الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الباب الثاني

 

محتوى التعاليم الدينية اليهودية

 

 

الفصل الأّول

 

" النزعة العدوانية"

 

 

إنّ روايات الثأر والانتقام والاعتداء والقتل تطغى على كلّ ما يرد في النصوص التوراتية والتلمودية المتداولة حالياً، وهي لاتخلو من الغدر والخيانة والحضّ على الاستعلاء والعدوان والتسّلط والعزلة وضرورة التوّجس من الأغيار والتّرفع عنهم ، وهو ما اتخذته الصهيونية منهجاً رئيسياً وأعادت تشكيله بما يتّفق والواقع الراهن. (1)

هذه الروايات التوراتية تنسب تلك الروح العدوانية إلى "يهوه" الإله المسّمى "ربّ الجنود" ، فهي تؤكد على مشاركته في كلّ عدوان، فتغدو الحرب حربه والثأر ثأره والانتقام انتقامه حتى على شعبه المقدّس إن تردّد في تنفيذ مخّططاته العدوانية أو استنكر.(2)

نستشّف من هذه الروايات أنه ليس هناك سبب منطقي لهذه الروح العدوانية إلاّ الروح العدوانية نفسها ورغبة يهوه أن تعرفه الشعوب والأمم على أنّه القادر القوي المتّميز الحامي لشعبه المقّدس .(3)

وحسب الرواية التوراتية نجد أنّ الإله اليهودي ومنذ بدء الخليقة مّيز بين الإنسان وأخيه الإنسان ، فخلق من هذا التمييز ذلك الحقد المشبع بالعدوان والانتقام، فنقرأ أنّه تقّبل قربان هابيل ولم يتقّبل قربان أخيه قابيل، فاغتاظ الأخير وحقد على أخيه وقتله وكانت النتيجة أن لعنه الإله يهوه إلى الأبد.(4)

ثم جاءت لعنة نوح الناطق باسم يهوه لحفيده كنعان بن حام وبعد ليلة سكر وتعرٍّ، بداية لطوفان جديد لا يزال مستمراً ، تمثّل في تقسيم العائلة البشرية بين سادة وعبيد ، فأرسى هذا التقسيم العداء الأبدي، وولّد لدى اليهود نزعة الاستعلاء والتسّلط والعدوان تجاه الشعوب الأخرى، نظراً لأنّهم نسبوا أنفسهم إلى النّسل المبارك والزرع المقّدس.(5)

إنّ ما قام به أسلاف اليهود من أعمال عدوانية تعتبر بطولات وأمجاداً وعلى كل يهودي أن يلتزم بسلوكية هؤلاء الأسلاف، وأن يكوّن من هذه السلوكية شخصيته المتمّيزة والمترفّعة والمشبعة بالتوجس والعدوان . ولهذا فإنّ نظام التعليم اليهودي يرتكز على تعريف الطفل في سّن الرابعة على هويته وأسلافه ويدّرب على الاحتراز من الأغيار وعدم مخالطتهم، وزرع فكرة القداسة والاختيار في عقله الباطن.‏

في نصوص التّوراة نقرأ كثيراً من أعمال العنف والعدوان، وهي كما يزعم اليهود، بطولات قام بها أسلافهم التزاماً بأوامر الرّب يهوه، كما نقرأ أوامر وأحكاماً تؤكد على التسّلط والتوّجس والاحتراز والعدوان والعزلة وعدم الاختلاط بالشعوب والأمم الأخرى نظراً لنجاستها ودونيتها، ونجد الروح العدوانية واضحة تماماً في السلوك والأفكار.‏

إنّ سفر التكوين عبارة عن معمعة من أعمال العنف والغدر والقتل والرذيلة أراد منها الأحبار اليهود أن تكون منهجاً وسنة يقتضي اتباعها في كل زمان وأوان.. حيث إرادة الإله يهوه كما يزعمون.‏

ففي الإصحاح الرابع والثلاثين نقرأ عن اعتداء أبناء يعقوب بن إسحق "إسرائيل" على سكان منطقة شكيم التي كانوا يسكنون فيها ويلقون كلّ الاحترام والمحبة منهم . فقد أحبَّ "شكيم" بن حمور زعيم المنطقة ابنة يعقوب، وأرادها زوجة له وقد طلبها من والدها وأخوتها، لكنّ أولاد يعقوب غدروا بشكيم ووالده وبسكان المنطقة جميعهم، بعد أن احتالوا عليهم وتمكنّوا منهم وقتلوهم، ثم هربوا من المنطقة بعد أن نهبوا البيوت جميعها وسبوا النساء والأطفال. (6)

لقد كان موقف المصريين من بني إسرائيل موقفاً إنسانياً معبراً عن كرم الضيافة والمروءة والمحبة والنظرة الشمولية للإنسان والإله .. فخيّر فرعون يوسف وأهله في اختيار المكان الذي يرغبون السكن فيه قائلاً له :‏ " أبوك وأخوتك جاءوا إليك. أرض مصر قدامك في أفضل الأرض أسكن أباك وأخوتك "(15) . لكنّ بني إسرائيل ومنذ أن دخلوا مصر فضّلوا بدافع من عنصريتهم وتعصّبهم الانعزال عن المصريين وعدم الاختلاط معهم، فاختاروا أرض جاسان المستّقلة والبعيدة من أجل هذا الهدف . وعاشوا فيها بهناءٍ فتكاثروا و أثمروا وأمضوا أكثر من أربعمائة عام باطمئنان في ظّل الاحترام المصري.‏

لقد غدر بنو إسرئيل بالمصريين وتجاهلوا كل هذا التكريم الذي غمرهم به فرعون وشعبه، وجاءت هذه الأحكام العجيبة العظيمة كما يسّميها محرر سفر الخروج لتدفع بالمصريين إلى التهلكة، ويهرب بنو إسرائيل بعد أن يسرقوا حلّي وأمتعة النساء المصريات باحتيال مدروس ومخطط له من الإله يهوه .(16)

إنّ كتّاب الأسفار التوراتية الذين يدفعون بيهوه لأن يكون وراء هذا الحقد والتشّدد والرؤية الضيّقة كانوا هم من يعاني من هذه النزعات الّلاإنسانية، وحّملوا يهوه كلّ التبعات فغدا العدوان عدوانه الذي يخطط له ويحضّ على تنفيذه وهذا العدوان لا يجوز إلاّ أن ترافقه أعمال القتل والحرق والتدمير والسبي دون رحمة أو رأفة لا بالنساء ولا بالأطفال ولا بالشيوخ الكبار.‏

في سفر الخروج نجد كثيراً من وصايا الإله يهوه إلى شعبه المختار المقّدس محذراً ومتوعداً ومنذراً :"ها أنا مرسلٌ ملاكاً أمام وجهك ليحفظك في الطريق وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته . احترز منه واسمع لصوته ولا تتمرد عليه لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه ولكن إن سمعت لصوته وفعلت كلّ ما أتكلم به أعادي أعداءك وأضايق مضايقيك. فإنَّ ملاكي يسير أمامك ويجيء بك إلى الأموريين والحثيين والغرزيين والكنعانيين والحوّيين واليبوسيين فأبيدهم ". (17)

إنَّ موسى كما يصّوره كاتب سفر الخروج كان قاسياً متشدداً إلى الدرجة التي لم يكن ليتوانى عن تنفيذ أيّة عقوبة حتى على شعبه المميّز المختار من الإله يهوه، فقد كانت نزعته العدوانية متفّوقة على النزعة الإنسانية، والأصح فإنّ كاتب السفر محى تماماً كل ما يتعّلق بالإنسانية . فهو انعزالي تسّلطي، مقدّس متمّيز ، مختار.‏

لهذا كان موسى ينظّم جماعته تنظيماً خاصّاً على أنّهم الشعب المقّدس المختار صاحب الإله الخاص . الذي لا يريد لهذا الشعب أن يختلط بالأمم الأخرى لأنّه الأطهر والأنقى والأخّص. كان يغذي فيهم عقيدة التفوق والعنصرية والانعزالية والحقد تجاه كل الشعوب والأمم الأخرى . وكونه كان ناطقاً باسم يهوه فقد كانت وصاياه مبرمجة ومنظّمة ولا مجال للنقاش فيها ، إنّها أوامر صارمة صادرة عن الإله بالذات. فهو الذي يرغب في إبادة الأمم والشعوب التي خلقها أو ربما خلقها إله غيره. فنقرأ مثلاً في سفر الخروج:"أرسل هيبتي أمامك وأزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم وأعطيك جميع أعدائك مدبرين وأرسل أمامك الزنابير فتطرد الحوِّيين والكنعانيين والحثيين من أمامك .."..(18)

فخلال الفترة التي أمضاها موسى في الصحراء يدرّب جماعته تدريباً يتناسب وأفكاره العدوانية العنصرية، كان دوماً يشير إلى ضرورة الانعزال وإبادة الآخرين من الأمم الأخرى والتمسك بمبادئ يهوه الناطق باسمه. وقد نجح موسى في زرع النزعات العدوانية في نفوس جماعته كما نستشّف من خلال ما أورد كاتب سفر العدد . الذي يروي عن غزو مديان والمجزرة التي ارتكبها أتباع موسى في هذه المنطقة والتي يعتبرها كاتب السفر بطولات وواجب ديني وتنفيذاً لأوامر الإله يهوه . حيث نقرأ:" وكلّم الرّب موسى قائلاً انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين ثم تضّم إلى قومك : فكّلم موسى الشعب قائلاً جرّدوا منكم رجالاً للجند فيكونون على مديان ليجعلوا نقمة الرّب على مديان .."(19)

"فتجنّدوا على مديان كما أمر الرّب وقتلوا كل ذكرٍ وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم آوي وراقم وصور وحور ورابع ، خمسة ملوك مديان وبلعام بن بعور قتلوه بالسيف وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكلّ أملاكهم وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنّار . وأخذوا كلّ الغنيمة وكلّ النهب من الناس والبهائم وأتوا إلى موسى وألعازر الكاهن وإلى جماعة بني إسرائيل بالسبي والنهب والغنيمة إلى المحّلة إلى عربات موآب التي على أردّن أريحا فخرج موسى وألعازر الكاهن وكلّ رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحّلة فسخط موسى على وكلاء الجيش ورؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب وقال لهم موسى هل أبقيتم كل أنثى حيّة. إنّ هؤلاء كنَّ لبني إسرائيل حسب كلام بلعام سبب خيانة للرّب في أمر فغور فكان الوباء في جماعة الرّب . فالآن اقتلوا كلّ ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكرٍ اقتلوها..".(20)

إنّها مجزرة تقشّعر لها الأبدان وسببها أنّ رجلاً من بني إسرائيل تزوج بامرأة مديانية، فاعتبر موسى أنّ هذا العمل بمثابة خرق للشريعة والقوانين التي تحرّم الزواج بأجنبيات وتحضّ على العزلة وضرورة الحفاظ على الزرع المقّدس . وعلى الرغم من أنّ الكاهن الشّاب فينحاس بن ألعاز بن هرون وثب على الرجل الإسرائيلي وعلى المرأة المديانية وقتلهما فوراً ، إلاّ أنّ هذا لم يشف غليل موسى ولا يهوه فأمر أن تحرق مديان وأن تسبى النساء وتقتل وأن يقتل كل ذكرٍ وكلّ طفل كما مّر معنا . مع الإشارة إلى أنّ مديان ، كانت الملجأ الذي التجأ إليه موسى عندما هرب من مصر بعد أن قتل مصرّياً دفاعاً عن عبراني من بني جلدته حسب ما يروي كاتب سفر الخروج، وقد أمضى في مديان مدة تترواح بين أربعين إلى خمسين سنة ، تزوّج خلالها من ابنة كاهن مديان " صفّورة" وأنجب منها ولديه "جرشوم وأليعازر ".(21)

إنّ موسى وكما نستشّف من الرواية التوراتية لم يحترم أنّه كان نزيلاً لدى المديانيين وأنّ زوجته مديانية "صفورة ابنة كاهن مديان يثرون" وأنّ المديانيين احتضنوه وعاش في كنفهم معزّزاً مكرّماً. وكان حماه يحبّه وينتصر لآرائه وأفكاره وقد وقف إلى جانبه مؤيداً دعوته، وعندما خرج موسى بجماعته من مصر وعلم بذلك حماه يثرون خرج لملاقاته، وكان قد نزل موسى وجماعته في التربة في مكان يدعى "جبل الّله" وقد رافقته زوجة موسى وولديه والتقيا هناك حيث أثنى ثيرون على موسى وقدّم له نصائح ومعلومات هامة ساهمت في تنظيم دعوته وقد أخذ بها موسى وطبّقها.(22)

لقد نسي موسى أو تناسى كل هذا فكانت مجزرة مديان تأكيداً واضحاً على سياسة الانغلاق والعنصرية والغدر والعدوان، وطريقاً سار عليه أتباعه فيما بعد، ولا يزال حتى الآن المنهاج الرئيسي للحياة اليهودية .‏ وكان تعقل "بلعام بن بعور" نبيّ الموآبيين تأكيداً آخر على أنّ الكاتب التوراتي كان يرغب أن تكون الروح العدوانية منهجاً دائماً حتى مع الذين يتحالفون مع بني إسرائيل وينتصرون لهم. فالزرع المقّدس ينبغي أن لا يدّنس برجاسات الأمم والشعوب . ولو استدعى ذلك مزيداً من الغدر والخيانة ومقابلة الإحسان بالإساءة.(23)

فعندما نزل بنو إسرائيل في عربات موآب خشي ملك موآب منهم فأرسل وراء "بلعام بن بعور" وكان نبياً للموآبيين، وهم يعتقدون أنّ من يباركه بلعام يغدو مباركاً ومن يلعنه يغدو ملعوناً . فأراد ملك موآب "بالاق بن صفور" أن يلعن له بني إسرائيل حتى يتمكّن من محاربتهم وطردهم من المنطقة . لكنّ النبّي بلعام رفض ما أمره الملك بالاق بن صفور ملك موآب، بل بارك بني إسرائيل وأثنى عليهم .(24)

نستشّف من الرواية التوراتية أنّ موسى يسعى دوماً لأن يجمع أتباعه في إطار الوحدة السياسية - الدّينية، أي وحدة سياسية يجمع شملها الّدين، ووحدة دينية هدفها تحقيق الأغراض السياسية، ولهذا كانت وصاياه دوماً متشدّدة في قضية الرأفة والشفقة فالإنسانية لا وجود لها في برنامجه ، وأيّة شفقة أو رحمة لطفل أو شيخ تكون بمثابة مخالفة صريحة لتشريعاته المستمدة حسب الرواية التوراتية من الإله يهوه.‏

ففي عربات موآب أشار قائلاً لجماعته:" إنكّم عابرون الأردّن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربّون جميع مرتفعاتهم تملكون الأرض وتسكنون فيها لأنّي قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب عشائركم .". (25)

ثم يتابع نصائحه قائلاً لجماعته بصيغة الأمر الحتمي:" وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين يستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقوكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها فيكون أنّي أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم ". (26)

ونقرأ أيضاً "قد دفعت إلى يدك سيحون ملك حشبون الأمورّي وأرضه ابتدئ تملك وأثر عليه حرباً في هذا اليوم أبتدئ أجعل خشيتك وخوفك أمام وجوه الشعوب تحت كل السماء الذين يسمعون خبرك يرتعدون ويجزعون أمامك.".(27)

لقد نجح موسى في أسلوب الحضّ على العدوان والقتل والإبادة وتمكن جماعته من سحق سيحون وجماعته فقتلوا ونهبوا وحرقوا وسبوا النساء والأطفال كما يرد في سفر التثنية:" فخرج سيحون للقائنا هو وجميع قومه وأخذنا كلّ مدنه في ذلك الوقت وحرَّمنا من كل مدينة الرّجال والنّساء والأطفال. لم نبق شارداً. لكنّ البهائم نهبناها لأنفسنا وغنيمة المدن التي أخذنا من عروعير التي على حاّفة أرنون والمدينة التي في الوادي إلى جلعاد لم تكن قرية قد امتنعت علينا الجميع دفعه الرب إلهنا أمامنا".(28)

ثم قاموا باعتداء آخر على منطقة باشان فقتلوا ملكها "عوج" وجميع قومه وأخذوا كل مدنه ونهبوا وسبوا النساء والأطفال، وفعلوا في باشان كما فعلوا في شيحون(29) . وقبل أن يبدأ العدوان على كنعان جمع موسى أتباعه وقام فيهم خطيباً وناصحاً وآمراً أن يلتزموا بتعليماته وقراراته التي كان وراءها يهوه ، وجميعها تحضّ على العدوان والعنصرية والتسّلط والعزلة فنقرأ: "متى أتى بك الرّب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوباً كثيرة من أمامك الحثيّين والجرجاشيين والأموّريين والكنعانيين والغرزيين والحوّيين واليبوسيين سبع شعوب أكثر وأعظم منك، ودفعهم الرّب إلهك أمامك وضربتهم فإنّك تحرّمهم. لا تقطع عهداً لهم ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم". (30)

ثم يتابع موسى مؤكداً على أن الخوف لا مكان له وأنَّ العدوان مآله النصر نظراً لأنّ الإله يهوه شخصياً يحارب معهم وينتصر لهم ويخطط لهم وهو الذي يريد إبادة الشعوب والأمم الأخرى من أجل أن يسود شعبه الخاص المقّدس على كل الشعوب. ولذا لا داعي أبداً للترّدد أو الخوف من هذه الشعوب مهما كانت وهو ما ينبغي أن تأخذ به كلّ الأجيال اللاحقة. فنقرأ:‏ "إن قلت في نفسك هؤلاء الشعوب أكثر مّني كيف أقدر أن أطردهم فلا تخف منهم ، أذكر ما فعله الرّب إلهك بفرعون وبجميع المصريين . التجارب العظيمة التي أبصرتها عيناك والآيات والعجائب واليد الشديدة والذراع الرفيعة التي بها أخرجك الرّب إلهك هكذا يفعل الرّب إلهك بجميع الشعوب التي أنت خائف من وجهها والزنابير أيضاً يرسلها الرب إلهك عليهم حتى يفنى الباقون والمختفون من أمامك لا ترهب وجوههم لأنّ الرّب إلهك في وسطك إله عظيم ومخوّفٌ. ولكنّ الرّب إلهك مطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلاً قليلاً لا تستطيع أن تفنيهم سريعاً لئلا تكثر عليك وحوش البرّية . ويدفعهم الرّب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطراباً عظيماً حتى يفنوا ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحوا اسمهم من تحت السماء ".(31)

كما يؤكّد لجماعته أنَّ يهوه نفسه سيعبر أمامهم ليبيد الشعوب ويذّلهم، وعلى كلّ فرد أن يأخذ هذا بعين الاعتبار فيخاطبهم قائلاً:" اسمع يا إسرائيل أنت اليوم عابرٌ الأردّن لكي تدخل وتمتلك شعوباً أكبر وأعظم منك ومدناً عظيمة ومحصّنة إلى السّماء قوماً عظاماً وطوالاً بني عناقٍ الذين عرفتهم وسمعت من يقف في وجه بني عناق . فاعلم اليوم أنّ الرّب إلهك هو العابر أمامك ناراً آكلة هو يبيدهم ويذّلهم أمامك فتطردهم وتهلكهم سريعاً كما كلّمك الرّب.".(32)

ولم يكن موسى لينسى أن يشير أنَّ الروح العدوانية ينبغي أن تستّمر وأن لا تتوقف عند حدٍّ معيّن، والعدوان المقرّر على منطقة كنعان ليس هو العدوان الأخير، بل هو مقدّمة وعلى الجماعة أن تخّطط لعدوان آخر وآخر كما وعد بذلك الرّب يهوه لكن هذا مرهون بحفظهم للوصايا والقرارات التي تؤكّد على العدوان والعزلة والتسّلط والغدر ، فنقرأ: " وإن وسّع الرّب إلهك تخومك كما حلف لآبائك وأعطاك جميع الأرض التي قال إنّه يعطي لآبائك إذا حفظت كلّ هذه الوصايا لتعملها كما أنا أوصيك اليوم لتحبّ الرّب إلهك وتسلك في طرقه كلّ الأيام فزد لنفسك أيضاً ثلاث مدنٍ على هذه الثلاث ". (33)

وأيضاً لم يكن لينسى أن يوّضح لهم كيفية العدوان وأسلوبه واستمراريته وضرورة التشدّد والجرأة نظراً لأنّ يهوه معهم دوماً ولن يترك للأعداء أيّة فرصة للتفّرد بهم والانتصار عليهم طالما أنهم متمسّكون بنزعتهم الضيّقة التي ترفض الاندماج والاختلاط والرحمة،. فنقرأ قوله: "إذا خرجت للحرب على عدوّك ورأيت خيلاً ومراكب قوم أكثر منك فلا تخف منهم لأنّ معك الرّب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر، وعندما تقربون من الحرب يتقّدم الكاهن ويخاطب الشعب ويقول لهم اسمع يا إسرائيل أنتم قربتم اليوم من الحرب على أعدائكم لا تضعف قلوبكم، لا تخافوا ولا ترتعدوا ولا ترهبوا وجوههم لأن الرّب إلهكم سائرٌ معكم لكي يحارب عنكم أعداءكم ليخّلصكم." (34)

"حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكّل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها وإذا دفعها الرّب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدِّ السيف وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة كلّ غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرّب إلهك.". (35)

هكذا أراد الكاتب التوراتي أن يؤكد لهذه المجموعة التي تخصّه أنّ الإله يهوه الذي هو إلههم الخاصّ لا يرضى أبداً بأن تتساوى الشعوب بشعبه الخاص المقّدس، ولذا كلّ الشعوب والأمم عدوة لبني إسرائيل وليس هناك من أملٍ في أن تتحول هذه العداوة إلى محبة خاصة وأنّ كافة الأمم ستغدو بمثابة العبيد لبني إسرائيل إن هادنت ورضيت بالصلح أو ستباد من الوجود إن رفضت المهادنة أي على جميع الأمم أن تكون مستعبدة ومسّخرة لخدمة بني إسرائيل أو تباد من الوجود، القريبة منها والبعيدة على السواء ، وليس هذا وحسب، بل من الضرورة إبادة الشعوب القريبة دون قيد أو شرط فنقرأ:"هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التي ليست في مدن هؤلاء الأمم هنا ، وأمّا مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرّب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما ، بل تحرّمها تحريماً، الحثيّين والأموريين والكنعانيين والغرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرّب إلهك ."(36)

لقد أراد موسى أن يغّذي في نفوس جماعته عقيدة العدوان الدائم ضد الشعوب والأمم الأخرى،"القتل، التدمير، الإبادات، القسوة، التسّلط والتوّجس". لذا كان دوماً يحذّرهم من التردّد والشفقة ويدفع بهم إلى الحرب والعدوان. وقد نجح في مسعاه وورث عنه يشوع بن نون تلك النزعة بعد أن توفي موسى وقاد الجماعة إلى مزيد من المجازر الوحشية في المدن الكنعانية الآمنة راح ضحيتها آلاف الأطفال والشيوخ والنساء والبهائم .‏ إنّ ما حضَّ عليه يشوع بن نون وما سلكه أتباعه صوّره لنا كاتب سفر يشوع على أنّه بطولات وأمجاد ومنهاج رئيسي سار عليه اليهود فيما بعد ولا يزالون حتى الآن.‏ لقد افتتح يشوع بن نون أعماله العدوانية بمجزرة في أريحا اتسمت بالوحشية فنقرأ:"وصعد الشعب إلى المدينة كلّ رجل مع وجهه وأخذوا المدينة وحرّموا كلّ ما في المدينة من رجلٍ وامرأة من طفلٍ وشيخٍ حتى الغنم والبقر والحمير بحدِّ السيف ".(37) . وهكذا فعلوا بمدينة " عاي" بعد أن أكّد يهوه ليشوع أنّه سيدفع عاي بيده حتى يفعل بها كما فعل بمدينة أريحا فنقرأ:‏ "فقال الرّب ليشوع لا تخف ولا ترتعب خذ معك جميع رجال الحرب وقم اصعد إلى عاي. أنظر قد دفعت بيدك ملك عاي وشعبه ومدينته وأرضه فتفعل بعاي وملكها كما فعلت بأريحا وملكها"(38)

نفذ يشوع خطط يهوه لمهاجمة عاي وهاجمها بخدعةٍ رسمها له يهوه وتمكن من الانتصار فنقرأ:"وضربوهم حتى لم يبق منهم شارداً ولا منفلتاً ، وأمّا ملك عاي فأمسكوه حيّاً وتقدّموا به إلى يشوع وكان لمّا انتهى إسرائيل من قتل سكان عاي في الحقل في البرّية حيث لحقوهم وسقطوا جميعاً بحدِّ السّيف حتى ظنوا أنَّ جميع إسرائيل رجع إلى عاي وضربوها بحدِّ السيف.".(39)

لقد أحرق يشوع مدينة عاي وعلّق ملكها على الخشبة إلى وقت المساء وعند غروب الشمس أمر يشوع فأنزلوا جثته عن الخشبة وطرحوها عند مدخل باب المدينة وأقاموا عليها رجمة حجارة.(40)

واستمرَّ الحضّ على العدوان والقتل والتدمير من قبل يهوه ليشوع والجماعة، وماحدث في أريحا وعاي لم يشف غليل رّب الجنود فأمر يشوع أن يضرب المدن الأخرى "أورشليم ، حبرون ، يرموت، لخيش، عجلون"حيث نقرأ:"فقال الرّب ليشوع لا تخفهم لأني بيدك قد أسلمتهم، لا يقف رجلٌ منهم بوجهك ". (41)

التزم يشوع بأوامر يهوه وبدأ في الاعتداء على هؤلاء ومحاربتهم وضربهم ضربة عظيمة كما يروي كاتب السّفر . وهرب ملوك هذه المدن "أدوني صادق ملك أورشليم، هو هام ملك حبرون، فرآم ملك يرموت، يافيع ملك لخيش، دبير ملك عجلون". واختبأوا في مغارةٍ في مدينة مقيّدة، فأمر يشوع جماعته أن يغلقوا المغارة بحجر كبير حتى يموتون وقد فعلوا ما أمر ومن ثمّ فتحوا المغارة وأخرجهم أحياء. لأنّ يشوع أراد أن يذّلهم فأمر عدد من رجاله أن يضعوا أرجلهم على أعناقهم ففعل الرجال ذلك، ثمَّ قتلهم يشوع وعلقهم على الخشب وبقوا معّلقين حتى المساء حيث أنزلوا ووضعوهم في المغارة التي اختبأوا فيها لتكون قبراً دائماً لهم. ووضعوا حجراً كبيراً على فم المغارة.(42)

وتابع يشوع عملياته العدوانية بمهاجمة مدينة مقيّدة حيث نقرأ: "وأخذ يشوع مقيّدة في ذلك اليوم وضربها بحدِّ السّيف وحرَّم ملكها هو وكل نفس بها لم يبق شارداً وفعل بملك مقيّدة كما فعل بملك أريحا" (43)

" اجتاز يشوع من مقيّدة وكلّ إسرائيل معه إلى لبنة وحارب لبنة فدفعها الرّب هي أيضاً بيد إسرائيل مع ملكها فضربها بحدِّ السّيف وكلّ نفس بها لم يبق بها شارداً وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا، ثم اجتاز يشوع وكلّ إسرائيل معه من لبنة إلى لخيش ونزل عليها وحاربها فدفع الرّب لخيش بيد إسرائيل فأخذها في اليوم وضربها بحدِّ السّيف وكلّ نفسٍٍ بها حسب كلّ ما فعل بلبنة ، حينئذٍ صعد هورام ملك جازر لإعانة لخيش وضربه يشوع مع شعبه حتى لم يبق له شارداً، ثم اجتاز يشوع وكلّ إسرائيل معه لخيش إلى عجلون فنزلوا عليها وحاربوها وأخذوها في ذلك اليوم وضربوها بحدِّ السيف وحرَّم كلّ نفسٍ بها في ذلك اليوم حسب كلّ ما فعل بلخيش، ثم صعد وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون وحاربوها وأخذوها وضربوها بحدِّ السيف مع ملكها وكلّ مدنها وكلّ نفس بها لم يبق شارداً حسب كلّ ما فعل بعجلون فحرّمها وكلّ نفس بها. ثم رجع يشوع وكلّ إسرائيل معه إلى دبير وحاربها وأخذها مع ملكها وكلّ مدنها وضربوها بحدِّ السيف وحرّموا كلّ نفسٍ بها لم يبق شارداً كما فعل بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها وكما فعل بلبنة وملكها ." (44)

واستمّر يشوع في تنفيذ خطط يهوه العدوانية فحارب ملوك "حاصور ومادون وشمرون واكشاف وغيرهم" وتمكّن من سحقهم وإبادتهم واحتلال مناطقهم وحرق مدنهم ومركباتهم لم يبق شارداً منهم . فالإله يهوه أراد ذلك وعلى يشوع أن يحضّ جماعته كما حضّه يهوه على العدوان والقتل فنقرأ:"فقال الرّب ليشوع لا تخفهم لأنّي غداً في مثل هذا الوقت أدفعهم جميعاً قتلى أمام إسرائيل فتعرقب خيلهم وتحرق مركباتهم بالنار. فجاء يشوع وجميع رجال الحرب معه عليهم عند مياه ميروم بغتةً وسقطوا عليهم. فدفعهم الرّب بيد إسرائيل فضربوهم وطردوهم إلى صيدون العظيمة وإلى مسرفوت ما يم وإلى بقعة مصفاة شرقاً. فضربوهم حتى لم يبق لهم شاردا ففعل يشوع بهم كما قال الرّب عرقب خيلهم وأحرق مركباتهم بالنّار.".(45)

"ثم رجع يشوع في ذلك الوقت وأخذ حاصور وضرب ملكها بالسيف لأنّ حاصور كانت قبلاً رأس جميع تلك الممالك . وضربوا كلّ نفس بها بحدِّ السّيف حرّموهم ولم تبق نسمة وأحرق حاصور بالنّار" (46)

وهنا يحضرني هذا السؤال: من هو بطل التوراة؟.. أهو موسى أم يشوع أم يهوه؟.. إنّ بن غوريون في الخمسينات من هذا القرن كان يرى أن يشوع بطل التوراة . أمّا التوراة نفسها فيروي لنا بوضوح أنّ البطل الحقيقي هو الإله يهوه، وهو ما نستشفه في كل النصوص التوراتية . فهو الذي يخطط ويحضّ ويوجه ومن ثم ينّفذ بواسطة موسى أو يشوع. فالبطولات الحقيقية كانت ليهوه والآخرون عبارة عن دمى تتحرك كما يريد يهوه.(47)

إنّ يهوه هو المحارب الحقيقي وهو الذي دمّر وأباد وحرق وهو الذي حضّ على العدوان وافترض أنّ جميع الشعوب والأمم أعداء بني إسرائيل ، ولم يكن موسى إلا أداة نفّذ من خلالها يهوه أعماله العدوانية التي مرّت معنا. ولّما مات موسى تسّلم يشوع هذه المهّمة وكان بارعاً في التنفيذ، وعندما حضرته الوفاة أشار للجماعة عن رغبات ومواقف يهوه وما فعله طيلة هذه الأيام التي مرّت منذ الخروج من مصر مؤكداً على أنّ يهوه هو الذي كان يحارب عنهم وهو الذي كان يبيد الشعوب والأمم . فنقرأ :"فدعا يشوع جميع إسرائيل وشيوخه ورؤساءه وقضاته وعرفاءه وقال لهم أنا قد شخت تقدّمت فيَّ الأيام وأنتم قد رأيتم كلّ ما عمل الرّب إلهكم بجميع أولئك الشعوب من أجلكم لأن الرب إلهكم هو المحارب عنكم . انظروا قد قسّمت لكم بالقرعة هؤلاء الشعوب الباقين ملكاً حسب أسباطكم من الأردّن وجميع الشعوب التي قرضتها والبحر العظيم نحو غروب الشمس . والرّب إلهكم هو ينفيهم من أمامكم ويطردهم من قدامكم فتملكون أرضهم كما كلمكم الرّب إلهكم فتشددوا جداً".(48)

بعد موت يشوع استّمرت العمليات العدوانية الوحشية على يد القضاة كما يّسميهم كاتب سفر القضاة ، فقد تشرّب بنو إسرائيل الروح العدوانية تماماً وغدت الأعمال العدوانية العسكرية غاية بالنسبة إليهم . لكّنها في عصر القضاة اختلفت بعض الشيء نظراً لأنّ كلّ سبطٍ سكن في منطقةٍ فلم تعد هناك وحدة تربطهم وصار لكلّ سبط رئيساً أو قاضياً كما يسّميه كاتب السفر.. وكان على كلّ سبط أن يسعى للحصول على المنطقة التي حدّدت له من قبل يشوع قبل وفاته وقد وزّعت الحصص بالقرعة كما يرد في سفر يشوع. (49)

في سفر القضاة الإصحاح الأول نقرأ:"وكان بعد موت يشوع أنّ بني إسرائيل سألوا الرّب قائلين من مّنا يصعد إلى الكنعانيين أولاً لمحاربتهم فقال الرّب يهوذا يصعد يهوذا قد دفعت الأرض ليده. فقال يهوذا لشمعون أخيه اصعد معي في قرعتي لكي نحارب الكنعانيين فأصعد أنا أيضاً معك في قرعتك. فذهب شمعون معه فصعد يهوذا ودفع الرّب الكنعانيين والغرزّيين بيدهم فضربوا منهم في بازق عشرة آلاف رجل." (50)

وعلى الرغم من أنّ بني إسرائيل لم يتمكنوا من فرض سيطرتهم على المنطقة كما أراد يهوه وتفرقوا في عدة مناطق بين أكثرية كنعانية . لم يتخّلوا عن الروح العدوانية التي تربوا عليها ونمت مع نموهم. كان لابدَّ أن يقوموا بأعمال عدوانية عسكرية ضد الآمنين من سكان المنطقة. وقد أخذت هذه الأعمال العدوانية طابع العصابات المجرمة الخارجة على القانون . وكانت تستخدم الحيلة والغدر من أجل تنفيذ العدوان وقتل الأبرياء. ودوماً كان رئيس هذه العصابات قاضٍياً كما يسّميه كاتب سفر القضاة ، ووراءه كاهن يحضّه على العدوان مشيراً إلى أنّ هذا الأمر من قبل يهوه ومن الضروري الالتزام بأوامر وقرارات يهوه.‏

فقد كانت النسبة الكبرى من هؤلاء القادمين من الصحراء قد ذابت فى المجتمع الكنعاني الحضاري وتركت يهوه لصالح آلهة الكنعانيين. وهذا ما أغاظ الكهنة أصحاب المصلحة في البقاء على يهوه وقرابين يهوه وتقدماته. فكان لابدَّ من استخدام المتمرّدين واللصوص لخلق جو مشحون بالتوتر والرّعب في نفوس الصّحراويين وذلك عن طريق التأكيد على أنَّ يهوه غاضبٌ من سلوكهم وتركهم إيّاه . ولا يمكن أن يكونوا في مأمن . إلاّ إذا تخلّوا عن آلهة الكنعانيين وانعزلوا عن المجتمع الكنعاني وقدّموا القرابين والتقدمات ليهوه.‏

إنّ كاتب سفر القضاة يصّور لنا الأحداث تصويراً مسرّحياً ، ففي كلّ إصحاح بشكل عام نجد أنّ بني إسرائيل يعملون الشّر في عيني الرّب ويعبدون آلهة الكنعانيين فيدفعهم الرّب بأيدي ناهبين ويبعهم لأعدائهم ويسّلط هؤلاء الأعداء عليهم. وبعد سنوات يصرخ بنو إسرائيل إلى الرّب ويستنجدونه فيقيم لهم مخلصاً بعد أن رأف بحالتهم ويخلصهم من أعدائهم ، والطريقة التي يخلصهم فيها من أعدائهم لا تخلوا من الغدر والخيانة والخدعة والقتل ... إلخ. وبعد فترة يعاودون الكرّة ويعملون الشّر في عينّي الرّب فيغضب ويسّلط عليهم الأعداء مدة ثم يصرخون فيرسل لهم مخلصاً يخلصهم. فنقرأ : "وفعل بنو إسرائيل الشرّ في عينّي الرّب وعبدوا البعليم وتركوا الرّب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها وأغاظوا الرّب. تركوا الرّب وعبدوا البعل وعشتاروت فحمي غضب الرّب على إسرائيل فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم وباعهم بيد أعدائهم حولهم ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم . حيثما خرجوا كانت يد الرّب عليهم للشر كما تكلم الرّب وكما أقسم الرّب لهم فضاق بهم الأمر جداً. وأقام الرّب قضاةً فخلصوهم من يد ناهبيهم. ولقضاتهم أيضاً لم يسمعوا بل زنوا وراء آلهةٍ أخرى وسجدوا لها . حادوا سريعاً عن الطريق التي سار بها آباؤهم لسمع وصايا الرّب . لم يفعلوا هكذا . وحينما أقام لهم الرّب قضاةً كان الرّب مع القاضي وخلصهم من يد أعدائهم كلّ أيام القاضي لأنّ الرّب ندم من أجل أنينهم بسبب مضايقيهم وزاحميهم وعند موت القاضي كانوا يرجعون ويفسدون أكثر من آبائهم بالذهاب وراء آلهة أخرى ليعبدوها ويسجدوا لها.(51)

أمّا القضاة الذين أقامهم الرّب ليخلصوا بني إسرائيل فقد كان أكثرهم من المتمردين وقاطعي الطرق واللصوص الخارجين على القانون يتبعهم ثلة من العاطلين في المنطقة .. وكان أوّل هؤلاء القضاة "غينيئيل بن قناز" وجماعته وقتها كانت تحت سلطة الملك "كوشان رشعتايم" ملك آرام النهرين. فنقرأ :" فعبد بنو إسرائيل كوشان رشعتايم ثماني سنوات وصرخ بنو إسرائيل إلى الرّب فأقام الرّب مخلصاً لبني إسرائيل فخلصهم، غينئيل بن قناز أخا كالب الأصغر. فكان عليه روح الرّب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب . فدفع الرّب ليده كوشان رشعتايم ملك آرام واعتزّت يده على كوشان رشعتايم . واستراحت الأرض أربعين سنة ومات غينئيل بن قناز".(52)

وكان المخلص الثاني أو القاضي "إهود بن جيرا" البنياميني الذي كان محترفاً الغدر والقتل، وقد أقامه يهوه ليخلص الإسرائيليين من تسّلط عجلون ملك موآب. وتمكّن إهود من إنق