الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

فلسطينُ رغم الوجع... “لمْ يزلْ مفتاحُ بيتي في يدي

 

بقلم: سمير عطيه

 

على شفاه الأطفال تسمع صوت الوطن الغائب الحاضر، في عيون الحلم المجروح تقرأ القصيدة التي ترسم للوطن أجمل اللوحات في القلوب، تنتظر يوم اللقاء والعوده. طفلة لم تتجاوز عشر سنوات من عمرها، تقف أمام “كاميرا" المصور في زقاق من أزقة مخيمٍ حزين، تُطلق في فضاء الألم أذان الأمل، وترسل عبر أنشودة حفظتها عن جدها أكثر من رسالة وأكثر من حنين:

فلسطين داري ودرب انتصاري
تظلُّ بلادي هوى في فؤادي
ولحناً أبيّا... على شَفَتيَّا

شاعر الطفولة “سليمان العيسى" الذي كتب هذه الكلمات منذ ما يزيد على نصف قرن، استطاع أن ينتصر" ثقافيا" على الصهاينة، وبقيت كلماته شعرا يورَّثُ للأجيال الفلسطينية والعربية وهو الشاعر الفلسطيني الهوى، السوري المولد والنشأة.

هذه البداية من النهاية !! في ذكرى نكبة فلسطين الأولى عام 1948م، التي تنكأ القلوب، وتقرّح الآمال بالآلام.
نبدأ الحكاية من جديد، من الفجر الذي يلوح نوره في الصدور، متجاوزين عتمة الليل، ومتحاملين على كل خنجر مغروس. إنه الجرح الذي ينزف ليرسم طريق العوده. وهنا نقرأ معكم بعض مشاهد من قصائد “أدب العودة " ...كيف تشكّلت؟ وماذا قالت؟ وإلى أين سارت بنا في طريق الاغتراب والحنين والإيمان بالعوده؟

من وجعِ اللُّجوء

تتلخص الحكاية في بيتين من الشعر لخالد أبو العمرين وهو يحكي عن ألم الوطن، ونزف أحبته:

بالأمس كانَ لهمْ وطنْ
واليومَ صارَ لهمْ كَفنْ
منْ باعَ شبراً مِنْ بلادي
بعتُهُ وبلا ثمنْ

وهو عندما يحكي عن مأساة أبناء شعبه بكل وضوح وبشعرية عالية وقافية نونية ساكنة، تُجبر القارئ على الصمت خشوعا عند هذه الذكرى، فإن الشاعر نفسه يعلن بيان التمسك بحقه في العودة، داعيا إلى بيع كل من يساوم على حقه. وهذا التقرير الشاعري يأخذنا إلى الشاعر عبد الغني التميمي ليصوّر بدايات النكبة الممتدة حتى حاضره، كيف بدأت؟ وكيف ارتسمت على الأرض خياما، وفي القلوب نارا ضراما:

اطحَنُ الخُبزَ طعامَا
أنا من خمسينَ عاما
ازرعُ الأرضَ خِيامَا
لم تكُنْ أعينُكُمْ عمياءَ لكنْ تَتَعامَى
ما فتِئْتُمْ تغرِسونَ اليأسَ وعداً يَتَنامَى
في مدى خمسينَ عامَا
تتهاوى أسقُفُ العِزّةِ للأرضِ حُطامَا

كيف أحيا بعيدا عن فلسطين؟!

ويحمل الفلسطيني حلمه على ظهره، وتتوزع بهم جغرافيا الألم، ومنفى القهر، كيف لا والحنين إلى الوطن في السرّاءِ يُدمعُ العين ويبكي القلب، فكيف إذا كان حنين المفجوع بأهله ووطنه وأحبته، وذكرياته في أجمل الأوطان وأغلى البلدان؟!

لعلّ في لهفة الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي “أبو سلمى" خير شاهد على ما نقول، وهو لا يتخيّل الحياة بعيدا عن فلسطين رغم أن مكان لجوئه في دمشق كان قريبا من وطنه، ولعلّ في ذلك ما يزيد الحسره ويضاعف اللهفة، حيث أنه القريب البعيد، والساكن الشريد، ولصدق هذه المشاعر، وانسياب كلماته العذبة، وتصويراته الرقيقة الحزينة التي تناسب المقام، أصبحت هذه الأبيات من أشهر ما قيل في الحنين إلى الوطن، والاشتياق له:

فلســطينُ الحبيبةُ.. كيفَ أحــيا
بعيداً عنْ ســهولكِ والهضابِ؟!
تُناديني الســُّـــفوحُ مخضبات
وفي الآفــاقِ آثارُ الخضــابِ
تُناديني الشـــــواطىءُ باكياتٍ
وفي سـمعِ الزَّمانِ صدى انتحابِ
تُناديني الجداولُ شـــــارداتٍ
تســــير ُ غريبة ً دونَ اغترابِ
تُنادينــي مدائــِنُكِ اليتــامى
تُنـــــاديني قراكِ معَ القبابِ

ويأخذ الحنين شكلا آخر عند الشاعر حسن البحيري الذي يشتاق شوقا عظيما إلى حيفا، ويتذكر حياته فيها، ويخاطب مدينته في لغة غزلية رقيقة:

ما أَشرقتْ عينــاكِ إلاَّ خْاننـــي

بصَبابتي.. صبري.. وحُسْنُ تجملي

وتَحسَّستْ كفّـايَ من أَلـَم الجــوى
سهماً مغارسُ نَصْلـهِ في مقتلـــي
وذكرتُ من عُمــر النعيم مَضـاءه
بِصِبىً على رُودِ الليــالي مُعْجَــلِ
والعيْشُ بُسْتـانٌ وبَسْمــَةُ ســعدهِ
فجرٌ بأفراحِ المشــارق يَنجلــي
والنجــم يَسحبُ من مَشارفِ اُفْقـِهِ
ذيلَ الإباءِ إلى مَشــارِفِ مَنــْزلي
عينٌ رأيـتُ بِسْحــرِها وفُتونــها
أحلامَ عَهْـدٍ بالصَّفــاءِ مُظـــلّلِ
ولمحـتُ بين سوادِهـا وبياضــِها
ظِلَّ الصَّنَوْبَرِ في أعالي الكَرْمـل

ويتضح من هذه الأبيات، كم هي اللّهفة على الوطن الذي غاب عن العين وما غاب عن القلب، وكيف يصبح الوطن أجمل القصائد وأغلى الأحبة، وهذا يجعلنا نمشي قريبا من الدروب التي يعيش فيها الوطن …في قلب الشاعر يحيى برزق الذي اغترب قبل نكسة حزيران ولم يستطع العودة إلى وطنه في مدينة غزة …وهذا يؤكد أن الجرح واحد، وأنّ الوطن واحد، والأمل بالعودة واحد أيضا، سأترك القارئ العزيز يُحلّقُ في فضاء هذه القصيدة المتعبة بالحنين، والمثقلة بالاشتياق …وإذا كنت أخي القارئ تودُّ أن تعرف كيف يُتعب الحنينُ صاحبَه، اقرأ معي قصدة “حنين” للشاعر يحيى برزق:

يا قلب مالَكَ في الحوادثِ كُلَّما
ذُكرَ الحمى خلْتَ الوجودَ جهنَّما
فمضيتَ تَخْفَقُ في الأضالعِ لاهثاً
متهدماً تشكو مُصابك للسَّما
فأنا ابنُ أرض بالربيعِ تَدَثَّرتْ
وَغَدَتْ لأطيارِ الخمائِلِ مَوْسِمَا
وإذا أفاضَ الطُّهْرُ ضَمَّ حَديثَه
طيف المسيحِ على الحروف ومَرْيمَا
أرضٌ سرى فيها النَّبيُ مُحَمَّدٌ
لَّما غَدَتْ نحو الكواكــبِ سـُلَّما

هذا الكم الهائل من الحنين الشعري لم ينضب عند الأجيال التي وُلدت في الشتات، ومنافي الاغتراب، بل إنّ الحكاية ترتسم في أشعارهم من جديد، ينزفون الألم، ويتابعون مسيرة الحنين رغم أنهم ولدوا من رحم الهجرة، وهذا ما نراه عند الشاعر سمير عطيه، وهو يردّ على لائميه الذين يسألونه عن أشعار الغزل:

سُرقتْ سَعادَتُنا ومُزِّقت الأماني بالحراب

ْ وتهدَّمَ العشُّ الذي صنعتْهُ أطيارُ الهضابْ

خُنِقَ الصباحُ على المشانِق مثلَ آلاف الشبابْ
ورأيتُ دمعَ حبيبتي يجري إلى الأرضِ اليبابْ
دمعٌ على مهدِ الصِّبا وعلى حبيبٍ باغتراب

وللمخيّمِ حكايةٌ جديدة:

وفي انتفاضة الأقصى، تعود حكاية المخيّم واللجوء، بشكل آخر وبوجهٍ مختلف، إنه الصمود والثبات، والتمسك بالأمل، والصبر على الجراح، والإثخان في جسد الليل الذي طالما سدد سهامه في صدور أحبتنا، الشاعر خالد سعيد يحكي عن “ملحمة مخيم جنين”، وهو يعيش بالقرب منه، ويتابع أفراحه وأترحه عن كثب. ينقل لنا مشهداً للكف التي تقاوم المخرز، وكيف سطروا بدمائهم فصلاً من أجمل الحكايات العالمية، حكاية الجرح الملتهب بالمقاومة:

هلْ جاءَكـمْ نبأُ المخيَّمِ حـينما
اقتحمَ العدوُّ بـكلِّ ويلٍ يـهجُمُ
والطـائراتُ منَ السَّماءِ لهـيبُها
والأرضُ دبّابــــاتُها تتـقَحَّـمُ
قَـلَبتْ صواريخ ُ اليهود مُخيّمـي
بركــانَ نارٍ باللَّظى يتـجـحَّمُ
دولُ العروبةِ ستــةٌ أيامُــها
ومخيمُ الشهداء لا يستسلمُ
ما ظلَّ في الدنيا نعيـمٌ يُشتـهى
مــــن بعدكم فالشهد مرٌ علقمُ
لولا انتظارُ النصرِ منْ ربِّ الورى
مـــا كانَ في هذي المعيشةِ مغنَمُ

لم يزلْ مفتاحُ بيتي في يدي:

هذا الفصل من ملحمة الصمود، التي نقلت مخيمات اللجوء من مخيمات تأوي الذكريات المضمخة بالجراح إلى واقع جديد يروي البداية الجديدة للنصر وارتفاع الراية...إنه الأمل يا صاحبي الذي بشّر به الشعراء، وتغنوا بأنه قادمُ لا محالة، هذا الأمل الذي كان في ختام قصيدة الشاعر خالد سعيد أجمل ما يكون:

أنظرْ أخـي ذا احمـدٌ في عيـنِهِ
أمــــلُ الحيـاةِ وأنفُهُ لا يُرْغَـمُ
يـدُهُ برغمِ الهدمِ تحـمِلُ رايـةً
فيهــا الدَّليلُ لدربِنـا والمَـعْلَمُ
وعلى جوانبِها لمحـتُ عبـارةً
بيــــنَ الرُّكام مضيئـةً لا تُعْتِمُ
صبرا و شاتيلا و قانا أنبـتَتْ
بجنـينَ شِبلاً بالصُّمودِ يُحـزَّمُ

وهنا الشاعر عبد الكريم الكرمي “أبو سلمى" يعلن نداء العوده، وإذا مرت الايّام ولم يتحقق في حياته فإنّ الغد الآتي سيحمل بين ضلوعه أجمل فجر، وأكرم عوده، على وهج الرصاص، ودم الصمود:

ويســــــألني الرِّفاقُ ألا لقاءٌ
وهلْ منْ عــودةٍ بعدَ الغيــاب ِ
أجلْ.. ســــنقبِّلُ التُّربَ المندَّى
وفوقَ شـــفاهِنا حمرُ الرَّغابِ
غداً ســنعودُ والأجيالُ تُصــغي
إلى وقعِ الخـُطى عــندَ الإيابِ
نعودُ مع العواصــفِ داويــات
مـع البرقِ المقدَّسِ والشِّـهابِ
ونحنُ الــــثائرينَ بكلِّ أرض
ســـنصهرُ باللَّظى نيرَ الرِّقابِ

والشاعر خالد أبو العمرين يرسم هوية العائدين، لا هوية المحتلين، فالوطن الذي يُفتدى بالدّماء وتعيش القلوب ظامئة لترتوي يوم العودة بلقائه، هو لأهله وليس للحتلال، هذه المعاني وغيرها يصوغها الشاعر في لغة جميلة ورقيقة:

وطني إذا كانَ الزمانُ قصيدةً فهوَ المدى والمطلعُ

 كلُّ البلادِ عزيزةٌ وهوى بلادي أروعُ
لوْ صُمَّت الدُّنيا فيافا للمدائنِ مسمعُ

وطني لمنْ قام الليالي ساجداً يتضرَّعُ
وطني لمنْ بدمائِهِ بابَ المحبَّةِ يقرعُ
وطني لمنْ وفَّى النُّذور َ وبالمكارمِ مُولعُ

وهنا يجيء البيان الشعري، وتلقي القصائد على أسماعنا نشيد التمسك بالوطن، ويعلن الغائبون أنّ مفتاح البيت لايزال في أدراج القلوب وخزانات الصّدور، قبل أن يرفعوه أمام العالم، وهم يقبضون بأكفهم عليه بكل ما يملكون من حنين:

لم يَزَلْ مِفتاحُ بيتيَ في يدي
لم أزَلْْ أحضُنُ ذكرى بلدي
ما عرفتُ اليأسَ – يا جلاّدُ – يوماً
هذه آلاتُك اشْحَذْها...وهذا جِلْدي
لم تَزَلْ روحيَ تحيا أملاً
وسياطُ القهرِ تشوي جَسدَي
مُذْ عرفتُ اللهَ لَمْ أضعُفْ لمخلوقٍ ولا
ارتَجي من غيرِ ربّي مَدَدي
أيها القاتلُ يومي بُؤْ بِهِ
أنتَ لا تقوى على قتلِ غدي

نعم...أيها القاتل: لن تقوى على قتل غدي، هكذا يرسم الشعر صورة الأمل، ويعلن في القلوب أذان الثقة بالنصر القادم، والعودة الكريمة إلى كل مكان، يشتاق أهله، ويهفو إلى أصحابه الحقيقيين. من غيّب نهارهم الليل، ويعودوا اليوم ليبشروا بالصباح الجديد.