الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الأصول الأيديولوجية لآلة القتل الجمعي الإسرائيلية

 

د. محمد نعمة

صحيفة القدس العربي اللندنية 7/9/2006

 

إن غزارة دماء المدنيين التي هدرها الجيش الإسرائيلي وما يزال في لبنان، إن الدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية، في الأبنية السكنية وفي نواحيه الاقتصادية والصناعية والاجتماعية ليس كل هذا، رغم هوله وضخامته، علامة فارقة في تاريخ هذا الجيش.

إن كثافة النيران التي تطلقها فوهات الحمم الإسرائيلية ونوعيتها وخاصة المحرمة دولياً أو تلك الأكثر تطوراً وفتكاً والتي تستعمل حديثاً في لبنان وغزة، إن قذف آلاف الأطنان من القنابل بنفس الوقت براً وبحراً وجواً ضد أهداف مدنية عديمة الحماية، ليس كل هذا بجديد في تاريخ آلة القتل الإسرائيلية الحافل بالإنجازات.

 

فمنذ مجزرة دير ياسين وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وقانا الأولى ثم جنين إلى قانا الثانية والقاع والغازية والشياح وغيرها وغيرها وآلة القتل هذه لا تحيد عن مهمتها الأصلية ألا وهي: السيطرة - الإذلال. إن اقتلاع مليون مواطن لبناني في بضعة أيام (السيد اولمرت يعلن لصحيفة ألمانية بأن هذا أحد إنجازاته في الحرب)، ما هو إلا تكثيف لما يقوم به نظام القتل الإسرائيلي منذ سنوات في الضفة الغربية وغزة، من تدمير منهجي وشامل لكل مفاصل ومعالم الحياة العادية والآدمية.

إن ما تقوم به آلة القتل الإسرائيلية بحق اللبنانيين - ولو أنه أكثر دموية وخراباً - ليس إلا صورة طبق الأصل لما يحدث للفلسطينيين من حيث إن آلة القتل هذه تقوم بتخيير أعدائها بين الموت الجمعي والفردي وبين البقاء ولكن كدون البشر.

أما إذا أردنا التعمق بالأسباب الموجبة لنهم آلة القتل هذه وديمومته فإننا سنجد أنفسنا أمام الجذور التكوينية لعقيدة جيش دولة "إسرائيل" وهي:

 

1 - الجذر الأسطوري: يُعرف بأن اليهودية والصهيونية هما عقيدتان مختلفتان، الأولى سماوية وهي الدين التوحيدي الأول والذي يَعتبر العبور أو الهجرة أو الانفلاش في الأرض من قبل الشعب اليهودي كجوهره وكهويته. إن هذا العبور يعاش ويُعقلَن كعقوبة إلهية على خطيئة هذا الشعب وتمرده الأصلي وبالتالي فإن الغفران لن يتم حسب التوراة إلا عبر الصلاة والتوبة. أما الثانية أي الصهيونية فهي أيديولوجية عرقية ترتكز علي الأسطورة التلمودية العودة إلى أرض الميعاد لليهودي فقط، أي أنها تخلط الإطار الديني بالإطار البيولوجي إلى درجة أن الولادة هي التي تقرر انتماء الفرد للدولة /العقيدة وذلك حتى لو كان هذا اليهودي الفرد غير مؤمن بالعقيدة اليهودية نفسها. هذه الصهيونية كعقيدة دولة "إسرائيل" تسحب أصولها المفاهيمية من المرتكز النظري لمسألة القوميات ولمسالة الدولة/الأمة في القرن التاسع عشر والقائم على الفكرة السطحية الأوروبية بأن لكل إثنية أو ملة حق في بناء دولتها الخاصة. ولأجل بناء دولة "إسرائيل" فإن الصهيونية قد دفعت اليهود للتخلي عن فكرة الدياسبورا، أو التوطن في أصقاع الأرض والبقاء في كونية تحدد اللقاء التاريخي مع الآخر وتحافظ على الإرث المشترك لعصر الأنوار. وذلك من أجل فبركة هوية جديدة هي خليط من شعور قومي خرافي ومن روح عسكريتاريا شبيهة بتلك العقائد القتالية التي نمت في أوروبا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر كالفاشية أو الداروينية الاجتماعية والعرقية والتي تُرجمت في أواسط القرن العشرين ببحر من الدماء التي أغرقت أوربا.

 

إذا كانت اليهودية تنادي بانفلاش اليهود في مشارق الأرض ومغاربها فإن الصهيونية سعت وتسعى لحشر اليهود ووضعهم خلف جدران العزلة والانفصال عن العالم الخارجي. إن هذه العقيدة تعمل على أساس أنها ملاذ مسلح ومحصن ضد العالم الخارجي والذي يعاش كتهديد وجودي دائم وبالتالي فالصهيونية بتجسدها في إسبارطة اليهود فإنها تؤسس لليهودي الشعور بالخوف تجاه الآخر الذي يتحول إلى موضوع دائم للشبهة والريبة، وبنفس الوقت تسلحه بالشعور بالقدرة وبالسطوة. إن هذين الشعورين يعملان مع أيديولوجية التمييز بين اليهودي / غير اليهودي (غونيم) أولاً والسيطرة على الآخر ثانياً، على مأسسة عقلية للحرب ودافعية نفسية دائمة لها.

 

2 - الجذر العارضي للحداثة: إن الصهيونية تنقل اليهودي من تاريخه الروحي وتحبسه في حداثة آنية، عبر تماه حثيث بما تم إنتاجه لدي الغرب من مواضيع النزعة القومية أو الإثنية، والسيطرة وتقنيات مناهج التمدد والتوسع. وهذا ما نجده حتى في العلاقة الحميمة بين الصهيونية وحداثة الدولة الغربية من جهة وبين عبادة العلم وتقنياته وذلك عل حساب الثقافة والتواصل. فإذ بالمعرفة العلمية تتحول إلى ضرورة أخلاقية من أجل التدمير والسيطرة. هنا العلم يتأدلج ثم ينتفي كونه طريقة مستقبلية وكونية وذلك كي يبدو عارضاً مرضياً يعبر عن تفلت الغرائز من جهة وعن المأزق الوجودي للذات الهدامة من جهة أخرى. في الصهيونية وأيضاً في أيديولوجية الحداثة الخاضعة لعبودية الأنظمة الآلية وسيادتها إن القدرة على التدمير والتوسع تصبح وحدها معياراً تطبيقياً روتينياً لما يعرف بالتحكم الاحترافي للتقنية الحديثة، وبالتالي إن المبتغي اللاواعي لهذه الأيديولوجيا يبقي ثابتاً وهو الحرب.

 

بواسطة الحرب التدميرية تُشبع هذه الأيديولوجية رغباتها بالسيطرة وتعيد إنتاج هذيانها حول سمو أخلاقية التدمير. من هنا تبدأ بما يسمى في الغرب حقبة الفراغ الثقافي والفكري عاكسة غلبة التكنولوجيا وأيديولوجيتها على الثقافي والعلائقي المؤنسن. فمنذ الحرب العالمية الثانية ونحن نواجه نفس أيديولوجية القتل والهدم. إن ضخامة الخسائر في أرواح المدنيين (عشرات الملايين) في تلك الحرب والتي تعدت بكثير خسائر الجنود كانت نتيجة طبيعية لبدء عصر الحرب الخاطفة والتي لم تميز بين مدني وعسكري، بين موقع قتالي وبين تجمع سكاني. فإذ بالملايين من المدنيين يتساقطون ويموتون تحت ركام مدن بكاملها مثل مدينة كوفنتري ودرسدن وهيروشيما وناكازاكي وأيضا بمحو آلاف القرى بأكملها وبتهجير شامل للملايين من إثنيات وأعراق مختلفة على مستوى قارة بكاملها.

 

أما ورثة الحرب العالمية الثانية الحاليين فإنهم لم يزالوا في مسار زرع الموت والهدم الجمعيين، بحيث نجدهم وكأن ليس ثمة قطيعة زمنية ومجتمعية بين ذاك الماضي/ هناك وبين الحاضر/ هنا. كل الوسائل هي بالنسبة لهم صالحة من أجل الهدف الأوحد وهو القتل الجمعي والمبرمج.

فكل ما توصل إليه العلم والمعرفة يبدو أنه لا يستقيم بفعالية وبصلاحية إلا إذا استند على جماجم الشعوب.

 

في آلة القتل الجمعي يوجد عامل البرمجة أو التخطيط البارد، بحيث إن القرار بالتصفية ليس عفوياً أو انفعالياً وإنما مبرمج وهو موضوع اختبارات مسبقة علمية ورياضية. وبالتالي إن هذا القرار هو وليد أداء مؤسساتي متكامل وإن عملية أخذ القرار والتنفيذ هي مسألة متشعبة وهرمية ولكنها قصدية، أي من أجل المسح أو التنظيف العرقي أو القومي.

في خلفية آلة القتل الجمعي يوجد بالطبع أيديولوجية السيطرة والتحكم، ولكن من أجل نجاعتها ومن أجل إشباع هذه الأيديولوجية لا بد من وجود مُتخيل سياسي عرقي تجاه رفض الآخر والحط من إنسانيته. لأن القتل الجمعي يدخل ليس فقط في إشكالية عجز القاتل عن التكيف مع محيطه بغير آلة التدمير وإنما أيضاً في إشكالية باثولوجية نفسية متجذرة في الذات القاتلة نفسها. من المؤكد بأن قتل الجماعات لهو على المستوى النفسي في وضعية بارانوية فصامية بحيث أن الآخر لا يري إلا كتهديد وجودي، كنفي للذات (ألم يقل أحد الإسرائيليين: إن هذه الحرب هي حياة أو موت بالنسبة لنا)، وبنفـس الوقت كموضوع ناقص الإنسانية ودوني.

 

لذلك نرى القاتل وأثناء فعله يسعى جاهداً إلى تحقيق هاجسه وهو إخضاع الضحية، ودفعها على القبول بانسحاقها، وذلك كفعل حثيث لزعزعة توازن وجود الضحية ذاته.

من هنا إن ما نراه من مجازر ودمار بحق الفلسطينيين واللبنانيين يدخل بما يسمى ثقافة الحرب الشاملة بحيث أن السلوك الحربي يخرج من إطاره الإنساني ليدخل في إطار تعرية ونزع الأنسنة عن الآخر أي بتبخيسه وبتحوله إلى دمية للوخز وللتقطيع والتي لا تستحق أية موانع أخلاقية، وبالتالي عندما يتم أيديولوجيا تخدير وتحييد الضمير بفعل غرائز التشيّؤ وتحقير الآخر فإن القتل يصبح سلوكاً عادياً، طقساً وضرورة أخلاقية .

 

* مدير مجلة مدارات غربية - باريس