
معتقلون في سجن مجدو من مجموع عدد المعتقلين الذي يبلغ 906 معتقلين أي أن الطلبة
الجامعيين يشكلون 28 بالمائة
من المعتقلين، فإن الحياة الثقافية تنقسم إلى برامج إجبارية يجب على كل معتقل أن
يدرسها وبرامج أخرى تكون اختيارية يحق للمعتقل أن يختار واحداً منها لدراسته، و ذلك
بالإضافة للندوات الأسبوعية التي تتناول العديد من الموضوعات الخاصة ويعتمد تسيير
هذا النظام على الدورات دورة كل أربعة اشهر ويشرف على هذه الحياة الثقافية ثلاث
لجان عامة هي الثقافية، والسياسية، والإعلامية ويتفرع عنها لجان ثقافية وسياسية
وإعلامية فرعية تشرف على العمل الميداني داخل الأقسام.
و من الأمور التي تتميز بها
تجربة التعليم في سجن مجدو تحفيظ الأسرى للقرآن الكريم حيث أفتتح الأسرى مركزا
لتحفيظ القرآن معتمد من وزارة الأوقاف وتتم عملية التحفيظ وفق آليات تشمل دورات في
أحكام التلاوة ليحصل الأسير بعد الانتهاء من إجادتها على شهادة معتمده من وزارة
الأوقاف.
وتستفيد الحركة الأسيرة من
الأسرى المتخصصين في مجالات العلوم المختلفة و الذين يحمل بعضهم شهادات الدكتوراه و
الماجستير في تدريس مواد لها علاقة بتخصصاتهم فالطبيب يقدم مواد لها علاقة بالصحة
والمهندس في مجاله و هكذا.
و من الوسائل التي تستخدم
لتطوير الكفاءة العلمية للأسرى تكليفهم بإعداد أبحاث عن موضوعات محددة باستخدام
المراجع الموجودة في مكتبة السجن و يتم في الغالب تقييمها في جلسة من قبل الأسرى
المتخصصين في مجال الدراسة أو المشرفين على عملية التعليم، و قد نتج عن ذلك مجموعة
من الإسهامات العلمية في العديد من المجالات.
ويقول أشرف حسين مسؤول
العلاقات الخارجية في وزارة الأسرى و المحررين و الذي أمضى تسع سنوات في الاعتقال
أن المحاور الرئيسية لعملية التثقيف و التعليم داخل المعتقلات ترتكز على الثقافة
السياسية والنواحي الأمنية و بخاصة الصمود في وجه أساليب التحقيقات و التجربة الاعتقالية
و التعامل مع إدارة السجون إضافة لمحو أمية الأسرى الذين لم ينالوا أي قسط من
التعليم، مؤكدا أن هذه العملية استطاعت أن تخرج أفرادا على كفاءة عالية و أهلتهم
للاستمرار في الحياة بعد الخروج من الأسر.
وأشار إلى وجود مكتبات ضخمة في
داخل السجون، حيث يمتلك كل تنظيم مكتبة خاصة به بجانب مكتبه عامة تحتوي في الغالب
على آلاف الكتب و بخاصة ذات الطابع الوطني، و هناك آليات لتبادل الكتب بين مكتبات
التنظيمات المختلفة .
وحرصا من التنظيمات الفلسطينية
على نشر الثقافة بين الأسرى تقوم بإصدار مجلات مشتركة تركز في أغلب موضوعاتها على
المواد الوطنية والأمنية والأدبية وذلك إلى جانب المجلات التي يصدرها كل تنظيم
لأفراده.
وكان التطور الكبير الذي شهدته
المعتقلات هو إصرار المعتقلين على أكمال دراستهم للحصول على شهادة الثانوية العامة
والشهادات الجامعية، فبالرغم من محاولات الاحتلال وضع العراقيل أمام طموح الأسرى في
هذا المجال إلا أن العديد منهم استطاعوا الحصول على شهادة الثانوية العامة بعد أن
استطاعت السلطة الوطنية أن توفر لهم لجان امتحانات داخل السجون، كما تمكن العديد
منهم من الالتحاق بالجامعة العبرية المفتوحة التي تتيح الدراسة عبر المراسلة و
حصلوا على درجة البكالوريوس في تخصصات مختلفة ، و البعض منهم أكملوا دراستهم و
حصلوا على الماجستير .
و ركزت حركة التعليم داخل
المعتقلات على تعليم المعتقلين اللغة والثقافة العبرية بشكل اختياري للأسرى
الراغبين في ذلك، وهو من أكثر الأمور التي أبدع فيها المعتقلون حيث تمكن المئات
منهم من إتقان اللغة العبرية بل وقاموا بترجمة العديد من الكتب والمؤلفات العبرية
التي استفادت منها الحركة العلمية الفلسطينية في داخل المعتقلات وخارجها.
و قد واجهت مسيرة العلم
والثقافة داخل السجون العديد من المشاكل التي استطاع الأسير الفلسطيني بصبره و
إبداعه أن يتخلص منها أو يحد من تأثيرها ومن هذه المشكلات ضعف الإمكانيات والأدوات
التي تساعد في إتمام هذه العملية، وفي مراحل من تاريخ الحركة الأسيرة كان من الصعب
إيجاد ورق و أقلام لاستخدامهم في الكتابة، ووصل الأمر إلى استخدام ورق السجائر
وأوراق الكارتون أو أي مادة ورقية للكتابة، كما كان تهريب الأقلام إلى داخل بعض
السجون مشكلة كبيرة، حتى أن القلم الواحد كان يمرر على التنظيمات المختلفة لكتابة
ما يحتاجونه من تعليمات وغيرها.
كما تقوم إدارة السجون في هذا
الإطار بمصادرة المكتبات والإصدارات التي يتناولها الأسرى، و بخاصة الكتيبات الخاصة
بالمعلومات الأمنية و الإرشادات الخاصة بالتعامل مع المحققين وغيرها.
ورغم أن الحركة الأسيرة تستطيع
الآن توفير كافة متطلبات العملية التعليمية داخل المعتقلات من دفاتر وأوراق وكتب
وغيرها، فأنها دفعت في سبيل ذلك ثمناً غالياً من دماء الأسرى و نضالهم، و هو ما
يؤكد أن الإنسان الفلسطيني يستطيع بقوة إيمانه بقضيته الانتصار على كافة الظروف
والضغوط التي تحاول الحد من عزيمته وطموحه، مهما بلغت قساوة هذه الظروف، و مهما كان
المنفذ لها فاقداً لكل صفات البشر والإنسانية.
|