الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

الحوار مع الذات والآخر عند غسان كنفاني في روايته: "عائد إلى حيفا"

 

الدكتور محمد عبد الله الجعيدي

الأستاذ بجامعة مدريد  

 

من خلال الحوار مع الذات يرسم غسان كنفاني بالريشة الرمزية والواقعية في روايته الرابعة "عائد إلى حيفا" الصادرة سنة 1969 صورةً درامية تنحو بالنص الإبداعي نحواً نقدياً يعيدنا إلى حقيقة القضية وقواعد الحوار والأهداف المرجوة منه، في حالة تحقيق التوازن الحواري  مع الذات نظرياً واختلاله، بسبب معطيات الواقع، مع الآخر عملياً، بعد تردد مصدرُه، على صعيد الرواية، حالة نفسية صعقتها المفاجأة غير المنتظَرة، لينطلق منها حوار متوتر مع الذات  يحاول ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، ويسبق الحوار أو الصراع مع الآخر ويؤطّره، بعد انتظار وترقب في إطاره المنطقي المُستَقَى من معطيات الواقع وسبر أغواره، ليكون مواجهة بين الحقيقة وزيفها، وبين صاحب الحق والحق المسروق، وليكون أيضاً إدانة صريحة لترك البيت والوطن والولد في يد العدو الغاصب، حتى لو كان ذلك بالإكراه، ومع ذلك يظل الحوار مع الذات أو حوار الراوي معها، وهو جزء منها، بلسانها ونفسيتها، يحرك شخصياتها في الرواية حتى تكاد تغدو بين يديه أفكاراً ورموزاً [1] محضةً لا وجود لها إلاَّ في خيال الكاتب، تتحرك في هيئة بشرية[2]، وقد قرَّ عزم الذات على التمحور في قلب الحقيقة، لينطلق الحوار على الدوام من موقف فكري وحضاري وإنساني واعٍ بحقوقه، في إطار الشرائع الإنسانية والسماوية ومدرك أبعادَ الصراع بمختلف وجوهه إدراكه معطيات الواقع الظالم وشروطه المسبقة، التي ما فتئت تقود الحوار على الدوام إلى طريق مسدود بعبثية نوايا وشروطٍ لا معنى للحق والعدل في قاموسهما الاستعماري، إلاَّ إذا بدأ الحوار باستسلام الذات وانتهى بمحو كيانها وكينونتها، بحيث لا ترى، من بعد، إلاَّ ما يراه الغاصب لها، في إطار حربه النفسية والمادية عليها، محكومة التوجهات بمعطيات ذكريات أليمة، تنكأ في الذات جرحاً قديماً، أدمن العدو على استنزافه إشباعاً لساديته، بينما ظلت تسكن ذهن الذات وترفع من حدة توترها، كلما عادت بها إلى ذلك الحادي والعشرين من نيسان الموجع لعام 1948:

"وحين دوى الرصاص وانطلق الناس يقولون أن الانكليز واليهود أخذوا يكتسحون حيفا، راودها خوف يائس"[3]

فقد مكن المنظور الثوري للرواية من التركيز على عناصر المكان/الوطن والزمان/التاريخ والحدث/القضية الفلسطينية والشخصية/الإنسان الفلسطيني لأغراض منها فنية وفكرية وأخري حضارية، يقوم على جميعها العمل الفني ليحدد ملامح الصراع الأوحد بين الشعب الفلسطيني وبين جزاريه الصهاينة ويصف الحل الأنجع له، وهو ما يحاول سعيد س توصيله لزوجه صفية، بحوار مع الذات، وإن شابته شوائب الواقع، تسنده جمل وعبارات قصصية بليغة ومباشرة، يشهد النقد الأدبي لصاحبنا بطول الباع فيها، انطلاقاً من إحساس الفلسطيني أرضَه عاشقاً[4]، لدرجة تواطؤها معه، وغربة الصهيوني عنها وجهله بها، حتى أنه ينظر إليها كمشهد عابر[5] ومجرد مسرح ملائم لأسطورة قديمة[6]، حتى ل"أعتقد أنَّ تكوين الجملة القصصية عند غسان كنفاني كان تكويناً بليغاً... وأكثر من ذلك فإن الجملة القصصية عنده ليست جملة عارية، فكثيراً ما يستعمل المحسنات البديعية فيها"[7]

فعناصر تكوين الرواية في عائد إلى حيفا عناصر استقاها الروائي من واقعه وتلاقت جميعها لتؤدي بالحوار، في نهاية المطاف، إلى طريقه المسدود، فالمكان الوطني أو فلسطين تتمزق وتغتصب، والزمان التاريخ أو الحاضر الذي نعيشه يفتح في سنة 1948 أحلك صفحاته ولا يزال. أما الحدث أو القضية الفلسطينية فقد جيرها العالم على الصعيدين العالمي والعربي حتى حطتها الرزايا من علِ، أما الشخصية في الرواية وهو الإنسان الفلسطيني فقد فرضت عليه الهزيمة مرتين دون أن يدخل حرباً أو يسمح له بدخولها. في ظل هذه العناصر الأربعة تقوم رواية العائد بتوجيه الحوار إلى غايته المنطقية بعد أن تكون قد حققت أغراضاً فنية وفكرية وحضارية يقوم على جميعها العمل الفني.

فالمتفحص في رواية العائد، وقد مهدت له مكونات الرواية بالسلبيات التي اكتنفتها في ظل الظروف المحيطة، لا ينتظر منذ البداية من الحوار سواء على مستوى الذات أو عندما ينتقل إلى الآخر إلا الوصول إلى الطريق المسدود، إذ أن ما قام على سلبيٍّ لا يكون إلا سلبياً، ومن هنا تبرز منطقية فشل الحوار مع الآخر بعد أن مهد له الكاتب بنجاح الحوار مع الذات أو في الأقل  تسويته.

ولا يمكننا أن نزعم بأي حال من الأحوال أن الحوار مع الذات في العائد إلى حيفا قد استنفذ غرضه المنطقي والواقعي، وذلك لأنه في نهاية المطاف ودون أن ينتهي من مهمته قد انطلق لمواجهة الحوار مع الآخر مواجهة غير متكافئة وإن لم تؤدِ إلى انتحار الذات بسبب اختلال ميزان القوى فإنها لم تؤدِ إلى أي نتيجة ملموسة سوى التأكيد على قناعة الكاتب بأن المسألة يحتاج حلها إلى حرب، وبهذا التأجيل تجنب الكاتب أن يختلق مواجهة تكون على صعيد الواقع موتاً وعلى صعيد الخيال غير منطقية، وعلى أي حال فالحوار مع الذات إنطلق إلى الحوار مع الآخر مبتوراً لأن كل الظروف المحيطة به كانت مبتورة، وفي ذلك إدانة للواقع وقسوة على الذات لإخراجها من الدائرة المغلقة التي تدور بها منذ النكبة. ومن هنا جاء الحوار مع الذات يحمل تلك العبارة القاسية "أي خلدون يا صفية"، ومن هنا يؤكد غسان كنفاني مثنى وثلاث ورباع على ضرورة اتمام الحوار مع الذات وترتيب البيت من الداخل قبل مواجهة العدو وهو الأمر الذي تجهله اليوم سلطة أوسلو أو تتجاهله أنانية، وقد ضلت خطاها الطريق إلى الحوار مع العدو ليفرض عليها استكباره وتسويفاته على طريق تصفية الحقوق وتفريغ الوطن من أهله.

وتعتمد رواية العائد إلى حيفا"على الحوار أكثر مما تعتمد على الحدث. وهو حوار يستهدف بسط أفكار بالدرجة الأولى، ويستهدف عرض حالة داخلية تفتقر إلى العمق".[8] ومن هنا، لا يمثل دوف المُهوَّد، على سبيل المثال، في الرواية "كياناً إنسانياً، بقدر ما يتمثل كحالة أيديولوجية زائفة وك"وعي" تشكل في هكذا مجتمع ... أما الحوار الذهني فيبقى هو عصب الرواية الذي يريد الكاتب أن يصل من خلاله إلى ما يريد. وما يريد أن يوصلنا إليه، يضعه أمامنا بكل وضوح ومباشرة"[9]، "باعتبار أنَّ الإنسان يستحيل بعد اللحم والدم إلى قضية يُحقن بحقائقها وأوهامها ساعةً فساعة ويوماً فيوماً، قضية مخالفة، فلا نفع فيها"[10]، وفي ذلك "نوع من أنواع النقد الذاتي يقسو فيه القاص على قومه"[11].

فالحوار في رواية العائد يقوم على ثلاثة مستويات أولها الحوار الداخلي (المونولوج) وفيه تتحدث الشخصية لنفسها أو مع نفسها وبالمقابل الواقعي يتحدث الفلسطيني مع نفسه، وفي هذه الحالة كان غسان كنفاني يقسو على النفس ويطالبها بما تحتمل، وأحياناً بما قد لا تحتمل، لأنها تروي "أحداثاً ووقائع خاصة بها، وتكشف عن العالم الداخلي لذاته، وهذا هو أهم أشكاله وتجلياته".[12]وكأنه بذلك كان يريد أن يقول للفلسطيني أن يعتمد على نفسه، فإن جاءه عون الأخِ أو عون الصديق فذلك خيرٌ على خير وإلا فالاعتماد على النفس هو السبيل الأمثل للخروج من المأساة واستعادة الحق السليب.

والمستوى الثاني وهو مستوى الحوار مع الذات الجمعية، وفيه يتحدث الفلسطيني للفلسطيني وهنا كانت تخف شيئاً فشيئاً حدة الانتقاد للذات وللجماعة، لتتسع الذات الجمعوية أحياناً فتشمل الأنت في الذات على المستوى العربي. وكانت هذه الأخيرة هي الأقل حضوراً في أعمال غسان كنفاني ذي الرؤية القومية في إطارها الكوني.

أما المستوى الثالث من الحوار فهو حوار الذات بكل مكوناتها أو ببعضها مع الآخر، وهو في هذه الحالة يمثل العدو الغاصب وموجديه وحماته على أرض فلسطين. وفي هذه الحالة ونتيجة لمعطيات الواقع التي تغرف منها الرواية عناصرها، لا يكون هذا النوع الأخير من الحوار إلا صداماً وصراعاً. ولهذا كله، تحاشى غسان كنفاني أن يعطي شخصياته تقاسيم دلالية واضحة لكي لا يثبت فعل الفشل أو انسداد السبيل في الأذهان لشريحة معينة أو لشخص معين أو لمسؤول معين، إذ أن المسؤولية هي مسؤولية الجميع، وقد مكنه ذلك من جمع الشعب الفلسطيني بكل طبقاته وفصائله على اختلاف أعمارها وتكوينها الثقافي ووعيها بالقضية تحت راية المقاومة، وهذا ما أكدت عليه بعد ذلك أحداث انتفاضتي المساجد والأقصى. فهل تدرك الدرسَ الكنفاني البليغ سلطةُ أُسلو، وقد تنامت طبقة طفيلية على الجسد الفلسطيني المثخن بالجراح والخيبة، لا هم لها في ظل استشراء الفساد والجاسوسية والتفريط والمحسوبية، في أصحابها إلاَّ التغذي على دماء أهلنا وإطعامهم للجوع والقهر والاغتصاب!!

من خلال الحوار مع الذات "لا يكتفي غسان كنفاني بالإدانة والنقد، بل إنه يرسم طريق الخلاص، الطريق الحقيقي للوصول إلى الوطن"[13] والخلاص الحقيقي من الاحتلال. وبالحوار مع الذات أيضاً "استطاع البطل المحاور -الكاتب- أن يتحول إلى قاض يحاكم علاقة الفلسطيني وروابطه بالقضية والوطن، ولكن بتؤدة وهدوء ، ودون أن يخرج عن ذكائه وعمق حساسيته، وهو يسير ببطله إلى إقامة علاقات وجسور جديدة تستند إلى ما يريده غسان من إنسانه الفلسطيني، بالتحرك بفعالية نحو القضية وليس الوقوف عندها فقط، وتأملها بل بالحركة المحاورة"[14]. فقد "كانت عائد إلى حيفا حساباً عسيراً للذين يبحثون عن البدائل المضحكة للوطن"[15]، و"جميعهم عادوا يحملون خيبة كبيرة".[16]

إنها أستاذية في الإبداع والفكر والنضال، ملَكَ غسان كنفاني بثقافته الإنسانية الموسوعية ناصيتَها، فوازن بين مكوناتها موازنةً جعلت من رواية النكبة "عائد إلى حيفا” روايةً للعودة بامتياز، وأثارت حفيظة الآخر الغاصب الذي لم يجد غير الاغتيال والإرهاب الحقود رداً على العبقرية الفلسطينية المبدعة ومنطقيتها في الحوار الجليّ مع الذات، ومن ثمة الحوار القائم على الثوابت مع الآخر ومقدرتها على تفنيد ذرائع هذا الأخير ورد كيده إلى نحره.

تعتبر رواية "عائد إلى حيفا" بامتياز رواية الحوار مع الذات، منذ أن تبدأ ببداية الحدث فيها، على لسان الراوي، في ظهر ذلك الثلاثين من حزيران، 1967، مستغرقة حيزاً زمنياً ومكانياً متنوعاً، تختلط فيه الأزمنة ويختلف الفضاء ويتداخل الزمان والمكان، ويتخذ الحديث، في شكل من أشكال حوار الذات، مداره حول رحلة العودة إلى المدينة المغتصبة والبيت المسلوب والابن المفقود وغيرها من ذكريات الماضي المرعبة التي تنثال على ذهن الإنسان الفلسطيني الذي فقد، بحربين لم يخضهما، البيتَ والراية وشيئاً من الثقة في الذات القريبة والأقرب. "فهي رحلة في الوطن والتاريخ، رحلة الفلسطيني في وطنه المغتصَب وتاريخه الدامي، رحلة الأسرة الفلسطينية الممزقة والشعب الفلسطيني التائه المشتَّت. وهي أيضاً رحلة العودة المأمولة والنضال الثوري المسلح".[17

فقد خان الإنجليز و "تركوا المدينة قبل موعد تركها/ غدراً وقالوا فتنة صماء/ حملوا السلاح إلى اليهود وأرجفوا/ إن اليهود عصابة حمراء/ هذي طريق البحر تنجيكم إلى/ عكا فهيّا فالطريق خلاء"[18]، فأُقتُلع ابنُ حيفا من مدينته بالقوة، و "بات واضحاً أنهم يدفعونه نحو الميناء، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيس مغلقة تماماً وكان إذ يحاول الاندفاع في أحدها ليتدبر أمر عودته إلي بيته يزجرونه بعنف، أحياناً بفوهات البنادق وأحياناً بحرابها"[19] إلى أن دُفع دفعاً مع زوجه صفية، ليل ذلك الأربعاء الحادي والعشرين من أبريل، إلى قارب بريطاني، اختطفهما على متنه وقذفهما بعد ساعة على شاطئ عكا الفضيّ.

فلم تكن الذات البسيطة في تلك الأيام تعي حق الوعي أبعاد ما يُحاك لها من مؤامرات، ربما لهول الصدمة المغلفة بغموض معطيات الوضع السياسي والعسكري وقسوة الواقع المفروض وسلب حقوق الذات بالقوة والعدوان، حيث "كان الناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشارع الرئيس المتجه إلى الميناء، رجالاً ونساءً وأطفالاً، يحملون أشياء صغيرة أو لا يحملون، يبكون أو يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح، وضاع بين أمواج البشر المتدفقة وفقد القدرة على التحكم بقدراته. إنه ما يزال يتذكر كيف أنه كان يتجه نحو البحر وكأنه محمول وسط الزحام الباكي المذهول غير قادر على التفكير في أي شيء، وفي رأسه كان ثمة صورة واحدة معلقة كأنما على جدار: زوجته صفية وابنه خلدون"[20].

وظل الفلسطيني في حواره مع الذات، على صعيد الوعي واللاوعي، قبل خوضه صراع اتخاذ القرار الأخير وبعده، يتشبث بحقه في عودة لا تتحقق إلاَّ بالكفاح المسلح: "ودون أن يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل، قرر ألا يصل إلى الزوارق وفجأة - كمن أصيب بجنون، أو كمن عاد إليه عقله دفعة واحدة بعد جنون طويل- استدار وسط الزحام، وأخذ يدافعه محاولاً بكل ما فيه من قوة مستنزفة أن يشق طريقه وسطه، عكسه، نحو البوابة الحديدية"[21]. وعندما تتاح فرصة "العودة" للفلسطيني عبر متاهات وشروط يستدرجه الغاصب إليها، يدرك أنَّ فيها هلاكه الفردي والجماعي، فيقف الحوار مع الذات، بلا تردد، دون تكرار الخطأ أو الخطيئة التي لا تزال تدمي ضميره: "لا، لا أريد الذهاب إلى حيفا، إن ذلك ذل، وهو إن كان ذلاً واحداً لأهل حيفا فبالنسبة لي ولك هو ذلان، لماذا نعذب أنفسنا؟"[22].

ومن ذلك التصوير النفسي المشحون برغبة الكاتب في التأكيد على ما يريد توصيله من أفكار وثوابت نلاحظ أن ليس ثمة شخصيات بالمعنى الحقيقي في عائد إلى حيفا ، لا سعيد س ذا الشخصية الغائمة ولا صفية التي "حملها الكاتب حياتها كلها اثماً نعتقد أنها لم ترتكبه"[23] ولا غيرهما. ففي عائد إلى حيفا، "الأبطال هم مجرد حالات تسمح لكنفاني أن يعلن القطيعة والالتحام بالثورة. الماضي القريب يجب رفضه عملياً. والرفض العملي يبدأ مع الطريق الثوري"[24]

 وتؤسس الفطرة في عائد إلى حيفا للحوار مع الذات وترسم له، فيما بعد، حدود خوض حوار مرٍّ آخر، يتردد في أعماقه صدى صوت الوطن الحي الصارخ في وجوه الهاربين، ويترتب عليه اتخاذ القرار الأخير في كيفية المواجهة للخروج من المأزق، سيان كانت نهاية الحوار اللاحق إيجابية أم سلبية، بحيث لا يخل أيٌّ من طرفي المعادلة بطبيعة الأشياء ونواميس العدالة المتمثلة في التمسك بالوطن، إذ أنَّ إحدى شخصيات الرواية في حوارها مع الذات، في خضم الفاجعة التي ساطت قلادة الوطن المغصوب، حيفا، في ذلك النيسان الملتهب من سنة 1948، كما يقدمها الفصل الثالث من رواية العودة: "ليست تتذكر تماماً، ولكنها تعرف أن قوة لا تصدق سمرتها في الأرض، فيما أخذ السيل الذي لا ينتهي من الناس يمر حولها ويتدافع على جانبي كتفيها وكأنها شجرة انبثقت فجأة في مجرى سيل هائل من الماء، وارتدت هي الأخرى تدافع ذلك السيل بكل قوتها. وأمام عجزها وتعبها أخذت تصرخ بكل ما في حنجرتها من قوة ولم تكن كلماتها الطائرة فوق ذلك الزحام الذي لا ينتهي لتصل إلى أي أذن. لقد رددت كلمة "خلدون" ألف مرة، مليون مرة، وظلت شهوراً بعد ذلك تحمل في فمها صوتاً مبحوحاً مجروحاً لا يكاد يسمع. وظلت كلمة "خلدون" نقطة واحدة لا غير، تعوم ضائعة وسط ذلك التدافق اللانهائي من الأصوات والأسماء."[25]

وعبر حوار الذات بلسان الراوي يتوحد صوت الضمير الفلسطيني المصمم على العودة إلى حيفاه، والتشبث بحقوقه على اختلاف قدراته وتباين تصوراته لمعطيات الواقع: فقد كانت صفية "على وشك السقوط وسط الأقدام حين سمعت كمن يحلم صوتاً ينبثق من الأرض، ويناديها باسمها. وحين رأت وجهه وراءها يتفصد بالعرق والغضب والإرهاق أحست هول الفاجعة أكثر من أي وقت مضى، واكتسحها حزن يشبه الطعنة التي ملأتها بطاقة من العزم لا حدود لها وقررت أن تعود بأي ثمن"[26].

وما يكاد "سعيد س" يصل وزوجه صفية "بيت غاليم" على مشارف حيفا بدخول الرواية قسمها الثاني، بعد أن تنازعت الحالة النفسية للزوجين، الذات، في قسمها الأول، تجاذُبات  الماضي المرعب ومفاجأة الحاضر الأكثر رعباً وذلاً، حتى ينتابهما توتر حاد يعيد الندم الذي يضع الحوار في مهب التجاذبات الأيديولوجية في حوار لاحق آخر، تتراجع فيه رابطة اللحم والدم أمام سطوة التربية ليتسرب إلى الذات من الباب الخلفي، وتعود الأمور "فجأة عودةً لا تُصدَّق، وراء ظهر العقل والمنطق .." [27]، لدرجة أنَّ العائد إلى مدينته حيفا وبيته فيها يكتشف، "على التو أن ذلك الاسم ، لم يلفظ قط في تلك الغرفة منذ زمن طويل. وأنهما في المرات القليلة التي تحدثا عنه كانا يقولان "هو"، (في اشارة لخروجه من الذات إلى ما سواها)، بل إنهما تجنبا تسمية أي من أولادهما الثلاثة ذلك الاسم، وإن كان قد أطلقا على أكبرهما اسم "خالد"، وعلى البنت التي أنجباها بعد ذلك بعام ونصف "خالدة"، بل إن أولادهما لم يعرفا قط أن لهما أخاً اسمه خلدون، وهو نفسه ينادونه "أبا خالد"، وأصدقاؤه القدامى اتفقوا على القول بأن خلدون قد مات. فكيف يمكن للأمور أن تندفع من الباب الخلفي على هذه الصورة الفريدة؟"[28]

وبتدخل الراوي الذي هو الكاتب من الباب الخلفي للأحداث وروايته تلك التفاصيل النسبية عن الأثر الذي تركه ضياع خلدون في الذات، تضع الرواية المقدمات الأولية التي يمكن للقاريء بسبر أغوارها، أن يدرك أن الحوار مع الآخر لن يكون إلا صداماً ومواجهة. ولكن في ظل اختلال موازين القوى وميلها لصالح الآخر توجب على الذات أن تمنح نفسها مسافة من الوقت تعد خلالها النفس وترتب البيت الداخلي لتستعد من هناك للمواجهة في ظل توازن القوى إن لم يكن في ظل ميلها لصالح الذات. ومن هنا، فالرواية تريد تجاوز الواقع السلبي الذي يثقل كاهلها بعد هزيمتين كبيرتين ترتبتا على عدم تأسيس حوار سليم مع الذات وترتيب البيت من الداخل للخروج بصوت واحد يدرك ثوابت القضية التي يناضل من أجلها ولا يقبل أي تنازل عن مكوناتها، لا في أوسلو ولا في جنيف، ولا في طابا ولا في شرم الشيخ.

فخلدون رمز ما ضاع وتمَّ مسخه مسخاً يجعل من المستحيل عودته إلى حالته الأصلية هو أمر عابر في مكونات ذاكرة الذات وعقبة في طريق الحوار. أما ما يوحي به اسم خالد الفدائي واسم أخته خالدة فهو الباقي والثابت الملموس الذي يتوجب التشبث به والعمل على تقويته من أجل توفير شروط أصح للحوار مع الذات وما قد يليه من حوارات على اختلاف سبلها، تمكن الذات من استرداد الحقوق المغتصبة. ولهذا يترافق اسم خالد في إطار الحوار مع الذات الذي تنتهي به الرواية، مع لهجة قاطعة، تنم عن حسم في اتخاذ القرار التاريخي الذي لا مناص من اتخاذه للخروج من حلقة التردد المفرغة التي ظل يدور فيها لأكثر من عقدين من الزمان.

ويصطدم حوار الذات، في غير مناسبة، عند صاحب الحق، بتعدد مكونات الحق الضائع التي لم تبق للفلسطيني مخرجاً يسهِّل عليه القبول بما تبقى في اليد بعد الاغتصاب من حقوق ويدفعه إلى استيعاب ذلك وتقبله في أيِّ حوار قادم، فالذات تحاور نفسها وتقدم هذه الحقيقة فجةً علّها تحمل في هذه الفجاجة سيف الحقيقة الذي يضع الحد بين الوهم والواقع، وبين الحق والباطل، وبين المقاومة والاستسلام، حيث يأتي صوت الحق من خلال الحوار مع الذات حاداً ليقطع في اللحم الحي: "أوهام يا صفية أوهام! لا تتركي لنفسك أن تخدعك على هذه الصورة المحزنة. أنت تعرفين كم سألنا وكم حققنا. وتعرفين قصص الصليب الأحمر، ورجال الهدنة، والأصدقاء الأجانب الذين بعثناهم إلى هناك."[29]

كما يصطدم حوار الذات بتعدد مكونات هذه الأخيرة وتفاوت مواقفهم وتباين رؤاهم للواقع وما يحمله من إرهاصات مستقبلية، تتشابك فيها معطيات داخلية وخارجية، تكسو كل رؤية بدرجات متفاوتة، بغشاوة من التردد لا يمكن تجاوزها إلا بتأسيس حوار مع الذات، يقوم على الصراحة والالتزام بالثوابت والأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات المحيطة قبل خطو الخطوة الأولى باتجاه الحوار مع الآخر، هذا إن كتب لهذا الحوار أن يصبح حقيقة في لحظة ما، إذ أن كل المعطيات الحاضرة تقول باستحالة ذلك الحوار في ظل اختلال موازين القوى لصالح الآخر الغاصب، في ظل تهلهل البيت الداخلي للذات أيضاً وعدم وقوفها على كلمة واحدة. وبهذا فالحوار مع الذات في الرواية يحاول السير عبر الأحداث باتجاه التسوية مع الذات فيبدأ بالتحفظات فالإصرار ثم القبول فالتبرير.

إن هول الواقع والتجربة المرة التي ساطت الفلسطيني أو الذات، فمزقت أسرته إرباً وشردته من بيته وسلخته عن أهله ومدينته سنة 1948، قد جعلته يؤمن أكثر من أي وقت مضى بتماسك الأسرة، أو ما تبقى منها في الطريق السوي صفاً واحداً كلما اكفهر الواقع وهدده بمأساة جديدة، حتى ينحو الحوار مع الذات نحواً يربط النتائج بالمقدمات، ويلح على الربط بينهما بعفوية صفية التي عودنا الكاتب عليها:

"إذا أردت أن تذهب فخذني معك، لا تحاول يا سعيد أن تذهب وحدك"[30]

فها هي الذات، على مستوى الكتابة في الأقل، تتشبث بهذه الوحدة، في حوارها، ليكون المصير واحداً والعمل واحداً. وربما حدث ذلك تحت إلحاح شبح ما حدث من خروج صفية من بيتها في الخليصة للبحث عن سعيد وما ترتب عليه من مآس لا تريد لها الذات، أن تتكرر مرة أخرى. كما تعمل الذات مباشرة أو بلسان الراوي على توحيد خطابها الحواري بإجلاء الغشاوة التي تكتنف المواقف نتيجة حسن النوايا أو نتيجة عدم إدراك أبعاد معطيات الحدث وما قد يترتب عليه:

"صباح الأربعاء، 21 نيسان، عام 1948.

كانت مدينة حيفا لا تتوقع شيئاً، رغم أنها كانت محكومة بتوتر غامض.

 وفجأة جاء القصف من الشرق من تلال الكرمل العالية، ومضت قذائف المورتر تطير عبر وسط المدينة، لتصب في  الأحياء العربية.

... ولم يكن يعرف على وجه التعيين أين يحدث القتال وكيف، وفي كل حدود علمه أنَّ الانكليز كانوا ما زالوا يسيطرون على المدينة"[31].

ونتيجة للحوار الواعي مع الذات التي تعلمت الدرس من تجارب سابقة ترسبت في نفس سعيد الفلسطيني قناعة عدم التردد وعدم السكون للحال المفروضة فأفصح عنها بمفاهيم أيديولوجية شمولية ومطلقة، أنطقه بها الراوي، تردفها توضيحات تكتسب فعاليتها من منطقيتها وحدسها بالمستقبل: "جميعهم عادوا يحملون خيبة كبيرة.إن المعجزة التي يتحدث عنها اليهود لم تكن إلا وهماً. في البلد هنا ردة فعل سيئة جداً، وهو عكس ما أرادوه حين فتحوا حدودهم أمامنا. لذلك أنا أتوقع يا صفية أن يلغوا ذلك القرار قريباً جداً، وهكذا قلت لنفسي لماذا لا نقتنص الفرصة ونذهب؟"[32]

وهذه هي نبوءة الذات المبدعة التي يقدمها لنا غسان كنفاني من خلال مشهد للحوار مع الذات، بحس وطني لا يخطيء صيرورة التاريخ، منه ينبثق الأمل في العودة وهو ما يضع الحوار مع الذات، رغم عدم اكتماله في ظل معطيات المفاجأة التي فرضتها هزيمة 1967 على الذات بمختلف مكوناتها،  في مكانه الصحيح لمواجهة أي حوار لاحق محتمل مع الآخر ويضعه في إطاره المنطقي الفاعل بعيداً عن أكذوبة "الأرض التي كانت صحراء أعادت الوكالة اليهودية اكتشافها بعد ألفي سنة"[33]. فهذه كانت نبوءة الذات المبدعة في حوارها الوطني قبل أربعة وثلاثين عاماً تعود الآن لتؤكد صحة حدسها وصواب رؤيتها بما يبنيه الاحتلال اليوم من أسوار عزل عنصرية، حول كيانه الغاصب، في محاولة منه لتسوير ما اغتصبه سنة 1948 وعزله عما اغتصبه في سنة 1967، بعد أن راح هذا يُذكِّر بذاك في المحافل الدولية وفي ضمير العالم، كما هو في القانون الدولي وفي الواقع.

فالحوار مع الذات في العائد إلى حيفا خطوة أولى، على استحيائها في الاتجاه الصحيح، منذ أن أصبح الإنسان، بتوجهه العفوي نحو الوطن، قضيةً، للكشف عن حقيقة أنَّ صراع الفلسطيني مع غاصب وطنه هو صراع أيديولوجي شامل وليس صراعاً شخصياً أو محدوداً يمكن حله بحوار الذات المظلومة مع الآخر الغاصب حيث: "ابتسم سعيد بمرارة، ولم يعرف كيف يقول لها أنه لم يأت من أجل هذا، وأنه لن يشرع في نقاش سياسي، وأنه يعرف أنْ لا ذنب لها."[34]

وبهذا يعود حوار الذات مع الآخر للتروي والعض على الأصبع، ليجعل من الخطوة الأولى نحو الخلاص خطوة قصيرة المدى تمشياً مع اختلال موازين القوى لصالح الآخر الغاصب حتى لا تنهار الأمور ويزداد ميزان القوى المختل أصلاً ميلاً لصالح العدو. ولهذا تؤجل الذات إلى حين نراه قريباً، المواجهةَ لحل القضايا العالقة الذي لم تبشر أوّليات ما كان سيكون حواراً مع الآخر بتجاوزها تجاوزاً يقوم على إحقاق الحق ورد الحقوق لأصحابها.

فقد استحال حوار الذات مع الآخر، في مرحلة لاحقة، استحالةً قدم لها الكاتب، عبر الحوار مع الذات، وتنبأ بها، بسبب تعمد ذلك الآخر الإخلال بقواعد التعايش ونواميس التسامح الإنساني وإصراره بعقلية المغتصب الغريب عن المنطقة على محو "الأغيار" أو "الغوييم"، وهم أهل البلاد الأصليين كياناً وثقافة ووجوداً، بحيث لم يعد موجوداً في فلسطين المحتلة إلاَّ سبتٌ غاصب دخيل، غيَّب الجمعة الحقيقية وغيَّب الأحد الحقيقي[35].

وكشف حوار الذات، في الرواية، عن عدم توفر الأسس الأولية لإمكانية بدء حوار تفاوضي مع الآخر/ العدو، وذلك لأن هذا الأخير، في مجموعه، غير مستعد، بل غير مؤهل لحوار حقيقي، يعيد الأمور إلى طبيعتها، ويحاول تسوية ما نتؤ، على وجهه، من أدران الأنانية والغزو والهيمنة حيث لم تفلح كل علامات التفاهم الظاهري بين الزوجين من ناحية وبين العجوز البولونية التي اغتصبت بيتهما بأمر من الوكالة اليهودية من ناحية أخرى: "وتحرك في مكانه ناظراً إلى صفية كمن يستنجد. فتقدمت أم خالد خطوة إلى الأمام وقالت:

- هل نستطيع أن ندخل؟

... أنتما أصحاب هذا البيت، وأنا أعرف ذلك".[36]

كما قدم لنا حوار الذات حقيقة أنَّه إنْ وُجِد بعضٌ في ذلك الآخر يلين في لحظة غيبوبة أو صحوة عابرة، ولو قليلاً، إلى ناموس العدل والحق، فإنه بعضٌ متردد في لينه ومتفتت تفتُّتَ تجمعه الغاصب، ولا يكاد يقف على قدميه أمام جبروت الآخر بنتوئه الشاذ عن نواميس الطبيعة والحق والعدل. وهذا هو ما يؤكد عليه الراوي باعتباره الشخصية التي تتحدث، في هذه الحالة، باسم الذات في صمتها: "وحين عاد "أفرات كوشن" مع ميريام إلى نزل المهاجرين كانت "ميريام" قد قررت العودة إلى إيطاليا. ولكنها لم تفلح طوال تلك الليلة، ولا في الأيام القليلة التي عقبت ذلك اليوم، في إقناع زوجها بذلك، وكانت دائماً تخسر النقاش بسرعة، ولا تستطيع إيجاد الكلمات التي تعبر عن رأيها، وتشرح حقيقة دوافعها"[37]. فتلك الشريحة، وهي نزر قليل في التجمع الغاصب كما يصورها غسان كنفاني في عائد إلى حيفا، ضعيفة الحجة لأنها تنطلق من الأيديولوجيا الصهيونية الغاصبة، ويظل موقفها الظاهري المخادع مكبلاً ب"لكن" رهيبة مميتة دامية. تُغيِّب عن قاموسها الذي وضعته الحركة الصهيونية أي معانٍ للحق والعدل ووجود الآخر، وهذا يكاد ينطبق على ما يعرف اليوم بحركات السلام أو اليسار في الكيان الصهيوني الغاصب الذي يعتبر نفسه بديلاً عن فلسطين وشعبها وأداة نفي لهما!

فهذه الصورة التي يرسمها الكاتب، عبر دوره كراوٍ، لبعض الآخر، بحوار الذات الفلسطينية أو بتمنياتها ودوافعها الإنسانية مضفياً علي العدو تلك اللمسة، تظل في الواقع باهتة وغائبة، ويكاد دورها في الحوار المنطقي يكون غائباً، بل مُسقطاً، لعدم فعاليته. وبهذا فدور ميريام زوج العجوز البولوني الهالك، بوجهه الصغير الذي يشبه وجه الدجاجة، في العدوان الثلاثي على مصر وقطاع غزة، أو دور تورا زونشتاين التي تعيش مع طفلها بعد أن طلقها زوجها، وهو دور ترقيعي لوجه الاغتصاب الكريه وهامشي غير فاعل في تجمّع غازٍ، جاء عن عمد وسبق إصرار لاغتصاب حقوق “الأغيار” ونفيهم بل ومحوهم من الوجود، حيث أن نوايا ذلك النزر الهامشي الذي لا يكاد يغير في بقية الآخَر شيئاً، تجرفه رياح الواقع الغازي الذي لا يحسب له، ولا "للأغيار"، حساب، إنه السم بعينه المدسوس في الدسم. فقد "كانت تورا تحسب أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة. إلا أن ذلك الحسبان ما لبث أن سقط بعد يومين اثنين، حين اكتشفت أن الأمر يختلف تماماً عما كانت تحسب"[38]. 

وبالتالي يظل الحوار، كما رآه حدس الذات، مع تلك الشريحة قاصراً وعقيماً، بسبب الواقع الذي خلقته عقلية الغزو الاستعمارية الإحلالية، رغم كل النوايا الطيبة المتوفرة لدى الذات، وربما لدى تلك الشريحة الضيقة غير الفاعلة من التجمع الغاصب. فلم "يتناول “سعيد س” قهوة ميريام، واكتفت صفية برشفة واحدة، تناولت معها قطعة من البسكوت المعلب كانت مريام قد وضعته، دون أن تكف عن الابتسام، أمامها"[39]. فصفية التي تمثل الجانب عفوي السلوكيات من الذات تحاول خلق نوع من الحوار، الذي يعرف "سعيد س"،  الذي يمثل جانب العقل والمنطق المستَرَدّينِ في الذات، مقدَماً نتيجتََه الموصودة في وجه أي إمكانية لإقناع الغاصب بأن يكون سوياً ومتفهماً للحق والعدل، ولو في مستواهما الأدنى.

وكما يقدمها الكاتب،  تنظر تلك الشريحة، ومنها العجوز البولونية التي احتلت بيت الزوجين الحيفاويين بأمر من الوكالة اليهودية، بمكر وسوء نية مبيت، وربما باستخفاف، عن عمد وسبق إصرار، "للأغيار" الذين في هذه الحالة هم الفلسطينيون الذين لا يريد لهم التجمع الغاصب غير أن يكونوا خدماً له معجبين به، مما قد يضلل الصُنوَ رهين العاطفة من الذات ويجعله يخلط بين رؤية التحرير ورؤية الاحتلال، لأنه لا يرى الأمور إلاَّ بقدر ما يرونها له، في محاولة منهم لتضليله وخداعه، وحمله على مواصلة خلط الأمور ببعضها بعضا، فخذ هذا الحوار الذي يدور، على مدى ساعتين، بين الزوجين وبين العجوز البولونية المهاجرة، في بيت الزوجين المغصوب، في خليصة حيفا، وقد صار، منذ التاسع والعشرين من ذلك النيسان، منزل هذه العجوز الغاصبة ومنزل زوجها إفرات كوشين المستأجَر من دائرة أملاك الغائبين في حيفا!!!، عبر متاهات تؤول به، بعد أن وسَّعت العجوز للزوجين من الطريق، إلى جدل سياسي وأيديولوجي حول العدوان والاحتلال، وحول أثاث البيت بما يمثله من بيّنة على الاغتصاب، وصولاً إلى الحديث عن "دوف" أو خلدون المتهوِّد كأبشع شاهد على ما ترتب على الاغتصاب الصهيوني لفلسطين من جرائم، تخرج عن النواميس الإنسانية ولا تقبلها النفس السويّة، فقد طُرد الزوجان الحيفاويان ليحل بجبروت الاغتصاب والتزييف محلهما، في البيت والولد والأثاث والوطن، مهاجران يهوديان جلبتهما الوكالة اليهودية من وارسو عاصمة وطنهما بولونيا إلى حيفا، عبر ميناء ميلانو الإيطالي، في أول مارس 1948: "أنا أعرف أباه، وأعرف أنه ابننا، ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه، لندعه يختار. لقد أصبح شاباً راشداً، وعلينا نحن الاثنين أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق في أن يختار.. أتوافق؟ ...... وأخيراً التفت إلى صفية وشرح لها ما قالته ميريام، فقامت من مكانها ووقفت إلى جانبه، ثم قالت له بصوت مرتجف:

- ذلك خيار عادل.. وأنا واثقة أن خلدون سيختار والديه الحقيقيين .... لا يمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم"[40] لكن الذات بِصِنوها المنطقي العقلاني تدرك تلك المطبات الحوارية التي يلجأ إليها الآخر، كما في الأفلام الرخيصة، ليقود الحوار لصالح الاغتصاب بعد أن فرضه على الأرض واستوى له كل شيء، بقوة السلاح وسفك الدماء، ورماه في روع بعض الذات، مما يحمي هذه الأخيرة من الوقوع في حبائل الخداع التي تقوده للتنازل عن حقوقه بسبب ضعفه، وبسبب المعطيات الظالمة التي تدركها الضحية كما يدركها الجلاد في ظل اختلال موازين القوى الذي يحدد وحده في نهاية المطاف تلك المعطيات، إذ أن مريم "تعرف" ما أرادت لها الوكالة الصهيونية أن تعرفه من أن ما يسلب بالقوة يصبح حقاً للسالب فقد "تمت الرحلة بعدما سمحت قوات الاحتلال الصهيوني بفتح الحدود بين المدن الفلسطينية،  من جهة، وبينها وبين الأردن من جهة ثانية، ولكن بعد أن أحكمت سيطرتها ووطدت استعمارها، وهذا ما جعل "سعيد س" يدرك أن مدينته التي أُرغم على مفارقتها طوال عشرين سنة تتنكر له"[41] ، إذ أنَّ بوابة مندلبوم قد فُتحت، على غير ما ترجو الذات وتشتهي، من الناحية الأخرى فجأة، فور أن أنهوا الاحتلال وأحكموا قبضتهم على الأرض، حيث يضع "سعيد س" الشخصيةُ الرئيسية في الرواية معطيات الحدث في مكانها ويقود الحوار مع الذات، في الطريق الصحيح، بما تسمح به معطيات الواقع، إلى غايته، ليضع الدواء للداء الخبيث الذي لا شفاء منه بالحوار المماطل، وإنما باللغة التي يفهمها الآخر، والتي بها لا يزال يغتصب الحقوق، ويعتدي على ضحاياه من "الأغيار":

"وفجأة أخذ سعيد يضحك بكل قوته، وكانت ضحكته تعبق بمرارة عميقة تشبه الخيبة:

- "أي خلدون يا صفية؟ أي خلدون؟ أي لحم ودم تتحدثين عنهما؟ وأنت تقولين خيار عادل! لقد علموه عشرين سنة كيف يكون، يوماً يوماً، ساعة ساعة، مع الأكل والشرب والفراش.. ثم تقولين: خيار عادل! إن خلدون، أو دوف، أو الشيطان إن شئت، لا يعرفنا! أتريدين رأيي؟ لنخرج من هنا ولنعد إلى الماضي. انتهى الأمر. سرقوه"".[42]

ويكشف مسبقاً هذا الحوارُ مع الذات الضحية الحقيقية، "سعيد س" مع صفية، بعد تصحيحه طرحاً غادراً نصبه في طريق الذات مَنْ يبدو بمقاييس الواقع الظالم المخادع ضحيةً، عن وحدانية الحوار الممكن في ظل اختلال موازين القوى. "ولأن الصهيونية تؤمن بالعنف ولا تتورع عن استخدام أبشع أنواعه وأكثرها وحشية وبشاعة، ولأنها تقوم على دعاوى باطلة وتستغل أطروحات مغلوطة وأساطير جوفاء، تعمد عن طريقها إلى ترسيخ مقولات ...، تضفي عليها طابع القداسة مثل الشعب، الأرض، الكتاب... فإنَّ وعي غسان كنفاني المثقف الملتزم والمناضل الثوري، بهذه الأكاذيب والخدع الصهيونية، هو الذي جعله يكتب هذه الرواية الجادة ليدعو فيها مواطنيه جميعاً إلى ضرورة الارتباط بالمقاومة المسلحة، رسالة الشعب الفلسطيني خاصة، والعربي عامة، ووسيلة إلى الحياة والتحرر"[43]، وبخاصة بعد أن صعقت الحقيقة الغائبة أو المغيبة من قصرت مداركهم أو مصالحهم الطبقية عن إدراكها قبل أن تصفعهم المفاجأة بحذائها، وتعيدهم إلى جادة الصواب والانصهار في نسيج الذات الفاعلة المقاومة:

- "دوف"؟.

قالاها معاً، سعيد وصفية، ووقفا وكأن الأرض قذفتهما إلى فوق"[44]، حتى إذا توالت صفعات الشعور بالذنب على وجه الذات المغرر بها، "تهاوت في مقعدها وقد تلقت للمرة الأولى حقيقة الأمر دفعة واحدة، وبدا لها كلام زوجها صحيحاً تماماً"[45].

وعلى أيِّ حال، فقصة العجوز البولونية، التي أقحمها الراوي في النص إقحاماً، تخرج بالرواية إلى المباشرة والتقرير بكل ما يمثلانه من خطر على العمل الروائي، وأكثر من ذلك ربما، على الهدف المرجو من أي عمل أدبي مقاوِم، بالإضافة لكونها فاصلة لا ضرورة لها لأنها تمجُّ "قضية عملت أجهزة اليهودية العالمية على تشطيرها وتخميسها في ذهن (الرأي العام الغربي) حتى وصلت به إلى درجة التسمم والعجز على استيعاب مآسي العالم الأخرى" [46].

وتكتنز الشخصية الثانية من الذات عاطفةَ الأمومة، وبها تطرح عبر حوار الذات الحدث الرئيس في الرواية، كمقترح يتمثل ظاهره في زيارة البيت المغصوب في خليصة حيفا، ويتبطن بالبحث عن الابن المفقود، أو الابن الذي أُعتبر أبواه من الغائبين أو المغيَّبين، ولا يتحقق الحدث إلاَّ بعد أن يؤجج حوار الذات الذاكرة ويستدعي الماضي الحاد متمثلاً في النكبة ومعطياتها. ويبدأ الحوار مع الذات، في هذه الحالة، بتكتم صفية على سر لم يكن في الحقيقة غائباً عن ذهن زوجها، وإن بدا أن هذا الأخير قد بنى الحدث على أسباب ظاهرية، وبهذا فالخلاف الظاهر في الحوار مع الذات خلاف محسوم بحتمية الحل التاريخي للصراع، فلما كان "المحرك الحقيقي والمؤسس الفعلي لروايات غسان كنفاني هو عقدة الذنب، أي شعور الفلسطيني بقصوره إزاء واقعه التاريخي"[47]، قدمت مساهماته التاريخية، في مجملها، " أفقاً رؤيوياً لمسيرة المصالحة مع تاريخنا فيما تقوم بإعادة صياغته"[48]. ومن هنا تسير الأحداث باتجاه هذا الحل، رغم ما يبدو في سياقها من تحفظات فإصرار ثم قبول فتبرير تنساب من خلال الحوار مع الذات.

فصفية هي الأم المتحرقة على ابنها المفقود، وهي أيضاً المرأة الفلسطينية التي ترافق زوجها على طريق التحرير والخلاص من الاحتلال والهيمنة الأجنبية.

أما "سعيد س" فيجمع، في حواره مع الذات، بين تناقض العاطفة المعتدلة المتمثلة في مشاعره اتجاه ابنه المفقود وبين وعي المواطن الذي استيقظت فيه الحاجة إلى الالتزام بثوابت قضيته المصيرية والتشبث بوطنه وأرضه وتاريخه، بعد أن خبر العدو سنيناً، وأفصح عن ذلك في حوار الذات أو تصادمها مع العجوز البولونية والمجند دوف المنزوع من الذات ليُلحق، بلا خيار، بالآخر كقطعة خشب، ينفذ الأوامر ويصبح الشخصية الحاضرة الغائبة التي يلمِّح إليها الراوي منذ البداية لينتشلها من التجاهل أو التناسي المقصود، إلى أن يأتي دورها الحاسم في نهاية الرواية، لتزيد من قناعة الذات بصحة توجهها، بعد أن كشف الحوار الأخير في الرواية عن استحالة الحل بدون المقاومة والصمود، لأن ما انتاب هاتين المعطيتين من خلل في الماضي أدَّى بنا إلى ما نحن فيه، ومنه فقدان البيت والولد والوطن، وأوشك أن يؤدي، كما شعرت الأم في أعماقها، إلى فقدان الأب بكل ما يرمز إليه من مكونات موضوعية ومعنوية. فالرواية تنتهي بمشاهد درامية شديدة التأثير والفاعلية، تكسب النص، بفعلها الدرامي الحاد المتمثل في تمزيق العدو وحدةَ الذات ومسخِ ما يستطيع مسخَه منها، بعداً فكرياً وأيديولوجياً خاصاً.

"لقد كان هدف غسان في روايته "عائد إلى حيفا" التعبير عن مجموعة من قناعاته الفكرية السياسية التي شغلت باله زمناً فأرادها أن تشغل ذهن الجيل العربي ككل بصياغة فنية في شكل "رواية قصيرة" متخذاً من أبطالها قطعاً تسمح له بتحريكها تحركات مركزة وتقنية هادفة لإعلان القطيعة مع الماضي وشلل الواقع للالتحام بما هو إيجابي".[49] ف"سعيد س" وزوجه صفية كمحركين للحدث بالحوار مع الذات تارةً ومع الآخر تارة أخرى، هما كغيرهما من شخصيات الرواية شخصيتان ضبابيتان ومثلان رمزيان، من أفكار تتحاور وتصطدم وتصطلح، وتتحرك في إطار تعليمات الراوي وتحملان الرسالة التي يود توصيلها، ولهذا "تركهما الكاتب مطموسي السمات تقريباً طوال الرواية... إنَّ سعيداً يمثل مجموعة من المواقف المتضاربة، لأنه في الأصل لم يشخص في خيال الكاتب كما يشخص الناس الذين هم من لحم ودم. فلذلك سهل عليه أن يقول على لسانه كل ما أراد هذا الكاتب أن يقوله في الرواية بصرف النظر عن أحداثها وقواعد المنطق البشري التي تحكم نمو الشخصيات وتطورها، من خلال تفاعلها مع أحداث الرواية. إنه قيمة أو قيم فحسب، رمز لها الكاتب باسم سعيد س"[50].

وإن كان، كما يقول بول ويست، من العبث أن نقترح جدول أعمال للفن، لأن الفن فن وليس ملفات مدنية أو عمومية، فإننا نرى في شخصيات العائد إلى حيفا "أفكاراً جيدة لا يمكن أن تتحول إلى شخصيات من الممكن تصديقها... وأن فكرة وضعهم في رواية تثقيفية فكرة صائبة بكل وضوح... وهم يحكون لنا الشيء ذاته الذي يفكر مؤلفوهم بأن تحكيه لنا الرواية، لكن هذا لا يبرر وجودهم جمالياً"[51]، وفي ذلك تكمن جدلية الفن للفن أم الفن للحياة، أو بعبارة أخري فن الصالونات أم الفن الملتزم. ولكن الحقيقة الثابتة والمعيار الأنجع للتعامل مع الفن، وفي هذه الحالة نعني الرواية، في تراوحه بين قطبيه هو أنَّ الرواية "تؤلف من حيث هي شكل، توازناً متحركاً، ولكنه مضمون، بين الصيرورة والكينونة، وتصبح، من حيث هي فكرة للصيرورة حالة، وعلى ذلك فهي، إذ تجعل من نفسها الوجود المعياري للصيرورة، تتجاوز ذاتها"[52]. وبالرغم من إدراك غسان لهذا الأمر من مختلف جوانبه، فعبر الحوار الهادف مع الذات "تجاهل بوعيٍ الحقيقةََ الواقعية، لأنه أراد أن يخلق نماذج مثالية، وليس أناساً واقعيين، معتبراً أنَّ الفن مدعو لأن يذيع على الناس مُنظِّراً  للبشرية المثاليةَ الكاملة... وسعى لإعادة خلق الحياة في حقيقتها غير المزمنة"[53].

كل ذلك أدى، بأنفاس المقاومة والالتزام، إلى تسيير الحوار مع الذات نحو حتميته التاريخية بقطع العنصر، فاقد الإرادة المُجتَثُّ من جذوره، كلَّ الوشائج التي تربطه بالذات[54]، والدخول بها في متاهات حوار عقيم، تمَّ تلقين مضمونه له مُسبقاً، يلوي عنق المنطق بعدم أخذه بالأسباب، بعد أن تربى في أحضان العدو، حتى أصبح جزءاً من كيانه الملفَّق وقطعة من جهازه الغاصب:

"ماذا تريد يا سيدي؟"[55]

أو:

"أنت من الجانب الآخر"[56]

ولا يُخرج الحوار من تلك المتاهة إلاَّ إدراك الذات لأهداف العدو، حيث تقبل الذات الضحية الاعتراف بخطأ النزوح والاقرار بأنها في لحظة ما كانت جبانة، لكنها لا تقبل بأيِّ حال من الأحوال تبرير جرائم العدو بحقها تحت أيِّ ذريعة. وبهذا يضع الفصل الأخير من الرواية، عبر الحوار مع الذات على مختلف مستوياته، النقاط على حروف مفاهيم كالإنسان والبنوة والأبوة والأخوة والوطن والعودة والعجز، مما يؤدي إلى ترسيخ مفهوم العودة من خلال ذلك الحوار النقدي بمنطق الرؤية المستقبلية للواقع، إذ أنَّ الزيارة تظل إسمية وعبثية ما دامت لا تندرج في إطار الخلاص الجماعي والنهائي من الاحتلال: "ماذا جاءا يفعلان؟ لا تقولي انهما يريدان استرجاعي!"[57]، لأن العودة الحقيقية التي يُسترد فيها الحق الضائع لا تكون إلاَّ بالكفاح المسلح إيماناً بأنَّ الوطن، بمختلف مكوناته المادية والمعنوية، هو المستقبل الذي يجب العمل من أجله بالمقاومة وأنَّ الماضي هو النكبة بكل معطياتها التي يتوجب تجاوزها بالصمود والصبر ومحو ما ترتب عليها من باطل، تماماً كما توصل إلى ذلك بالتجربة "سعيد س"، الذي "كانت العلاقة بالماضي عاره، فكان يريد أن يمد خيوط علاقة نحو المستقبل"[58] وسبقه إلى الاستنتاج نفسه بالفطرة والحدس ابنُه خالد.

وبهذا المشهد الملتهب الذي انتهت به الرواية بمواجهة دامية مع الماضي العار، أو الحلم الزائف، ثم محاولة اللحاق بركب المستقبل الشرف استغرق الحوار مراحله الأساسية، "وعوَّضت الحركة النفسية المروعة فيه نقص الحركة الخارجية، فبقي القاريء مشدوداً إلى النقاش، حتى لا يحس بفتور الحركة وضيق مجالها، لأن مسرحها النفسي عميق الأبعاد إلى حد التوتر الصارخ".[59]

فالفلسطيني أو بعضه الواعي، في حواره مع الذات، يدرك حقيقة أنَّ الأمة التي ينفرد بقرارها مجموعة من الجبناء هي أمة مهزومة تاريخياً، كما يدرك أنَّ الموقف المخادع الذي يحاول خلخلة ثوابت الأنا وتمييعها، مستخدماً أساليب التضليل النفسي التي برع فيها اليهود على مدى التاريخ، حتى يؤول الأمر بحوارها مع النفس أو بأيَّ حوار لها من بعد، إلى طريق مسدود، تحقيقاً لمآربه، إذ "شعر بأنه لن ينجح أبداً في الوصول إلى مقصده، ثمة ارتطام قدري لا يُصدق، وغير قابل للتجاهل، وهذا الذي يجري هو مجرد حوار مستحيل"[60]، لأن غاصب الذات حقها العام والخاص لا يزال يعتقد أنّ ضعف أصحاب الحق "وأخطاءَهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرر له أخطاءَه وجرائمه"[61]، مما يجعله، حتى ببعضه الذي تضفي عليه رواية العودة إلى حيفا شيئاً من الصفات الايجابية، يتهرب من المفاوضات المثمرة ويلجأ بعد نفاذ ذرائعه للمماطلة كسباً للوقت لتكريس واقعه الغاصب، فمنذ البداية ارتابت الذات من ذلك الآخر الغازي لأنه لم يأت البلاد للتعايش مع أهلها وإنما أتاها بهدف إقامة كيان عنصري ونزع الأرض من أصحابها واضطهادهم لطردهم منها:

"وقالت ميريام ببطء:

- "لا تستطيعان أن تغادرا هكذا، لم نتحدث كفاية عن الموضوع"[62].

وللمكان دور في توجيه الحوار مع الذات وسوقه إلى حتميته المنطقية المتمثلة في المقاومة، إذ ينكر المكان أهله الذين تركوه حتى لو كانوا مرغمين أو يتنكر لهم في إطار ترسيخ المكونات النفسية المتحكمة في سخونة الحوار لترفعها إلى درجة الغليان حتى يتبخر ويترك السبيل إلى حوار منطقي يتمثل في لغة المقاومة التي تنتشلها الذات الفقيرة المحرومة في حوارها مع النفس من الذكريات التي عادت بحيويتها إلى ذهن صُنوِ الذات فور وصوله وزوجه إلى موقع الحدث الذي تداخل فيه الماضي العاجز بالحاضر النادم ليؤكد ليس فقط على حيوية المقاومة، بل أيضاً على نجاعتها وضرورة استمرارها: "وأخذت صفية تنشج ببؤس، فيما مضت ميريام إلى الخارج تاركة الغرفة التي ملأها فجأة توتراً محسوساً. وشعر سعيد بأن جميع الجدران التي عيّش نفسه طوال عشرين سنة داخلها قد تكسرت وصار بوسعه أن يرى الأشياء أكثر وضوحاً، وانتظر لحظات حتى خف نشيج صفية، فاستدار نحوها وسألها:

- " أتعرفين ما حدث لفارس اللبدة؟"[63]

والحوار مع الذات المظلومة، حتى وإنْ تتوج بالنجاح غير مكتوب له الامتداد بتأثيره الإيجابي للآخر الظالم، حيث يقول "سعيد س" لفارس اللبدة، صنو الذات، وقد رمته الأقدار، قبل الكشف عن هويته، في موضع الالتباس بالآخر: "جئت ألقي نظرة على بيتي. هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي أنا، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي ذات يوم بقوة السلاح. تستطيع إن شئت، أن تطلق عليّ الرصاص هذه اللحظة، ولكنه بيتي، وقد انتظرت عشرين سنة لأعود إليه.. وإذا.."[64]

فالحقيقة الفجة المترتبة على الشعور العميق بالذنب والشعور الأعمق من ذلك بضرورة التطهر منه بالدم، تُنهي الحوار بسبب عبثية مقدماته ومعطياته التي كان بعضها وما زال بعضها الآخر مستمداً من الواقع المجيَّر الذي مسخ خلدون، صنو الذات بالدم واللحم، في غيبة الحق والحقيقة بل في تغييبهما، إلى دوف المهَوَّد وأنطقه بلسان الذات الفلسطينية المكتوية بالشعور العميق بالذنب والندم على ما حدث في سنة 1948: -"إنني في قوات الاحتياط الآن، لم يقدر لي خوض معركة مباشرة إلى الآن لأصف لك شعوري، ولكن ربما في المستقبل أستطيع أن أؤكد لك مجدداً ما سأقوله الآن: إنني أنتمي إلى هنا، وهذه السيدة هي أمي، وأنتما لا أعرفكما ولا أشعر إزاءَكما بأي شعور خاص"[65].

وبهذا فالواقع، بمعطياته الظالمة المغيبة للعدالة والحقيقة، يقود حوار الذات إلى الحل المنطقي من خلال تفهم هذه الأخيرة وهي ضحية معطيات ذلك الواقع لإدراكها حقيقة الأطماع الاستيطانية الإحلالية حيث ينهش الندمُ "سعيد س" لعدم إدراكه ذلك إلا متأخراً: "وبدت له الأيام القليلة الماضية مجرد كابوس انتهى على صورة مفزعة، أهو نفسه الذي كان قبل أيام يهدد ابنه خالد بالتبرؤ من أبوته له؟ أي عالم عجيب لا يصدق. الآن لا يجد شيئاً ليدافع به عن نفسه أمام تبرؤ هذا الشاب الطويل القامة من بنوته له إلا افتخاره بأبوته لخالد"[66]، بعد الاعتراف بالخطأ ومحاولة التطهر منه، حيث تبادر الذات على أسماع الملأ: "يبدو لي أنَّ كل فلسطيني سيدفع ثمناً. أعرف الكثيرين دفعوا أبناءَهم. وأعرف أنني أنا الآخر دفعتُ ابناً بصورة غريبة ولكنني دفعته ثمناً... ذلك كان حصتي الأولى"[67].

لم يعمد غسان كنفاني في رواية العائد ولا في أعماله بشكل عام إلى تشويه صورة الآخر قبل محاورته فاتحاً الباب للمجهول، إذا كان على الدوام يمهد إلى ذلك بشواهد على لسان الآخر، ثم بعد ذلك يأتي بالبينة جلية جلاء لا مزيد عليه.

ويعاود البطل الإصرار على استرجاع الأحداث، في محاولة، كما يبدو، لتطهير النفس، كما فعل خيري، الهارب من حيفا أيضاً، بطل قصة "شيء لا يذهب"[68]، بالندم والألم: "في تلك البناية - يوم الفرار- تمترس المقاتلون العرب وقاتلوا حتى آخر رصاصة، وربما آخر رجل، وهناك فقط سقطت عليه الذاكرة كما لو أنه ضُرب بحجر وهناك بالضبط تذكر خلدون وانقبض قلبه"[69]، ومن هنا "كان تسجيل غسان لشعور الفلسطيني العائد خطوة أخرى من خطواته في مواكبة الحدث السياسي الفلسطيني وانعكاساته على الواقع النفسي للأمة من كتابته الإبداعية.[70] كما كان خطوة جريئة وحاسمة نحو فك حصار الزمن عن الذات، الماضي والحاضر والمستقبل ودخولاً إلى الحوار مع الآخر من باب الذات وليس من باب الآخر المهيمن والقوي لأن الحوار في الحالة الثانية لا يكون إلا إملاءات، يتوجب على الضعيف تنفيذها، بلا قيد أو شرط. ومن هنا نبه غسان إلى أن الحوار المُجدي لا يكون إلا بين متكافئين يقف المحاور فيه على أرض صلبة من حقه، ومن القدرة على الدفاع عنه بالقوة عند الضرورة، وبخاصة أنَّ الفلسطيني يواجه غاصباً ترسبت في نفسيته ه كل عقد الأنانية وإنكار الآخر، في ظل غطرسة القوة الصهيونية التي توقف عدد ضحايا اغتصاب فلسطين على مئات من الجنود والمستعمرين اليهودالقتلة، وتتجاهل مئات الآلاف من ضحاياها الفلسطينيين والعرب الذين أبادتهم في عقر ديارهم، لانها لا تعترف بإنسانيتهم، ولا بحقهم في الحياة، تماماً كما توقف غطرسة القوة الصهيوفرنجية اليانكية عدد ضحايا عدوانها على فيتنام على ثمانية وخمسين ألف جندي من مشاة بحريتها القاتلة، متجاهلة، للسبب عينه، أربعة ملايين ضحية فيتنامية فحَّمت أجسادهم بالنابالم، في مدنهم وحقولهم، في ذلك العدوان وحده!!. فأيّ حوار ترتجى الذات مع آخر كهذا؟؟!!

وقد خطا غسان كنفاني خطوات إلى الأمام بانطلاقه في تحديد الذات من مفهومها الأوسع حيث تتعدد الذات وإن اكتنفها الضعف تعدد الآخر وإن غرته القوة ، كما وضع غسان في العائد إلى حيفا حقيقة الحوار في قيامه على درجة من الخلاف تبعث فيه الحيوية والمنطقية دون أن تقوده إلى طريقه المسدود، حيث يقوم حوار الذات عنده على وجود إرهاصات إلتقاء  عند الأنا وإرهاصات إصطدام بالاخر لعدم جدوى الحوار معه، ويقوم الحوار مع الذات كمقدمة للحوار مع الآخر عند غسان كنفاني في العائد إلى حيفا على الاستعداد لقبول الآخر في ظل التمسك بالثوابت وإحقاق الحق ورفض الحوار في ظل اختلال موازين القوى لأن غسان كمفكر ملتزم كان يدرك أن الآخر متعدد ومتدرج في أيديولوجيته وفي أطماعه، ولكنه قبل ذلك كله، كان يدرك أن أقل الصهاينة الغاصبين عداء للشعب الفلسطيني ولهويته وأمته وعقيدته، لا يلتقى بأي حال من الأحوال عند الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية. ومن هنا كان الحوار في العائد إلى حيفا يتجه تدريجياً نحو القطيعة. وبهذا يؤكد غسان على حقيقة استحالة توجيه حوار الذات مع الآخر إلى طريقه المثمر تجنباً للتدمير لأن أيديولوجية ذالك الآخر لا تقوم إلا على التدمير والمحو، ودون أن ينشغل غسان بالماضي للهروب من الحاضر أضاء بحروف التحدي في العائد إلى حيفا مكامن الذات الجماعية وبصرها بطريق الخلاص.

فقد استشرف كاتب الرواية، في مرحلة مبكرة، ما لم يخطر لغيره ببال، إلا عندما "استصمت" جورج بوش الصغير تابعيه[71] على أكذوبة التأكيد على "يهودية الكيان الغاصب!!" على أرض فلسطين، بما يعنيه ذلك من شطب حق العودة للشعب الفلسطيني واقتلاع مَن تبقى منه على أرض الوطن وتسفيره للمنافي، اعترافاً بواقع أنَّ ما كان بالأمس فلسطين العربية الإسلامية هو اليوم إسرائيل الصهيونية. فقد نبّهَ غسان كنفاني مبكراً على خطر التعاطي مع سياسة العصا والجزرة التي تفرضها قوى الاستكبار العالمية، لأن ذلك سيؤدي لاحقاً بمتعاطيها إلى الخضوع حتماً لسياسة العصا الغليظة والحذاء! وهذا ما رآه كل سائر في فلك إدارة واشنطن بأم عينيه، وتحسسه برأسه وصدغيه، إثر تسليمه باحتلال العراق بعد فلسطين، باستقباله قيادتي احتلال هذين القطرين، على الأرض العربية، عشية الذكرى السادسة والثلاثين لعدوان حزيران، استقبالاً احتفائياً، تنبعث منه رائحة المذلة والتبعية والتفريط بالحقوق الوطنية والقومية.

 إلاَّ أنَّ رواية العائد إلى حيفا تحافظ على التوازن في حكمها على معطيات الواقع، رغم شذوذه عن نواميس الحق والسويّة،َ فيكشف فعل الحوار مع الذات فيها عن أنَّ خطأ الفلسطيني بخروجه من حيفا قد يكمن في حداثة التجربة التي واجهته أو قلة خبرته بها، وربما لقلة إدراكه ما يحيط به من تآمر القريب والبعيد عليه: فقد "كان يعرف أن زوجته الصغيرة لا تستطيع أن تدبر أمرها، فمنذ أن جاء بها من الريف لم تعتد أن تقبل العيش في المدينة الكبيرة، أو أن تكيف نفسها مع ذلك التعقيد الذي كان يبدو راعباً لها، وغير قابل للحل، ترى ما الذي يمكن أن يحدث لها الآن؟"[72]

فحوار الذات مع النفس، سواء حدث على مستوى المونولوج أو على المستوى الجمعوي، يمنحها القدرة على الاعتراف بخطأ وقعت فيه، لكنه في الوقت نفسه يكشف لها عن حقيقة أنَّ ضعفها وخطأها لا يبرران، بأي حال من الأحوال، جرائم غاصب وطنها ومشرِّد شعبها في حقها، كما لا يبرر جرائم أولئك الحكَّام الذين جيِّرت الصهيونية أدوارهم لتقف في الذكرى السادسة والعشرين للنكسة عند إدانة الشعب الفلسطيني على مقاومته الاحتلال، والتباكي على معاناة المحتلين اليهود ومباركة صنيعهم في إبادة الشعب الفلسطيني الذي يستحق، كما يرون، القتل والسحل وتدمير بيوته وجرف حقوله وانتهاك حرماته لأنه يحضّ علي كراهيتهم ومجابهتهم باللغة التي يفهمونها، ولأنه أيضاً يحضًّ على إزالة دولتهم اليهودية الديمقراطية الحضارية هبة واشنطن والغرب إلي الشرق العربي المتخلف!!!

وبهذا المنطق، فالحوار، كما يؤكد عليه سؤال صفية الذي نقله "سعيد س" إلى دوف، يجب ألا يقوم على انَّ "جبننا يعطيك الحق بأن تكون هكذا، وهي، كما ترى تعترف ببراءة بأننا كنا جبناء، ومن هنا فأنت على حق، ولكن ذلك لا يبرر لك شيئاً، إن خطأ زائد خطأ لا يساويان صحاً، ولو كان الأمر كذلك لكان ما حدث لإفرت ولميريام في أوشفيتز صواباً، ولكن متى تكفون عن اعتبار ضعف الآخرين وأخطائهم مجيرة لحساب ميزاتكم؟ لقد اهترأت هذه الأقوال العتيقة، هذه المعادلات الحسابية المترعة بالأخاديع.. مرة تقولون أن أخطاءنا تبرر أخطاءكم، ومرة تقولون أن الظلم لا يصحح بظلم آخر.. تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم هنا، وتستخدمون المنطق الثاني لتتجنبوا العقاب الذي تستحقونه، ويخيل إليّ أنكم تتمتعون إلى أقصى حد بهذه اللعبة الطريفة، وها أنت تحاول مرة جديدة أن تجعل من ضعفنا حصان الطراد الذي تعتلي صهوته"[73].

فمنذ بداية الرواية، يقدم الكاتب، في إطار النسيج الدرامي للأحداث وحوار الذات الكاشف عن مشاعر الذات وحدسها كشفاً ليس عليه من مزيد، دلائل على عبثية الحوار مع الآخر (وقد كان يتم دائماً بالإنجليزية، وهذا أمر له دلالته)، ما دام هذا الأخير لا يزال غير ناضج للاعتراف بغيره استكباراً وتجبراً. فالحوار مع الذات يقوم في تأسيسه لمعطياته على تطور الحدث الروائي المرتبط بعلامات المكان في مفهومها الأيديولوجي عند الكاتب، حيث يمثل المكان نقطة ينتهي عندها نوع من الحوار ويبدأ نوعٌ آخر. فقد أمضى "سعيد س"، كما قدَّمه الراوي، رحلةَ العودة إلى حيفا قادماً إليها من رام الله "يتكلم ويتكلم ويتكلم، تحدث إلى زوجته عن كل شيء، عن الحرب وعن الهزيمة، وعن بوابة مندلبوم التي هدمتها الجرارات وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات...حين وصل "سعيد س" إلى مشارف حيفا، قادماً إليها بسيارته، عن طريق القدس، أحسَّ أنَّ شيئاً ما قد ربط لسانه، فالتزم الصمت، وشعر بالأسى يتسلقه من الداخل... وحين عبر الشارع ودخل إلى الطريق الرئيس انهار الجدار كله، وضاعت الطريق وراء ستار من الدموع... وأحس المقود ثقيلاً بين قبضتيه اللتين أخذتا تنضحان العرق أكثر من ذي قبل، وخطر له أن يقول لزوجته: "إنني أعرفها، حيفا هذه، ولكنها تنكرني"."[74]

وبهذا ينبه الحوار الداخلي مع الذات إلى أن تجاوز الحدث لعلامات المكان، يؤدي إلى الطريق المسدود، بمعنى أن تجاوز الذات للقدس كعلامة مكانية لا يجوز تجاوزها بسبب رمزيتها إلى محور القضية كعاصمة لفلسطين يتوجب التوجه إليها قبل التوجه إلى أي مكان آخر، أدى إلى تلك النقلة الحادة في الحوار إلى درجة بلوغه الصمت وربط اللسان. وتربط الرواية ذالك التحول أو ذلك الانقطاع بالزمن الروائي، إذ أن الحوار الذي تجاوز القدس مكاناً كان يدور حول الماضي ومآسيه فحسب. "فقد تحدث الزوجان طوال الطريق عن أشياء كثيرة. عن الحرب والهزيمة، عن حقول فلسطين وعن حيفا وعن نكبة 1948. وهذا الحديث يأتي تارة على لسان الزوجين وتارة أخرى على لسان الراوي الذي يرافقهما ويترصد حركاتهما وسكناتهما ويفهم ما تنطوي عليه أنفسهما من انفعالات وآلام وما يعتمل داخلهما من حقد وحسرة. فالراوي هو الذي يحكي عن الماضي الذي جاء فجأة حاداً مثل سكين وانثال بكل ضجيجه الراعب على ذاكرة سعيد س"[75].

فقد كان غسان كنفاني مطَّلعاً على واقع فصائل الثورة الفلسطينية في منفاها من الداخل، وكان يدرك أن في قياداتها أصحاب مصالح وترف، يتاجرون بالعذاب الفلسطيني، وأقصى تطلعاتهم تتمثل في منافسة النظام العربي الحاكم على قهر الشعب الفلسطيني والتضييق عليه وإحباط تطلعاته في التحرير والعودة إرضاءً للصهيونية التي راحوا في وقت مبكر يتواصلون معها ويتآمرون، حتى بلغ ذلك التواصل وذلك التآمر ذروته في تلفيق سلطة أُسلو، وهي علامة أسرائيلية مسجلة تسربت تحت جنح الاحتلال من تل أبيب إلى الضفة والقطاع، عبر عواصم عربية يحكمها وكلاء للغرب الصهيوفرنجي.

ومن هنا تمثل إدانةُ غسان كنفاني لشخصية "سعيد س" التائبِ من ماضيه السلبي تجاه المقاومة، من خلال ذلك الحوار القصير مع الذات، إدانةً مضاعفةً مثنَى وثلاث ورباع لرجال الأعمال والعلاقات العامة المدرَّبين في العاصمة النرويجية، وربما في أماكن سبقتها، على قهر الشعب الفلسطيني، وتصفية حقوقه ووجوده، ومحو  ذاكرته محواً تستحيل بعده اليقظةُ التي جعلت من "سعيد س" إنساناً آخر يدرك أنَّ العودة لا تكون إلاَّ بالمقاومة، بكل أشكالهاَ:

وعندما يتخثر الحوار في طريقه المسدود من الحناجر إلى العقل والمشاعر تضيع فرص نجاحه سدى، بعد لحظات توتر وانتظار، حيث يحتدم الحوار / الصراع  حاداً عنيفاً في بيت الأسرة القديم وتكشف المواجهة المباشرة بين "خلدون" سابقاً وبين والديه، عن مكنون النفوس الذي ظلَّ مغيباً في اللاشعور طوال السنوات الماضية، فيصطدم مبدأ الحوار عند الذات بعبثية باطل الاغتصاب اصطداماً فجاً يؤدي بالذات إلى استعادة وعيها التاريخي والواقعي فيتراءى في نهاية النفق الحوار الحقيقي البديل لحوار الكلمات المكبل بذرائع القوة، لوضع الأمور في نصابها، والعمل على إعادة الحقوق إلى أصحابها، حيث يخرج "سعيد س" من حواره العقيم مع الآخر بنتيجة أن ابنه خالد هو البديل والمستقبل والمصير و"أنَّ الإنسان هو قضية، وليس لحماً ودماً يتوارثه جيل وراء جيل مثلما يتبادل البائع والزبون معلبات اللحم المقدد"[76]، وعبَّر عن ذلك، حين وصل إلى الباب، بكلمات بسيطة تطفح بمرارة المأساة وتحمل موقفاً فكرياً وحضارياً يضع الحوار في اتجاهه وحجمه الصحيحين:

"- "وتستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب"...

وقد ظلَّ صامتاً طوال الطريق، ولم يتلفظ بأيما شيء إلاَّ حين وصل إلى مشارف رام الله، عندها فقط نظر إلى زوجته وقال:

- "أرجو أن يكون خالد قد ذهب...أثناء غيابنا"!." [77]

فقبل "عائد إلى حيفا"، أكد غسان كنفاني، في غير مرة، على هذه الحقيقة، ففي سنة 1957 أشار إليها في قصته "إلى أن نعود" مباشرة، فجعل بطل القصة الذي له وجه يشبه حقلاً صغيراً يندفع، بعد حوار مع الذات، وقناعة رسَّبتها في شعوره تجربة اللجوء المريرة، لقتال عدوه من أجل استعادة أرضه، وعلى المعني نفسه أكد غسان في إهدائه إحدى مجموعاتة سنة 1969: "إلى مَنْ استشهد في سبيل أرض البرتقال الحزين... وإلى مَنْ لم يستشهد بعد"[78]. "فالحوار الذي يجري بين الفلسطيني والصهيوني هو بمثابة التهيؤ لبدء الصراع الدموي الحاسم"[79].

وبهذا يتضح دون لبس أو مواربة أنَّ مبدع رواية عائد إلى حيفا "مشغول البال على الدوام بالتحول وتغيير المواقف نتيجة لتغيير الظروف الموضوعية"[80]، ف"سعيد س" شخص من الطبقة المتوسطة لم يهتم بالمقاومة إلاَّ عندما أدرك أنه لم ينجُ في الماضي من مخالب الاحتلال وأطماعه، وأنَّه لن ينجو منهما في المستقبل، وقد استفاق على الحقائق من سبات عميق دام عشرين عاماً ليفاجأ، حتى من منطلق مصلحته الشخصية، بحاجتة الملحة لمن يردع ذلك الاحتلال باللغة التي يفهمها. وقد أدَّى الحوار مع الذات في أعمال الكاتب، وبخاصة في روايته "عائد إلى حيفا"، عبر صبوة الخاطئين للتطهر من الذنب المشهود بالدم، دوراَ هاماً في إحداث ذلك التحول وتغيير المواقف، لتوجيه المسيرة نحو أقصر الطرق لتحرير فلسطين وأكثرها جدوى. إنها عبقرية كاتب مناضل عاش قضيته إلى حد الشهادة، فاغتنى عمله الأدبى بغنى هذه التجربة الإنسانية التي بثَّها على لسان شخصياته، وبلسانه هو، عندما كان يقوم بدور الراوي لينوب عن تلك الشخصيات في حوارها مع الذات ومع الآخر، أو ليرسم المشهد المناسب لحدث من أحداث عمله الفني. "وهذا يتمشى مع حقيقة أنَّ الكاتب، أيَّاً كان نوع العمل الذي يكتبه، يستمد الكثير من تجربته الشخصية، كما يعبر عن كثير من آرائه وأفكاره وموقفه العام من الحياة ومشكلات الإنسان في بناء عمله الفني. ومن ثمَّ كانت الحقيقة النفسية التي تقول إنَّ فهمنا لشخصية الكاتب، إذا كان ذلك متاحاً، يساعدنا كثيراً في فهم عمله الأدبي وتفسيره"[81] تفسيراً يكشف في هذه الدراسة التي نحن الآن بصددها عن أن الحوار مع الذات في رواية عائد إلى حيفا كانعكاس للواقع المعيش يفتقد إلى التبادلية والتواصل افتقاده للجدية والأثرة، وعدم الاستناد لقدر من القوة، حتى في حدها الأدنى ليغدو عقبة في طريق الوصول إلى موقف مقبول يتسم بقدر عال من الإجماع، ويلم شتات الذات بمختلف مكوناتها، وبخاصة صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، في واحد متماسك قادر على مواجهة الاخر حواراً أو صراعاً. ومن هنا تكتسب دعوة غسان كنفاني شعبه وأمته أهميتها  من خلال الحوار مع الذات، حتى في ظل الظروف التي تقيده، إلى التغيير في السلوكيات دون الثوابت تغييراً إنسانياً إيجابياً، تكشف عن مكامنه عملية الإبداع الأدبي بجمالياتها والتزامها بالإنسان قضية غير قابلة للجمع أو الطرح، وقد دخلت انتفاضة الأقصى عامها الخامس بعطاء يناهز الأربعة آلاف شهيد وخمسين ألف جريح.

فلله در الذات الفلسطينية من أم ولود، ولله در شعبها من شعب معطاء.


[1] تحمل الأسماء التي وضعها الكاتب لأبطال روايته دلالات معنوية ومضامبن تلخص أفعال الشخصية ومعطياتها في إطار الرسالة التي تحملها الرواية، عبر رموزها الحية، حيث.يرمز بدر اللبدة، مثلاً، لفكرة الاستشهاد النتألقة في سماء الوعي الفلسطيني من أجل استعادة  الأرض وشرف العرض، ويرمز أخوه فارس لفكره البقاء على العهد للشهداء حتى تحقيق ما استشهدوا من أجله، ويرمز الرجل الذي تشبث ببيت الأخوين بعد النكبة للجذر العربي الحارس في فلسطين المحتلة وقد غاص في الأرض في انتظار معجزة الخلاص وجمع الشمل...

[2]  أنظر في ذلك كتاب حسين أبو النجا: اليهودي في الرواية الفلسطينية، الصفحات 151 – 175.إصدارات رابطة إبداع الثقافية الوطنية، وزارة الثقافة والاتصال، الجزائر 2002.

[3]غسان كنفاني: عائد إلى حيفا، المجلد الأول، الروايات، الطبعة الثانية، صفحة: 353، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، أبريل 1980.

[4] غسان كنفاني: إلى أن نعود، وقصص أخري، المجلد الثاني، القصص القصيرة، الطبعة الأولى، صفحة:795، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، أبريل 1973.

[5] المصدر السابق.

[6] غسان كنفاني: عائد إلى حيفا، صفحة: 373.

[7] عبد الجبار داوود البصري: ساعات بين التراث والمعاصرة، صفحة:288، منشورات وزارة الثقافة والفنون، بغداد 1978.

[8] يوسف سامي اليوسف: غسان كنفاني رعشة المأساة، صفحة: 45، الطبعة الأولى، دار منارات للنشر، عمان 1985.

[9] فاروق وادي: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية، صفحة 78، الطبعة الثانية، منشورات الأسوار‘ عكا 1985.

[10] عبد الكريم الأشتر: في أدب النكبة، الرواية، صفحة: 90، دار الفكر، دمشق 1975.

[11] عبد الجبار داوود البصري: المصدر نفسه، صفحة:283.

ويرى عبد الجبار داوود البصري، في الصفحة 282 من كتابه المذكور خلافاً لمن أدلوا بدلوهم في هذا الطرح أنَّ الإنسان يولد وهو نتيجة وليس مشروعاً أو قضية.

[12]  محمد عبيد الله: القصة القصيرة في فلسطين والأردن، صفحة 275، منشورات وزارة الثقافة، عمان 2001

[13] علي محمد عودة: الزمان والمكان في الرواية الفلسطينية 1952-1982، صفحة: 64، المؤلف ط:1، 1991، ط:2، 1997.

[14] حسن عليان: البطل في الرواية العربية في بلاد الشام منذ الحرب العالمية الأولى حتى عام 1973، صفحة: 173، وزارة الثقافة، عمان 2002.

[15] محسن جاسم الموسوي: الموقف الثوري في الرواية العربية، صفحة 233، منشورات وزارة الإعلام، بغداد 1975..

[16] عائد إلى حيفا، صفحة: 360...

[17] ادريس الناقوري: رواية الذاكرة، عائد إلى حيفا، سلسلة دراسات تحليلية، الصفحات: 20 و21، دار النشر المغربية، الرباط 1983.

[18] محيي الدين الحاج عيسى الصفدي: أسرة شهيد، صفحة 131، مطبعة الإنشاء، دمشق 1966..

[19] عائد إلى حيفا، صفحة: 351.

[20] عائد إلى حيفا، صفحة: 352.

[21] عائد إلى حيفا، صفحة: 352.

[22] عائد إلى حيفا، صفحة:359.

[23] عبد الكريم الأشتر: المصدر نفسه، صفحة 97.

وحول هذه القضية يمكن العودة إلى الدراسة الرائعة التي قدَّم بها الشاعر يوسف الخطيب لديوان الوطن المحتل الصادر عن دار فلسطين، دمشق 1968.

[24] إلياس خوري: البطل الفلسطيني في قصص غسان كنفاني، غسان كنفاني إنساناً وأديباً ومناضلاً، صفحة 127، اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، بيروت 1974.

[25] عائد إلى حيفا، الصفحات: 354-355.

[26] عائد إلى حيفا، صفحة: 355.

[27] عائد إلى حيفا، صفحة: 357.

[28] عائد إلى حيفا، الصفحات: 358 - 359.

[29] عائد إلى حيفا، صفحة: 359.

[30] عائد إلى حيفا، الصفحات: 359 -360.

[31] عائد إلى حيفا، الصفحات: 346، 349 و 350.

[32] عائد إلى حيفا، صفحة: 360.

[33] عائد إلى حيفا، صفحة: 373.

[34] عائد إلى حيفا، صفحة: 367.

[35] عائد إلى حيفا، صفحة: 377.

[36] عائد إلى حيفا، الصفحات: 364 و366.

[37] عائد إلى حيفا، صفحة: 379.

[38] عائد إلى حيفا، صفحة: 380.

[39] عائد إلى حيفا، صفحة: 382.

[40] عائد إلى حيفا، صفحة: 384.

[41] ادريس الناقوري: المصدر نفسه، صفحة: 11.

[42] عائد إلى حيفا، صفحة: 384.

[43] ادريس الناقوري: المصدر نفسه، صفحة: 66.

[44] عائد إلى حيفا، صفحة: 369..

[45] عائد إلى حيفا، صفحة: 384..

[46] عبد الكريم الأشتر: المصدر نفسه، صفحة 93.

وحول هذه القضية يمكن العودة إلى الدراسة الرائعة التي قدَّم بها الشاعر يوسف الخطيب لديوان الوطن المحتل الصادر عن دار فلسطين، دمشق 1968.

من أعراض هذا التسمم ما تناقلته وكالات الأنباء الغربية حول العملية الاستشهادية في مدينة حيفا الفلسطينية المغتصبة، وليست "الإسرائيلية" كما وصفتها وسائل إعلام نظام كمب ديفيد ومن وقع موقعها!! ظهيرة الأربعاء، الثاني من محرم الحرام، سنة 1424 للهجرة، الموافق 5/3//2003،:من "أنَّ العملية الإرهابية جاءَت بعد شهرين من الهدوء التام في المنطقة!!" متجاهلة استشهاد ثمانين فلسطينياً وجرح المئات، في شهري الهدوء التام المذكورين وحدهما، في عمليات قتل واجتياح وتخريب واغتصاب، يرتكبها جيش الكيان الصهيوني الغاصب يومياً براً وجواً وبحراً ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، لقتل المدنيين وهدم بيوتهم عليهم أحياءً وتدمير المساجد والمستشفيات والمدارس والمصانع والأسواق والطرقات واقتلاع الأشجار وردم آبار المياه وتلويثها. وفي يوم العملية وحده اجتاحت دبابات العدو وطائراته مخيم جباليا ودمرت المنازل وحرقتها، ولما هرع الناس بالأيدي العارية لإطفائها وإنقاذ الضحايا قصفتهم الدبابات بالصواريخ فاستشهد اثنا عشر منهم وجُرح مئة وخمسون آخرون، منهم أربعون في حالة الخطر، لم يذكرهم أحد لأن إصاباتهم وحتى موتهم يدخل حيِّز ذلك الزمن الضائع؛ زمن الهدوء التام الذي يصاب العالم فيه بالصم والبكم والعمى، ولا يشفى من تلك العاهات إلاَّ عندما يهلك صهيوني غاصب واحد، أو يرتد عليه شيءٌ مما اقترفت يداه!!!

[47] يوسف سامي اليوسف: المصدر نفسه، صفحة: 44.

[48] إلياس خوري: تجربة البحث عن أفق، مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة،  صفحة: 60، مركز الأبحاث الفلسطيني، بيروت 1974.

[49] أحمد بيضي: مع غسان كنفاني بين المنفى والهوية والإبداع، صفحة: 247، دار الرشاد الحديثة للتوزيع والنشر، الدار البيضاء 1986.

[50] عبد الكريم الأشتر: المصدر نفسه، الصفحات 88 و98 و99.

[51] بول ويست (ترجمة عبد الواحد محمد): الرواية الحديثة، صفحة 73، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1981..

[52] جورج لوكاش (ترجمة الحسين سحبان): نظرية الرواية، الصفحات: 68 و69، الطبعة العربية الأولى، منشورات التل، الرباط 1988.

[53] كاجان (ترجمة عدنان مدانات): الإبداع الفني، صفحة: 51، سلسلة دليل المناضل، المكتبة الأدبية، دار ابن خلدون، بيروت 1980.

[54] ولنا مثال على هذه الشخصية من الواقع المعيش اليوم في المجيَّش المهوَّد عماد فارس قائد الاعتداء الصهيوني على الشجاعية وجباليا ليلة 18/2/2003 وهو من فلسطينيي فلسطين المحتلة سنة 1948، وقد كان أشد تنكيلاً بأهله في اللحم والدم.

ولكن هذه الحالة الفردية لا تندرج على الأغلبية التي لا تزال ثابتة على الحق ومؤثرة العام على الخاص. فعندما اشترك أحمد علي حمدون 42 عاماً من قرية ذعينة نجيدات البدوية بالجليل الأعلى راغباً أو مكرهاً في جريمة اغتيال قوات الاحتلال المناضلَ القسامي إياد أبو الليل في 31/1/2003 في جنين، وقُتل في عملية الاغتيال  برصاص الشهيد وهو يدافع عن نفسه، سلمت سلطات الاحتلال جثته لأهله على أن موته كان في حادث سير، لكن تكشف حقيقة الأمر أثار القرية ورفض إمام مسجدها وأهلها، بعد حوار مع الذات، الصلاة عليه وامتنعوا عن تقديم التعازي لذويه باعتباره خائناً.

[55] عائد إلى حيفا، صفحة: 398.

[56] عائد إلى حيفا، صفحة: 399.

[57] عائد إلى حيفا، صفحة: 398.

[58] إحسان عباس: الجسور والعلاقات في قصص غسان دراسة في فكره القصصي، غسان كنفاني إنساناً وأديباً ومناضلاً، صفحة: 38،

[59] عبد الكريم الأشتر: المصدر نفسه، صفحة: 91.

[60] عائد إلى حيفا، صفحة: 368.

[61] عائد إلى حيفا، صفحة: 411.

[62] عائد إلى حيفا، صفحة: 413.

[63] عائد إلى حيفا، صفحة: 385.

[64] عائد إلى حيفا، الصفحات: 387 - 388.

[65] عائد إلى حيفا، صفحة: 402.

[66] عائد إلى حيفا، الصفحات: 402 -403.

[67] عائد إلى حيفا، صفحة: 415.

[68] غسان كنفاني:  شيء لا يذهب، (كتبها في دمشق سنة 1958)، موت سرير رقم 12، المجلد الثاني، القصص القصيرة، صفحة:66.

[69] عائد إلى حيفا، الصفحات: 402 -403.

[70] رضوى عاشور: الطريق إلى الخيمة الأخرى، دراسة في أعمال غسان كنفاني، صفحة: 143، دار الآداب، بيروت 1981.

[71]  في شرم الشيخ والعقبة المتلاحقتين في 3 و4/6/2003

[72] عائد إلى حيفا، صفحة:349..

[73] عائد إلى حيفا، صفحة: 410.

[74] عائد إلى حيفا، الصفحات: 341-343.

[75] ادريس الناقوري: المصدر نفسه، صفحة: 27.

[76] عائد إلى حيفا، صفحة: 411.

[77] عائد إلى حيفا، صفحة: 413 - 414.

[78] غسان كنفاني، أرض البرتقال الحزين، المجلد الثاني، القصص القصيرة، صفحة:273.

[79] شكري عزيز ماضي: انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية، صفحة: 136، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1978.

[80 عبد الرحمن ياغي: في النقد التطبيقي، مع روايات فلسطينية، صفحة: 26، الطبعة الأولى، دار الشروق للنشر والتوزيع بالتعاون مع وزارة الثقافة الفلسطينية برام الله، عمان 1999.

[81] عز الدين إسماعيل: التفسير النفسي للأدب، صفحة 221، دار العودة، بيروت 1988..