|
معارضات إسرائيلية
رنده حيدر
صحيفة
النهار اللبنانية 24/8/2006
عودة حركات
الاحتجاج الأهلية في "إسرائيل" على "حرب لبنان الثانية" مظهر آخر من
مظاهر الأزمة العميقة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي منذ بدء الحرب
التي أعلنتها حكومتهم على لبنان.
بدأ الاحتجاج
منذ الأيام الأولى للمعارك وأخذ صبغة يسارية بصورة خاصة رفضاً للقصف
الإسرائيلي للمدنيين في لبنان، والذي كان يرد عليه "حزب الله" بقصف
المدنيين الإسرائيليين، ثم تطور إلى معارضة توسيع العملية العسكرية
الإسرائيلية على لبنان والتحذير من الغرق من جديد في "المستنقع
اللبناني"، وانتهى بتوجيه الانتقادات الحادة إلى رئيس الحكومة ووزير
الدفاع والمطالبة باستقالتهما فوراً قبل تشكيل لجنة تحقيق حكومية
لدرس "تقصيرات" الحرب ومحاكمة المسؤولين عنها.
وما لبث أن
انضم إلى هذه الحركة مجموعتان أساسيتان: الأهالي الثكالى للجنود
الذين قتلوا في المعارك الأخيرة مع "حزب الله"، ومجموعة من الضباط
والجنود الاحتياطيين الذين بعد عودتهم من جنوب لبنان وجهوا رسالة
قاسية إلى الحكومة يدينون ترددها وغياب الخطة العسكرية الواضحة
للمعركة وغموض الأهداف وتغيرها أثناء سير المعارك وقبول الحكومة وقف
النار وفي الوقت عينه مصادقتها على توسيع الأعمال العسكرية. كل ذلك
كان في رأيهم سبباً أساسياً لإخفاقات الجيش الإسرائيلي وفي ضياع
الجنود الاحتياطيين الذين ادخلوا على عجل إلى لبنان من دون إعداد أو
تدريبات كافية ثم تركوا في أرض معادية ينتظرون مجيء الأوامر العسكرية
التي تأخرت في الوصول.
شكلت الحروب
الإسرائيلية على الدوام دافعاً لقيام حركات احتجاج شعبية مناهضة
للحرب. فحركة "السلام الآن" نشأت خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام
1982، ومباشرة بعد أن تخطى الجيش الإسرائيلي حدود 42 كيلومتراً، وحين
بدأت جثث الجنود تصل إلى ذويها. وبلغت حركات الاحتجاج المناهضة للحرب
حينذاك ذروتها في أعقاب مجازر صبرا وشاتيلا في تظاهرة حاشدة جمعت 400
ألف متظاهر أي ما نسبته 10 في المئة من مجموع سكان "إسرائيل" حينذاك.
في السنوات الأخيرة للحزام الأمني الذي أقامته "إسرائيل" في لبنان
لعبت حركة "الأمهات الأربع" والمؤلفة من أمهات لجنود إسرائيليين
قتلوا في جنوب لبنان، دوراً كبيراً في الاحتجاج على بقاء الجيش
الإسرائيلي في الجنوب وشكلت جماعة ضغط على القيادة السياسية وأجبرت
إيهود باراك على التعهد بإخراج الجيش من لبنان بعد فوزه في
الانتخابات وهذا ما فعله عام 2000.
وفي الواقع
فإن حركة الاحتجاج الشعبي الجديدة في "إسرائيل" هي بصورة من الصور
انعكاس وصدى لموجة النقد الشديد والحاد الذي شنه الإعلام الإسرائيلي
على المسؤولين لسوء إدارتهم الحرب وإهمالهم الجبهة الخلفية وعدم
تقديرهم مسبقاً ما يمكن أن تؤول إليه المعارك. وكانت صحيفة "هآرتس"
بين الأوائل الذين شنوا هجوماً قاسياً على سوء إدارة القيادتين
السياسية والعسكرية للحرب.
ولكن ضمن هذا
المشهد الاحتجاجي لا يمكننا إلا نأخذ في الاعتبار أيضاً موقف
المعارضة اليمينية المتشددة المنتقدة للحرب، ولكن انطلاقاً من
اعتبارات مختلفة جداً. ففي رأي اليمين أخطأت الحكومة بترددها في
المضي بعملية عسكرية واسعة النطاق، وكان على سلاح الجو أن يضرب كل
البنى التحتية من كهرباء وماء، كما كان على الجيش ألا يوقف عملياته
العسكرية حتى تحقيق الأهداف، وكان على الجيش استرجاع هيبته وقدرته
على الردع والمضي في حربه ضد "حزب الله" حتى النهاية. وبالطبع ما
يسعى إليه اليمين هو تغيير حكومي يطيح الوجوه الحالية ويعيدهم إلى
السلطة وينتقم لهم من حزب شارون، "كاديما".
وحتى اليسار
الإسرائيلي منقسم؛ فحركة "ميريتس - ياحد" أيدت في البداية الحرب
ووقفت إلى جانبها وعارضت فقط توسيع الأعمال العسكرية. من هنا من
الصعب في رأي عدد من الإسرائيليين بينهم رئيس حركة "السلام الآن" أن
تتحول حركة الاحتجاج الشعبية حركة جارفة من شأنها أن تجر وراءها
الشارع الإسرائيلي كله لأنها غير قادرة على توحيد أهدافها والاتفاق
على رسالة واحدة بين مختلف الأطراف التي تعتبر نفسها معارضة اليوم
للحكومة. والراهن أن "إسرائيل" مجتمعاً وحكومة وجيشاً في مرحلة إعادة
تقويم لما حدث عميقة وجذرية، قد تؤدي إلى مزيد من التعنت والتشدد
وتساعد في عودة اليمين القومي إلى الحكم.
|