الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

الأدب في فلسطين... و"النكبة"

 

(1) تقعيد ما يجب أن يُقعد..

 

محمد أبو عزة

 

عن سابق تصميم وتعمد اخترت هذا العنوان "الأدب الفلسطيني في فلسطين.. والنكبة" لأننا في هذه (المؤسسة) نرفض أي فصل للأدب في فلسطين عن الأدب العربي، ولذلك اخترنا عنواننا (مؤسسة فلسطين للثقافة)، ولم نقل (مؤسسة الثقافة الفلسطينية) مثلا، فليس هناك ثقافة فلسطينية وثقافة مصرية، وثقافة مغاربية.. إلخ، هناك ثقافة عربية وحسب.

 

والثقافة العربية ليست مجرد دواوين شعر، بعضها أصيل وبعضها مقلد، إنها قبل ذلك هندسة وجبر و(لوغاريتمات) وضوء وبصريات، وعلم وحركة أي (ميكانيك)، وهي ايضا كيمياء وصيدلة، وهي جماعات علمية تكاد تكون معاصرة في أساليبها كإخوان الصفا وخلان الوفا، وهي طب وجراحة وتشريح و مداواة، وهي موسيقى وصوتيات وفيزياء صوت، وهي فلسفة ومنطق وطرائق معرفة، وهي دراسات تاريخية تقوم على أساس فلسفة واضحة للتاريخ، وهي فلاحة وزراعة ومنشآت ري واستصلاح أرض ومعمار، وعلم فلك ورياضيات فلكية وأرصاد جوية وعلم ملاحة وبحار، وهي فنون تشكيلية دقيقة ساحرة بلغت مراحل التجريد المنظم الذي تبحث عنه أوروبا اليوم..

 

الثقافة العربية ليست (امرأ القيس) أو (جرير) أو (أبا تمام) فقط، إنها (الرازي) و(ابن سينا) و(ابن أبي أصيبعة) في الطب، وهي (الحسن بن الهيثم) في البصريات والضوئيات وهندسة السدود ومشروعات الري، وهي (ابن البيطار) في علم النبات وعلم الفلاحة، و(الفارابي) في الموسيقى وفيزياء الصوت، و(الخوارزمي) الذي اشتقت كلمة اللوغاريتمات من اسمه، و(ابن النفيس) الذي اكتشف الدورة الدموية، و(عبد الرحمن بن خلدون) أول من فلسف التاريخ، و(أبو الريحان البيروتي) في كل فروع العلم التجريبي والعلوم الإنسانية.

 

هذه هي الثقافة العربية، ثقافتنا التي علينا فقط أن نرمم جدرانها ونصلح ما تهدم منها، ونضع بعض (الزيت) المعاصر في أقفالها القديمة لكي نفاخر الدنيا بانتمائنا إليها، ونجبه اليهود الذين لا نجد لهم شيئا منها، لا قديما ولا حديثا، بل ليس لهم أي ثقافة خاصة بهم، وهم مجرد خلية على (غصن) من الثقافة الأوروبية التي تقوم على دعامتين: الأولى ثقافة اليونان والرومان، والثانية ثقافة العرب..

 

لقد تركت (إسرائيل) الأوروبية الحرف اللاتيني وعادت إلى الحرف (الآرامي) الذي تزعمه أبجدية (عبرية)، والحرف (الآرامي) هو حرف عربي، ولذلك عادت تكتب كالعرب من اليمين إلى اليسار على الرغم من أنف أكثر من أربعين لغة أجنبية يتحدث بها (الإسرائيليون)، وعلى رأسها الإنكليزية والفرنسية والروسية والألمانية.. إلخ.

 

وبعودتها إلى (العبرية) عادت إلى قواعد النحو العربي التي اختلستها من العربية بدلا من قواعد النحو اليوناني واللاتيني كبقية اللغات الأوروبية المعاصرة.

 

ومثلما اختلست الحرف وقواعد النحو العربي، عمدت إلى الموسيقى الشعبية، والرقصات والملابس التقليدية والطبخ العربي في فلسطين، فادعت أنها من (تراثها).

 

ولقص جذور الثقافة العربية في فلسطين، عمدت سلطات الاحتلال منذ عام 1948، إلى فرض الحظر على مئات الكتب العربية، وأغلقت المكتبات العامة والخاصة، وفرضت الإقامة الإجبارية على عشرات المثقفين الفلسطينيين في مدينة بعينها، لا يغادرونها لزيارة قراهم وذويهم إلا بتصريح –لا يصدر إلا بعد سنوات أحيانا- ناهيك عن زيارة الضفة والقطاع المحتلين –بعد عدوان حزيران/يونيو 1967-.

 

ويمكن أن نمضي شوطا طويلا في سوق البراهين والأدلة، ولكن هذه ليست الغاية، بل مجرد وسيلة، نؤكد بها أننا نواجه منذ ثمانية وخمسين عاما حربا على الثقافة العربية في فلسطين، منيت خلالها (إسرائيل) بهزيمة على الرغم من حجم ما حققته –مؤقتا- على الجبهة العسكرية..

 

أما (النكبة) فهي الوصف الذي يطلق على منتصف أيار/مايو 1948. وهي ليست خاصة بالفلسطينيين وحدهم وإنما هي نكبة عربية.. وهل هناك نكبة أكبر من افتعال كيان دخيل على الوطن العربي يدعى (إسرائيل)..؟!

 

ونكبة العرب لم تبدأ في منتصف أيار/مايو 1948، ولا مع التقسيم.. وإنما مع بناء أول مستعمرة يهودية في فلسطين في القرن التاسع عشر، لتجسيد أحلام الحركة الصهيونية التي ما كان لها أن تتجسد لولا دعم القوى الدولية العظمى والغاشمة، وقد قال وايزمن عقب صدور وعد بلفور قبل ما يقرب من تسعين عاما: "إننا –أي اليهود- ظللنا نبكي على صهيون وأورشليم ألفي عام دون جدوى، حتى جاءت بريطانيا وجاء وعد بلفور، فدخلت الأماني إلى حيز الواقع..

 

وفي القرن التاسع عشر  الذي شهد ولادة الحركة الصهيونية ؛ والقرن العشرين الذي رزئت الامة العربية بقيام دولة الكيان الصهيوني .. وفي القرون التي سبقتهما ، لم تكن فلسطين مجرد صحراء قاحلة، زراعيا وصناعيا وثقافيا. وفي ذاكرتنا أسماء كثير من المثقفين، أمثال (نجاتي صدقي) –الرائد في كتابة القصة- و(خليل السكاكيني) –المربي الكبير الذي وضع كتب القراءة في المرحلة الابتدائية التي تنطلق من الكلمة العربية وإدخال كل مفردة إلى عقل وذهن الطفل بأقل قدر من الشواهد المصورة التي أثبتت التجربة أن الإكثار منها يحعل الطفل يفهم الكلمات مقرونة بالصور حتى إذا ما أخفينا هذه الصورة عجز عن قراءة الكلمات- و(بندلي جوزي) –المفكر والكاتب اللامع الذي استخدم العلم في دراسة الماضي، ووضع كتابه الهام (الحركات الفكرية في الإسلام) الذي يعتبر محاولة جريئة، واسم (بندلي جوزي) يحتل ومنذ زمن طويل مساحة هامة من الاحترام في جامعات العالم، وهو وابنة جيله الفلسطينية (كلثوم عودة) التي درست في الجامعات الروسية قبل عام 1917.

 

هذه الأسماء وعشرات غيرها، أهالت الصهيونية والقوى (العظمى) فوقها آلاف أطنان التراب، لطمس معالم الثقافة العربية في فلسطين، وإظهارنا كأقوام من المتخلفين، من دون ثقافة أو فكر تتنوع أشكالها بين القصة والقصيدة والبحث التراثي والموسيقا والفن التشكيلي والرواية والمسرح، وقبل ذلك وبعده الفلكلور الخاص الذي يتم تشويهه عن طريق نسبته زورا لـ (الشعب اليهودي).

 

كان لا بد –في الاستهلال- من أن نقعد ما صار غير مقعد، وهي مسألة يجب أن نوليها الاهتمام المطلوب في مواجهة (النكبة) التي ألمت بشعبنا وأمتنا العربية منذ ثمانية وخمسين عاما، وأن نسلط الضوء على الأدباء والمثقفين الفلسطينيين الرواد الذين عبدوا الطريق لمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران وإميل حبيبي ورشاد أبو شاور وأحمد دحبور ومعين بسيسو.. وكل الأسماء التي لمعت بعد نكبة منتصف أيار/مايو 1948.