الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

"إسرائيل"... جرائم متواصلة وضمير غائب

 

د. إبراهيم البحراوي

صحيفة الاتحاد الإماراتية 7/9/2006

 

من المسائل التي أصبحت تشغل أذهان المثقفين، وأتلقى تساؤلات بشأنها، مسألة غياب الضمير الإنساني لدى القادة العسكريين الإسرائيليين ولدى المحاربين الذين يتلقون تعليمات بتدمير المباني السكنية الآهلة بالمدنيين العزل.

إن التقرير الصادر عن لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة حول الممارسات العسكرية الإسرائيلية في حرب لبنان الأخيرة، يشير بوضوح إلى أن جرائم حرب كاملة الأركان قد ارتكبت ضد المدنيين غير المشاركين في القتال، وفي ذات الوقت يرى بعض فقهاء القانون الدولي أن ما حدث في الحرب الأخيرة يمثل جريمة إبادة للجنس البشري. ذلك أن أركان هذه الجريمة تتمثل في استهداف المدنيين واعتبارهم أهدافاً للعمليات العسكرية بالإضافة إلى قطعهم عن كل أسباب الحياة، وذلك بضرب البنية الأساسية وحرمانهم من وسائل الحياة من ماء وكهرباء وطرق ومستشفيات وإمدادات تموين وغذاء.

 

إن استجابة بعض المثقفين القلائل في "إسرائيل" والتي تأخذ صورة التعبير عن استنكار جرائم الجيش ضد المدنيين، لا تخفي حقيقة واضحة، أن هذه الجرائم ضد المدنيين العرب تلقى تغطية وحماية ورضا من قوى جارفة في المجتمع الإسرائيلي سواء بالمجاهرة كما رأينا في بيان حاخامات الضفة الذين يقودون عملية الاستعمار الاستيطاني أو بالصمت الإيجابي المؤيد.

 

لقد قال الحاخامات في بيانهم إن قتل الأطفال العرب في لبنان، حلال من وجهة النظر الشرعية اليهودية، لأن هؤلاء الأطفال يمكن أن يكونوا إرهابيين يهددون "إسرائيل" في المستقبل. أما غالبية الجماهير الإسرائيلية التي خضعت لاستطلاعات رأي حول مجريات القتال فقد رأت أن الحكومة قد قصرت عندما أوقفت العمليات من قبل أن تحقق أهدافها دون أن يبدو على هذه الجماهير أي إحساس بالذنب تجاه ممارسات جيشها ضد المدنيين.

 

لقد كانت قانا 2006 مذبحة ارتكبت بوعي وبدمٍ بارد وبدون أدنى إحساس بالذنب، وهو ما دفعني في إحدى الندوات إلى استرجاع جريمة خربة خزاعة التي ارتكبت عام 1948. إنها قرية عربية لم يظهر اسمها في سجلات البحوث التاريخية حول جرائم الحرب ولكنه ظهر في رواية قصيرة لأحد المقاتلين الإسرائيليين الذين شاركوا في الجريمة، ثم ألحَّ عليه إحساس بالذنب تجاه السكان العرب، فقام بتسجيل مشاهداته في رواية تحمل اسم القريبة العربية. منذ نشر "ساميخ يزهار" هذه الرواية عام 1949 ظلت تعاني إهمالاً شديداً من النقاد باعتبارها عملاً فاضحاً للسلوك الإسرائيلي لا يجب إشهاره من خلال الكتابة النقدية عنه. في الرواية نجد وصفاً تفصيلياً للجريمة بأركانها. يصف الكاتب الأمر العسكري الصادر من القيادة الصهيونية لقوات "الهاجاناه" الذي يأمر فصيلة الكاتب الجندي بترحيل سكان خربة خزاعة إلى خارج الحدود الفلسطينية وإلقائهم في الصحراء خارجها باعتبارهم "إرهابيين" و"مخرِّبين".

 

ثم يصف الكاتب حالة الجناة وهم ضباط وجنود الفصيلة الذين انطلقوا إلى تنفيذ الأمر في حماس غير عابئين بالحقيقة التي كشفت أن سكان القرية ليست لهم أي علاقة بالإرهاب أو التخريب أو القتال من قريب أو بعيد. ويصور الكاتب مشاعر البلادة الإنسانية واللامبالاة بمصير السكان المدنيين التي سيطرت على الضباط والجنود وهم يرون بعيونهم أن الضحايا مجرد نساء وأطفال وشيوخ لا حول لهم ولا قوة.

 

هذا التسجيل الأدبي لجريمة حرب كاملة الأركان، لم يؤدِّ لدى المجتمع الإسرائيلي على اتساعه، إلى أي استعداد للتراجع عن الجريمة بإعادة السكان، ولم يتسبب في ظهور اعتذار رسمي ولم يحدث حالة إحساس جماعي بالذنب لدى قوى المجتمع. بل إن النغمة الإسرائيلية الشائعة تجاه مثل هذه الجرائم هي اعتبارها ضرورة أليمة، كان لابد منها لإقامة دولة "إسرائيل".

إن تكرار هذه الجرائم وصولاً إلى قانا 2006 يعني أن منطق الضرورة الإجرامية لتحقيق الأهداف يتحكم في العقل الحاكم بـ"إسرائيل"، وهو أمر لن يتغير من الداخل بل بفعل دولي أخلاقي حاسم يفرض أحكام الضمير.