|
أهمية
التأريخ الشفوي الفلسطيني
نبيل محمود السهلي
يلحظ المتابع لشؤون القضية الفلسطينية منذ بروزها في عام 1948، بأن
العرب ومن ضمنهم الفلسطينيون لم يؤرخوا لحرب عام 1948 بشكل يرقى
إلى حجم الكارثة التي حلت بالفلسطينيين وهويتهم الوطنية، بيد أن
ذلك لم يمنع في ذات الوقت من ظهور بعض الكتابات العربية عن الحرب،
لكنها بقيت في حدودها الدنيا، بعيدة عن العمل البحثي الجاد من جهة،
وعدم القدرة على توصيل الحقيقة إلى خارج الحدود من جهة أخرى، الأمر
الذي جعل الرواية الإسرائيلية المزيفة للحرب وما نتج عنها تسود في
الغرب، على مستوى القرار ومنظمات المجتمع المدني وإن بشكل أقل، وقد
دفع بهذا الاتجاه قدرة إسرائيل على بناء تحالفاتها التي مكنتها من
الحفاظ على قوتها المحلية، السياسية والعسكرية والدبلوماسية
والإعلامية، وعزز ذلك المؤسسات الصهيونية المختلفة وخاصة الوكالة
اليهودية ورأس المال اليهودي المنظم لخدمة الرواية والدعاية
الإسرائيلية من قيام إسرائيل في عام 1948.
في مقابل ذلك باتت الضرورة بعد مرور سبعة وخمسين عاماً لنكبة
الفلسطينيين الكبرى (1948-2005)، تحتم تسجيل ذاكرة أهل النكبة
لتاريخ أهم مرحلة من مراحل القضية الفلسطينية، ويتطلب ذلك تأسيس
عمل مؤسسي فلسطيني حقيقي جامع، يتم من خلاله البدء في تسجيل ذاكرة
كبار السن من اللاجئين، وتتبوأ عملية تسجيل ذاكرة اللاجئين
الفلسطينيين أهمية خاصة، لأسباب عديدة، في المقدمة منها، الضرورة
في ذلك لأن نسبة الذين سيتم استطلاع رأيهم وتسجيل ذاكرتهم لا تتعدى
(3) في المائة من مجموع اللاجئين الفلسطينيين، وإن تأجيل عملية
التسجيل عبر عمل مؤسسي وليس فردي كما هو حاصل حتى اللحظة سيجعلنا
نعتمد في كتابة تاريخنا على ما يؤرخ له الإسرائيليون.
وكباحث شارك منذ عام 1982، في المسوح الميدانية لمكتب الإحصاء
الفلسطيني في مناطق تواجد اللاجئين المختلفة، تلمست أهمية تسجيل
الذاكرة والتأكيد على ذلك من قبل شرائح فلسطينية عديدة، خاصة عند
الحديث عن النكبة والقرية والأهل قبل عام 1948، حيث يرى الكثيرون
أن الذاكرة ستشطب بعد سنوات بفعل التقدم في السن، وتراجع نسبة من
هم قادرين على تسجيل ذاكرتهم من اللاجئين الفلسطينيين.
ووفق رأي شخصي أرى أن كافة الأعمال التي تمت لتسجيل ذاكرة اللاجئين
في كافة أماكن تواجدهم حتى عام 2005 إنما هي من قبيل التجربة
القبلية خاصة في ظل عدم بروز مؤسسة متكاملة للقيام في ذلك عبر
تجميع الجهود وتوحيد الأهداف والرؤى.
وقد تكون ورشة العمل التي دعت إليها هيئة أرض فلسطين ومركز شمل
للاجئين الفلسطينيين، وعقدت في العاصمة الأردنية عمان خلال يومي
السابع والثامن من أيار 2005، بداية انطلاقة حقيقية لعمل مؤسسي جاد
لتسجيل الذاكرة الفلسطينية، وبروز حقيقي لرواية فلسطينية متكاملة
حول النكبة وتداعياتها.
وقد تدل نتائج الورشة المنعقدة على نية ثلة من الشعب الفلسطيني
للإطلاق نحو تسجيل الحقيقة وفق عمل مؤسسي جاد يرقى إلى حجم التحدي
مع الرواية الإسرائيلية الخادعة للتاريخ والمزيفة له في نفس الوقت،
ويمكن إجمال أهم نتائج ورشة العمل التي كانت تحت شعار الرواية
الشفوية حول النكبة وتداعياتها مايلي:
1-تبادل الخبرات، واستفادة العديدين من التجارب الحية في المناطق
التي تجاوزت عقدة المؤسسة والتمويل والتعاطي الأكاديمي لمشاريع
تسجيل الذاكرة الفلسطينية.
2-وجود هوات كبيرة في المصطلحات نتيجة التفاوت الكبير في التحصيل
العلمي، بيد أن ذلك لم يمنع من ضرورة وضع مصطلحات جامعة في شبكة
التاريخ الشفوي، وكل شهادة تم تسجيلها بغض النظر عن الباحث إنما هي
تخدم أسئلة مطروحة في مجال السياسة والاقتصاد والتاريخ الفلسطيني،
ناهيك عن كونها جزء من رواية فلسطينية في مواجهة الروايات
الصهيونية المدروسة لطمس حقائق التاريخ وتشويهه.
تمخض عن الورشة تأسيس شبكة التاريخ الشفوي الفلسطيني في نهاية
أعمال الورشة في عمان مساء الأحد 8/5/2005، منسقها العام د.سلمان
أبو ستة.
الأهم من ذلك الاستمرار في بناء المؤسسة الجامعة وتشكيل شبكة
حقيقية لتسجيل التاريخ الشفوي الفلسطيني بين اللاجئين الفلسطينيين،
وهذا ما أكدت عليه توصيات الورشة العلمية، كما أكدت على ضرورة حصر
أسماء كل الباحثين والمؤسسات التي عملت في موضوعة تسجيل الذاكرة
الشفوية الفلسطينية، مع سيرة ذاتية لها، لتأسيس انطلاقة علمية
مؤسساتية حقيقية وبالتالي تسجيل رواية أهل النكبة في كافة أماكن
تواجدهم، عندئذٍ يمكن التأكيد بأن ثمة رواية حقيقية وصادقة لأهل
النكبة بدأت تتجلى في مواجهة الرواية الإسرائيلية المزيفة.
|