|
"إسرائيل" تعيد حساباتها كلها..!
بقلم: محمد
حقي
صحيفة
الأهرام 23/8/2006
ليس أقدر على
تقويم مدى خسارة "إسرائيل" في حربها الأخيرة ضد حزب الله قدر قيادة
حزب الله نفسها، فالواقع أن قيادة حزب الله حققت ما لا تستطيع كل
الجيوش العربية أو الدول العربية أن تحققه، وهو أن تلحق أول هزيمة
عسكرية بالجيش الإسرائيلي، فقد كانت "إسرائيل" تردد دائما أن العرب
يمكن أن يخسروا مائة معركة، ولكن "إسرائيل" لا تستطيع ولا تملك ولا
تقوى على خسارة معركة واحدة، لأنه إذا فعلت فقد خسرت الحرب، وهذه
أول معركة تخسرها "إسرائيل"، من هنا يمكن أن نقول بالفم المليان
إنها خسرت الحرب وبدأ كثير من الكتاب في الغرب، الذين طالما تحيزوا
لـ"إسرائيل" يقولون، كما كنا نطلق شعار على الاستعمار أن يحمل عصاه
ويرحل أيام جمال عبدالناصر، على "إسرائيل" أن تحمل عصاها وترحل،
الشعار نفسه والإحساس نفسه والتقويم نفسه.
ولا ينبغي أن
نقفز عدة خطوات إلى الأمام، أن نخلط التمني بالواقع، فمازالت
"إسرائيل" قوية عسكرياً، ومازالت أمريكا بغباوة منقطعة النظير،
تحميها، وتمدها بكل ما يمكن إمداده لها من الصواريخ المزودة
بالليزر، وتحميها دبلوماسياً وعسكرياً، بالصور التي تلتقطها من
الفضاء، وبكل ما تحصل عليه من أسرار عن طريق وجودها في كل الدول
العربية، وخلعت عن نفسها برقع الحياء تماماً، فلم تعد إدارة
الرئيس بوش تستحي أو تختشي وراحت تعلن عداوتها عيني عينك لكل من يقف
أمامها، بدعوى من ليس معي فهو ضدي مع الإرهاب. ومادامت قد داست
كل القوانين والمعايير الدولية باحتلال بلد عربي وهو العراق، فلم
تعد هناك غضاضة في أن تقف في صف "إسرائيل" ضد حزب الله، وضد
المقاومة اللبنانية، وضد القوانين والأعراف الدولية، التي تحكم
جرائم الحرب، وتحمي المدنيين وتمنع قصف المدن والمرافق العامة،
بل وتدافع عن "إسرائيل" على أساس أنها لها الحق في الدفاع عن
نفسها، الهراء الذي لم ينطل على معظم الدول الأوروبية من
حلفائها، واختلف العديد من أقطاب الحزب الجمهوري معه، من أمثال
تشاك هيجل، وبدأ الديمقراطيون يستجمعون شجاعتهم ليختلفوا معه حول
تأييد "إسرائيل" في حرب لبنان، وحول معارضة حرب العراق صراحة.
انظروا ما
يقوله يوري آفنيري، الكاتب الإسرائيلي الحر الذي لبس الكاكي،
حارب دفاعاً عن "إسرائيل" في عدة حروب لها ضد العرب، وهو تقويم
حساب الخسائر والأرباح:
1 - ثلاثة
وثلاثون يوماً من الحرب، وهي أطول حروبنا منذ سنة 1949 (انظر كيف
يبدأ حروب "إسرائيل" أي بعد سنة واحدة منذ نشأته سنة 1948): في
الجانب الإسرائيلي 154 قتيلاً، 117 منهم من الجنود، 3970 قذيفة
أو صاروخاً أطلق ضدنا، 37 مدنياً قتلوا و422 جريحاً (انظر مرة
أخرى إلى نسبة القتلى من المدنيين)، بينما يستطرد يقول: في
الجانب اللبناني ألف قتيل مدني وآلاف من الجرحى، وعدد غير معلوم من
مقاتلي حزب الله بين قتيل وجريح، وأكثر من مليون لاجئ (وهنا يضيف
عبارة من الجانبين حتى لا تبدو صورة "إسرائيل" بكل البشاعة. ولم
يرغب آفنيري أن يركز على مدى الخراب الذي لحق بلبنان، ولكن كل من
يقرأ الأرقام يعي تماماً حرص حزب الله على حياة المدنيين
الإسرائيليين، وعدم اكتراث "إسرائيل" مطلقاً بالمدنيين
اللبنانيين.
ثم: الجنود
الذين اعتمدت "إسرائيل" عليهم لكسب الحرب وطالبت بإعادتهم لها،
وهما الجنديان اللذان قبضت عليهما قوات حزب الله داخل الأراضي
اللبنانية، على عكس كل ما تقوله وسائل الإعلام الغربية، ولم
يعودا، ولن يعودا إلا بعد تبادل الأسرى كما طالب حزب الله.
2 - حزب
الله بقي على ما هو عليه، حافظ على قوته، لم تفلح "إسرائيل" في
تدميره، ولم ينزع سلاحه، بل ولم يقتلع من الأراضي التي بقي فيها
(وكيف يقتلع وهم أهل البلاد التي تحاول "إسرائيل" احتلالها!)،
بالإضافة إلى أن العسكريين الإسرائيليين أنفسهم أهالوا الثناء على
مقاتلي حزب الله وقدراتهم، وبقيت القيادة ووسائل الاتصال قوية كما
كانت عليها قبل المعارك، وظلت محطة التليفزيون التابعة لها قناة
المنار (التي كنت قد وضعتها على خدمة الكمبيوتر التي كنت بدأتها
منذ سبع سنوات بعنوان خيمة العالم كما هي رغم محاولة "إسرائيل"
تدميرها مراراً.
3 - مازال
الشيخ حسن نصر الله حياً - أمد الله في عمره - مناضلاً يكاد يخرج
لسانه لأمريكا و"إسرائيل"، رغم كل محاولاتهما التنكيل به
واغتياله، بل ارتفعت أسهمه إلى السماء السابعة في أنحاء العالم
العربي من المغرب إلى شوارع بغداد وسائر المدن العراقية.
4 - سيبقى
حزب الله في كل المدن والقرى اللبنانية، في مكانه، لا يمسه أحد
ويقول آفنيري إنه ربما كان في مقدور القوات الدولية أن تمنع اختراق
قوات حزب الله للأراضي الإسرائيلية، ولكنها في الوقت نفسه -
والكلام مازال لآفنيري - بالمعيار نفسه ستمنع اختراق القوات
الإسرائيلية الأراضي اللبنانية، وكما هي الحال دائماً مع القوات
الإسرائيلية التي لا تعرف معاني الشرف واحترام المواثيق ومبادئ
القتال، فقد عبرت الحدود ببعض قوات المظلات ولكنها اشتبكت مع قوات
حزب الله مرة أخري ولقيت المقاومة المريرة نفسها، وقد كنت ومازلت
أتوقع كما يحدث في صدمات ما بعد الزلازل أن تحاول "إسرائيل" عن طريق
الغدر والخيانة أن تحسن من أوضاعها، ولكنني أود أن أقول لها مرة
ثانية وثالثة: انتهى الدرس يا غبي، حافظوا: ليس فقط على حياة
جنودكم، وإنما على بصيص الأمل أنكم سوف تضطرون إلى العيش مع هؤلاء
العرب سواء في لبنان أو فلسطين أو مع جيرانكم عموماً، أفيقوا!!
وصب آفنيري
قسماً كبيراً من غضبة على وسائل الإعلام، التي وصفها بـالصحافة
العاهرة، كل هؤلاء الكتاب والمحللين والمعلقين والمراسلين الذين لا
ينقلون حرفاً واحداً من الصدق والذين خدعوا - طبقاً لكلامه - الوطن
الإسرائيلي، خدعوا وخانوا وقلبوا الحقائق، وطمسوا كل حرف انتقد
"إسرائيل" ووصفوا كل من وقف ضد الحرب بالخيانة (تماماً كما يحدث
الآن في الولايات المتحدة).
بل إنه هاجم
قيادة الجيش الإسرائيلي بعنف قائلاً: إن دان هالوتز رئيس الأركان
الإسرائيلي الذي كان يستقبله استقبال الأبطال، إذا به يبيع حصته
وأسهمه في شركات السلاح، فبدا على حقيقته كأحد المستفيدين من
الهزيمة كأي من جرذان الحرب في الوقت الذي يدفع فيه بالجنود إلى أتون
المعركة!
وسخر آفنيري
سخرية مريرة من ادعاءات البطولة - كما هي العادة - في كل معركة أن
يتهم العسكريون القيادة المدنية بأنها حرمتهم من جني ثمار النصر
وقبلت وقف إطلاق النار قبل موعده، بينما ضرب ببلدة بنت جبيل
المثل، فقد أشرفت عليها القوات الإسرائيلية ثلاث مرات ثم تبقي في
النهاية في يد المقاومة التابعة لحزب الله.
وللمرة
الثانية أمس الأول - السبت - تحاول "إسرائيل" إلقاء بعض قوات المظلات
علي عمق 60 كيلومتراً حتى ضفاف الليطاني، ولكنهم لقوا المقاومة
العنيدة نفسها والهزيمة نفسها، ويستطرد قائلاً: إذا ما شكلت لجنة
تقصي الحقائق، بما فيها الخطوات التي أدت إلى بداية المعارك فلابد
أنها ستتعرض لمقتل 33 جندياً، بما فيهم ابن الكاتب الشهير دافيد
جروسمان الذي كان يؤيد الحرب والآلام التي سببتها هذه الخسارة
لعائلاتهم. وهنا يقول آفنيري عبارة لا يجرؤ على قولها أي كاتب حتى
لا يتهم بتهمة معاداة السامية، إذ قال إن هذا التكتيك العسكري
الإسرائيلي وادعاء أن القوات المسلحة تعرضت لخيانة القيادة المدنية
استخدمها أدولف هتلر قبل الحرب العالمية الثانية ليصل إلى الحكم،
التكتيك الرخيص نفسه الذي استخدمه هتلر والنازية تستخدمه "إسرائيل"
اليوم.
وكتبت مجلة
فورواد اليهودية في واشنطن تقول: كلما واجهت "إسرائيل" حرباً
وكدمات تؤلمها كما حدث في لبنان، فإنها تعود مرة أخرى لما حدث في
حرب أكتوبر لسنة 1973، فيومها - كما حدث اليوم أخذت "إسرائيل" على
غرة وتبين لها أن نظرياتها الدفاعية كلها واهية ولابد أن تعيد
حساباتها في كل شيء، وقد ساعدها في الحرب السابقة هنري كيسنجر لكي
يحقق السلام مع مصر، وعليها الآن أن تعيد ترتيب التحالفات
المحلية، بين المعتدلين من الدول المجاورة، وذكرت أن أهم
المنادين بهذه النظرية هو الزعيم أفرايم سنيه نائب وزير الدفاع
السابق، وعلينا تتبع أفكار من ينادون بذلك وتوجهاتهم!
|