|
هل تكشف لجان التحقيق عورات الصهيونية؟
أ.د. مصطفى
رجب
صحيفة
الشرق القطرية 28/2006
بتاريخ
20/8/2006 كتب ايتان هابر رئيس ديوان رابين سابقاً في صحيفة (يديعوت
أحرونوت) يقول: لقد كنت شخصياً شاهداً، سمعت توجيها هاتفياً لحاييم
بارليف موجهاً إلى أرييل شارون في حرب الغفران (أكتوبر73). توسل
بارليف قائلاً لشارون: «اريك، في هذا المساء سيدخل وقف إطلاق النار
حيز التنفيذ. منذ هذه اللحظة، كل ضحية لا داعي لها.. أريدك أن تحافظ
على الجنود».
وإيتان هابر
هنا يستعيد واقعة تحذير بارليف لشارون من مغبة العملية الحمقاء التي
سميت آنذاك بعملية (الثغرة) والتي كانت كفيلة - لو سمع السادات نصيحة
الفريق الركن سعد الشاذلي بسحق كل الجنود الصهاينة الذين تسللوا تحت
قيادة شارون ونفذوا عملية الثغرة. يستعيد هابر هذه الواقعة ليدلل على
حماقة أولمرت ووزير دفاعه اللذين تسببا في مقتل 34 جندياً وضابطاً
بعد شروع مجلس الأمن في اتخاذ قراره بوقف إطلاق النار.
ويأتي حديث
هابر في سياق دعوته لبيان مهمة لجنة التحقيق التي ستتولى تحديد
المسؤوليات عما حدث في الحرب الأخيرة بين "إسرائيل" وحزب الله فيقول
:
لجنة التحقيق
التي ستقوم اليوم أيضاً، تستطيع هذه المرة أن تحصر اهتمامها في
أمرين:
- كيف بدأت
الحرب؟
- كيف انتهت؟
في السؤال
الأول يجب أن يُسأل فقط عدد محدود من الشهود: كيف اتُخذ القرار في
الحكومة؟ ما الذي سُلم في التقارير إلى رئيس الحكومة ووزرائه، وما
الذي عرفوه قبل أن أُطلقت الرصاصة الأولى وهل اتخذوا القرار برغم
عِلمهم ما علموا، إذا علموا؟.
عدة أيام أو
أسابيع، وعدة شهود من الحكومة والجيش، وسيكون الجواب واضحاً وتكون
النتيجة واضحة كما يبدو أيضاً: عُزل أرييل شارون عن ولاية عمله
وزيراً للدفاع لأنه لم يرَ المولود.
السؤال
الثاني لاذع ومُر كاللعنة: كيف انتهت الحرب؟ وبكلمات أخرى: من الذي
أرسل 34 جندياً وقائداً ليموتوا، عندما كان قد أصبح معلوماً التحضير
لوقف إطلاق النار؟
دائماً، في
جميع الحروب، حاولوا تحسين المواقف قُبيل وقف إطلاق النار، ولكن لم
يفعلوا في مرة ذلك والموعد معروف. على العكس: من اللحظة التي عُرف
فيها عن وقف إطلاق النار، جهدوا في الجيش الإسرائيلي قدر المستطاع
لمنع الضحايا.
ويضيف رئيس
ديوان رابين الأسبق قائلاً: قال رجل مسؤول رفيع في جهاز الأمن، على
قناعة من أنه يجب أن تقوم لجنة تحقيق رسمية، أول أمس بلغة يأس: من
الذي سيقود الاحتجاج الذي سيفضي إلى إنشاء اللجنة؟ لا يوجد أحد! كما
يقول، ستبحث السلطة عن مُحدثي الاحتجاج الكامنين وتغلق أفواههم
بالمال، بالمال الكثير، تحت غطاء مشاريع إعادة البناء. فبادئ ذي بدء
من المهم للسلطة أن تغلق أفواه رؤساء المجالس والبلدات.
سيأتي
الاحتجاج هذه المرة كما يبدو من أفراد الاحتياط الذين جروا على
التلال من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا، وكانوا مثل دجاج في
المسلخ، وسيأتي الاحتجاج من قبل العائلات الـ 34، أو بعض منها، التي
فقدت أعزاءها في اليومين الأخيرين من الحرب قبل وقف إطلاق النار.
وإذا لم يحدث
هذا، فيبدو أننا نستحق ذلك.
وفي اليوم
نفسه كتب عوزي بنزيمان وهو كاتب رئيسي في صحيفة (هآرتس) يسخر من
مسألة تهرب أولمرت من تأليف لجان للتحقيق فيقول: ما الذي يقصده إيهود
أولمرت عندما يُصرح بأن الدولة لا تملك امتياز التمتع بالتحقيقات
الداخلية وتوجيه الاتهامات المتبادلة؟ وما الذي يقصده عمير بيرتس
عندما يوضح أن لجنة التحقيق التي سارع إلى تعيينها لن تبحث عن
الاخفاقات وإنما ستقوم بدراسة الجيش حتى تستخلص العِبر من أجل
المستقبل؟ وما الذي يقصده دان حلوتس عندما يُصرح بأن الجيش كله جدير
بالفحص، ولكن المطلوب الآن هو التركيز على الجولة القادمة الوشيكة؟
ثلاثتهم يقصدون أمراً واحداً - منع تشكيل لجنة تحقيق رسمية تمتلك
وسائل تحقيق حقيقية وأسناناً حادة قابلة للغرس في أجساد المسؤولين عن
الفوضى التي لحقت بالدولة في شهري تموز (يوليو) - آب (أغسطس)، ولكنهم
يخفون دوافعهم خلف تعليلات متزلفة ومصطنعة. وهذا الثلاثي لا يدرك أنه
قد فقد مصداقيته تماماً، وكذلك قدرته على إدارة الدولة وقيادة الجيش
وخصوصاً صلاحيته ومرجعيته الأخلاقية لإرسال الجنود إلى الحرب
القادمة. رئيس الوزراء ووزير الدفاع اللذان قررا شن حرب كارثية بعد
تشاور استمر بضع ساعات فقط، ورئيس هيئة الأركان الذي فشل في إعداد
الجيش للمهمة وطرح تصوراً غير واقعي للمجريات والنتائج المتوقعة - لا
يستحقون البقاء في مناصبهم. القاعدة الأساسية القائمة على الثواب
والعقاب تستوجب استقالتهم الفورية. عزمهم على مواصلة مناصبهم هو
وقاحة لا مثيل لها: على أساس أي قدرات وانجازات تبرهنت في الشهر
الأخير، يفترض أن يواصل الجمهور إيداع مصيره في أيديهم؟
لو أن أولمرت
وبيرتس وحلوتس يقومون غداً صباحاً ويصرحون بأنهم سيغادرون الخدمة
العامة، لكانت هناك جدوى من عدم تشكيل لجنة تحقيق رسمية، بما تنطوي
عليه من جهد قانوني، والاكتفاء بطواقم تفتيش خارجية في الجيش وأجهزة
الطوارئ المدنية ومنطقة التماس بين هيئة الأركان والمستوى السياسي.
إلا أن الثلاثة يتشبثون بمناصبهم من خلال دوافع غريبة: ليست مصلحة
الدولة هي التي تنتصب أمام أعينهم، وإنما الحاجة إلى إنقاذ ماء
وجههم. هم يحاولون عدم دخول سجل الدولة كفاشلين لم يكن لهم مثيل منذ
حرب الغفران، ويحاولون تكريس الاعتقاد بأن ما حدث لهم هو مجرد خلل
فقط. هم يسعون إلى التغطية على اخفاقاتهم المدوية في الأعمال وفي
القرارات خلال الفترة القادمة. وهذا في الواقع جوهر الخطر.
ويضيف عوزي
بنزيمان: إن أولمرت، بيرتس وحلوتس أثبتوا عدم قدرتهم على اتخاذ
القرارات الصائبة مع أنهم حاولوا المرة تلو الأخرى الظهور بمظهر من
يقوم باتخاذ قرارات مصيرية وغير خالية من الاعتبارات الغريبة بالنسبة
للناس وحياتهم. وإذا كان القرار الحاسم الأول بالخروج إلى الحرب قد
نبع من عدم التجربة، وعدم القدرة على تنبؤ خطوة واحدة إلى الأمام،
فإن القرارات التي اتُخذت خلالها، خصوصاً عند النهاية، قد دللت على
أن هؤلاء الثلاثة يتحركون بدوافع غريبة. هذا ينطبق على قرارهم
استخدام وحدات الكوماندو في العمق اللبناني التي كان إنجازها الأساسي
عودة الجنود إلى أهلهم بسلام (نسبياً)، وكذلك القرار البائس بإرسال
فرق الاحتياط نحو الليطاني في يومي الحرب الأخيرين. هم طرحوا ذرائع
عسكرية من وراء هذه القرارات، إلا أن هدفهم كان انتزاع صورة للانتصار
حتى يُبرزوها أمام الناس. عملية الكوماندو في بعلبك أمس تدخل ضمن
دائرة الشك هذه، فكيف تتساوق مثل هذه العملية مع موافقة "إسرائيل"
على وقف إطلاق النار؟ القيادة العليا والإرادة السلطوية لا تُكتسبان
فقط من خلال إصدار الأوامر والإجراءات الرسمية. هذان الأمران يتجسدان
من خلال المرجعية الأخلاقية والمصداقية الشخصية. أولمرت وبيرتس
العشرين من آب (أغسطس) 2006 ليسا أولمرت وبيرتس عند تشكيل الحكومة،
وحلوتس اليوم ليس حلوتس الذي دخل إلى رئاسة هيئة الأركان. الحرب
القاسية كشفت عوراتهم بصورة لا يمكن التغطية عليها، خاصة في عهد
الحرب التي تجري من خلال بث حي. هم لن يكونوا قادرين على إرسال الشعب
والجيش إلى الحرب القادمة الوشيكة حسب قولهم، لأنهم فقدوا مصداقيتهم
للقيام بذلك. كلما سارعوا إلى إخلاء مناصبهم، كان ذلك أفضل لهم
وللدولة.
هكذا تبدو
لنا صورة الصحافة الصهيونية وهي تتخبط في مناقشة قضية التحقيق في
نتائج الحرب الحمقاء التي خاضتها قوات رئيس وزراء غير عسكري فكشفت
عورته.
|