|
لن ننسى
(5)
اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك
48 و آلام اللجوء

«كنا متشبثين
بأراضينا و بقريتنا التي عشنا فيها ، و إننا لنفخر و نعتز بأن اليهود
لم يُهانوا في موقعة كما أُهينوا في معاركهم جميعها على أرض "لوبية"
... إذ بقي قتلاهم على أرضنا و لم يجرؤوا على استعادة أي جثةٍ منهم
..» .. بهذه العبارة و بهذا الحماس الشديد يبدأ نظمي خليل عثمان "أبو
خليل " المولود عام 1929م من لوبية حديثه عن ذكريات الأيام الأخيرة
من حياته في فلسطين .. لدى زيارتنا له في مكان إقامته بمخيم حمص
للاجئين الفلسطينيين .. و أضاف :
كنا قرويين ،
و بدأنا نهيئ أنفسنا لمواجهة اليهود منذ عام 1947م ، لأننا أصحاب أرض
و حق و لن نسمح لليهود أن يأخذوا أراضينا منا .. فكنّا نشتري الأسلحة
من أموالنا الخاصة و نبيع كلّ ما نملك في سبيل شراء الأسلحة التي
كانت مقتصرة على البنادق .. و كان ثمنها آنذاك باهظاً جداً ، لكن
شعبنا الفلسطيني آنذاك كان غير منظم أو مهيأ ، و كان ينقصنا التنظيم
بكلّ أشكاله حتى الشكل السياسي منه ، و رغم ذلك كانت القرى
الفلسطينية تفزع و تهب لنصرة القرى الأخرى التي تتعرّض لهجوم من
اليهود و البريطانيين ، و كان هذا شرف عظيم لكل الفلسطينيين .
المقاطعة الفلسطينية لليهود قبل النكبة :
لقد قمنا
بواجبنا على أكمل وجه ، و لم نكن مقصّرين على الإطلاق في واجبنا
الوطني . أما لماذا حصل معنا كلّ هذا و لماذا خرجنا ؟؟ فهذا أمرٌ
خارج عن إرادتنا و سيطرتنا ، حيث انهالت علينا المؤامرات بدءًا من
بريطانيا التي كانت منتدبة علينا آنذاك و كان وعد بلفور منطلقاً
أساسياً لعملها ، و بدأت تعدّ لتنفيذه .. أما اليهود فأؤكد لكم أنهم
لم يشتروا من الفلسطينيين أي قطعة من الأرض ، فالأراضي الفلسطينية
التي سيطروا عليها ، حصلوا عليها من بقايا الاحتلال العثماني ، أما
الفلسطينيون فلم يبيعوا أيّ شبرٍ لليهود ، بل على العكس فقد كان
الشعب الفلسطيني آنذاك يطبّق سياسة مقاطعة اليهود في كلّ المجالات ..
لا سيما في البيع و الشراء ، و كان «الكف الأسود» يقف في وجه كلّ من
تسوّل له نفسه التعامل مع اليهود ، و هنا أودّ أن أسوق لكم حادثةً
جرت مع صديقي "أبو تيسير" في طبريا ، فقد اشترى أبو تيسير (من قرية
الشجرة) قميصاً من دكان في طبريا يملكه أحد أبناء قريته و دفع ثمنه
جنيهاً فلسطينياً واحداً ، و بعد يومين و أثناء تجوّله في "طبيا" وجد
القميص ذاته في واجهة دكان آخر و قد علق عليه سعر (نصف جنيه فلسطيني)
، تعجب أبو تيسير ، و دخل الدكان ليتأكّد من السعر فوجده صحيحاً ،
عندها قرر شراء القميص ، و بعد أن دفع ثمنه و همّ بمغادرة الدكان قال
له البائع بلهجةٍ غير التي حدّثه بها قبل شرائه القميص : « طول بالك
خبيبي .. انتظر ..» عندها عرف أبو تيسير أن البائع يهودي ، و لكنه
كان قد دفع الثمن و أخذ القميص ، فنظر إلى البائع فوجده ينظر من باب
دكانه إلى الشارع يمنةً و يسرة ثم التفت البائع نحوه و قال : "أخرج
الآن بسرعة ، لا يوجد أحد في الشارع" ... !!
لقد فعل
البائع ذلك خوفاً أن يرى أحد الفلسطينيين أبو تيسير يخرج من الدكان
اليهودي ، لأن الفلسطينيين كانوا يقاطعون اليهود و كانوا يعاقبون كلّ
من يتعامل معهم من الفلسطينيين ... أما أبو تيسير فذهل لمعرفته أن
البائع يهودي و حمد الله على سلامته من العقاب ..
و يتابع أبو
خليل : "تصوّروا أن هذا على مستوى شراء قميص ، فما بالكم ببيع الأرض
.. لقد كان ذلك مستحيلاً ، و أؤكد لكم أن اليهود لم يشتروا أرضاً من
أيّ فلسطيني ، فالعقاب طال السماسرة أيضاً ، و كان (الكف الأسود)
يقتل كلّ سمسار يسعى لإقناع الفلسطيني ببيع أرضه لليهودي .. لقد كنا
مضرب المثل في الوطنية و لا نسمح لأحدٍ أن يزاود علينا أو أن يتهمنا
ببيع أراضينا لليهود" .
نجدة القرى بعضها البعض :
لما هاجم
اليهود الناصرة و القرى الصغيرة حوّلها ذات الاستعداد غير الكافي ،
خرجنا في "باصٍ" كامل لنجدة الناصرة ، و كان هذا واجباً على أيّ قرية
تعلم أن جارتها في خطر ..، و لما اقتربنا صرنا نلقي بأنفسنا من
شبابيك "الباصات" بمعنوياتٍ عالية جداً للإسراع في الهجوم و المباغتة
، لكن للأسف كان اليهود قد أحكموا سيطرتهم عليها و على "صفوري" و
احتلوا كلّ المناطق الاستراتيجية ، و تحصّنوا فيها ، فعدنا أدراجنا
سيراً على الأقدام ، و أثناء عودتنا مررنا بعددٍ من القرى الفلسطينية
فوجدنا بعضها خالٍ من أهلها ، و البعض الآخر يستعد أهلها للرحيل ، إذ
سقطت الجهة الشرقية كلها بيد العصابات اليهودية . لذا و لما وصلت إلى
بلدتنا لوبية طلبت من والدتي مغادرة البلدة و البقاء خارجها مع بقية
النساء و الأطفال و الشيوخ ، أما نحن الشباب فبقينا في لوبية نقاتل
اليهود .
معارك لوبية :
أساء أهل
بلدتنا كثيراً لليهود ، و كان اليهود متحاملين جداً على أهل بلدنا ،
و أقولها بكلّ فخر أن اليهود لم يخسروا معارك في فلسطين كما خسروا في
لوبية .
المعركة
الأولى : في أول معركة خرج "باصان" لليهود من مستعمرة الشجرة ، و
مرّوا بالطريق الموازي لقريتنا ، فأمطرناهم بالرصاص على "الجنبين" ،
و خسروا عدداً كبيراً من عناصرهم .
المعركة
الثانية : أعدّوا لمقاتلتنا جيشاً بالآلاف ، حتى أنني تخيّلت أنهم لم
يتركوا أيّ مسلح صهيوني في فلسطين إلاّ و أحضروه معهم ، فواجهناهم و
اشتبكنا معهم بكلّ قوةٍ و صلابة و غنمنا منهم مصفحات و سيارات ، و ما
زالت تلك الغنائم موجودة حتى هذه اللحظة في متحف سورية و مكتوب عليها
«هدية من أهالي لوبية إلى فوزي القاوقجي» ، لكن جيش الإنقاذ لم يشارك
معنا في المعارك نهائياً ، لم يكن لجيش الإنقاذ أي دور فعّال في
قضيتنا ، و أنا أقولها بكلّ صراحة كان جيش الإنقاذ عبارة عن مؤامرة
على قضيتنا بالتعاون مع من أسس لذلك من العرب ، لقد تعرّض شعبنا
الفلسطيني لمؤامرتين من بريطانيا و من العرب .
المعركة
الأخيرة : بعدها خضنا عدداً من المعارك ضد اليهود ، و كان آخرها
المعركة التي طوّق اليهود فيها قريتنا من الشمال و الجنوب و شنوا
ضدنا هجوماً مزدوجاً من الشمال و الجنوب بالمدافع و المصفحات ، أما
نحن فلم يكن لدينا سوى البنادق .. و كانت تلك آخر معركة خضناها ، و
اضطررنا نتيجتها إلى الانسحاب من قريتنا و الرحيل عنها .. إذ كانت
القوة التي تحاربنا أكبر بكثير من الناحية العسكرية منا ، و معداتها
أحدث و أكثر و متعدّدة .
معاناة اللجوء .. و انتزاع الحياة :
وصلنا إلى
هنا بسبب التآمر البريطاني الذي وجد مناخاً مناسباً من قبل الدول
العربية التي تعاونت معه ، إذ لم يفكّر جيش الإنقاذ بإنقاذنا أو
القتال معنا و تحرير أرضنا و وطننا ، على العكس تماماً إذ سرعان ما
اقتسمت الدول العربية أرضنا أمام أعيننا و حرمونا منها قبل أن يحرمنا
اليهود منها .. و لم نقوَ على فعل شيء حيال ذلك .
قدمنا إلى
سورية التي كانت مستقلة حديثاً ، و استقبلنا شعبها بكلّ كرم و إخاء و
لم يقصّروا معنا على الإطلاق ، رغم فقر الغالبية منهم ، أما نحن
فعشنا حياةً صعبة جداً ، سكنّا العرش (بيوت سقفها من قش و سعف ..) ،
و سكنّا الشوادر و الخيام ، و ذقنا معاناة لم يعشْها أحد من قبل .. و
كنا نذهب في الليل إلى مدرسة كانت الأنروا قد استأجرتها للتعليم
نهاراً ، كي ندرس على ضوء اللمبة هناك ، إذ لم يكن في العرش و الخيام
إنارة ..
بالنسبة لي
عملت موظفاً إدارياً في وكالة الغوث عام 1954 ، و التحقت بالجامعة
السورية و درست الحقوق ، و الحمد لله استطعت تعليم أولادي جميعهم ، و
اليوم يعمل أحد أبنائي أستاذاً في إحدى الجامعات السورية و نال درجة
الدكتوراه ، و ابن آخر حاصل على دبلوم في الفيزياء و الكيمياء ، و
ابنتي حاصلة على دبلوم في الرياضيات .. و الحمد لله استطعت أن أؤسّس
لهم ما يستندون إليه و يعينهم في حياتهم رغم كلّ ما عشته و قاسيته في
الماضي ، و الحمد لله الشعب الفلسطيني الذي تشرّد و عانى اللجوء
استطاع أن ينتزع الحياة من قلب المعاناة التي عاشها .
نواحٍ من المؤامرة البريطانية العربية :
و يشير العم
أبو خليل إلى بعض نواحي المؤامرة التي حيكت على شعبنا الفلسطيني
قائلاً : "كنا نقاتل عدداً محدوداً من اليهود في فلسطين قبل النكبة ،
و لكن و بعد خروجنا القسري من فلسطين ، و للأسف الشديد فتحت الدول
العربية حدودها أمام يهود و سمحت لهم بالرحيل إلى فلسطين ، و بالتالي
ساهمت بشكلٍ كبير في زيادة أعدادهم في فلسطين و زادت من معاناة من
بقيَ منّا في الوطن .. فدعموا اليهود و أضعفونا نحن .. و اليوم تستمر
المؤامرة العالمية العربية علينا ، ففي آخر قمة عربية رفع أشقاؤنا
العرب شعار الصلح و التطبيع مع الكيان الصهيوني فكانت قمتهم قمة
استسلامية محضة ، لم يرَ فيها العدو غير ضعف العرب و استسلامهم الذي
دفعهم إلى مثل هذا الشعار ، و بالتالي لم يعد يخشى أيّ شيء .. و زاد
في ظلمه لشعبنا إذ تيقّن بعدم وجود أيّ دعمٍ عربي للشعب الفلسطيني" .
من جهةٍ
ثانية استذكر أبو خليل حرب 1967م و عاد بذكرياته إلى الهزيمة العربية
آنذاك : "كان قائد أركان الجيش الأردني آنذاك مشهور الحديثي ، و قال
في مقابلة أجريت معه عام 67م ، (لقد قتلنا من الصهاينة 120 جندياً)،
و لما سمعنا ما ذكره ، صرخ أحد أهالي الشجرة قائلاً : يكفيكم فخراً
يا أهالي لوبية أنكم قتلتم من اليهود في معركة واحدة أكثر مما قتلت
ثلاثة جيوش عربية في عام 67م" .
العودة بعد 55 عاماً :
في الواقع
عندما أنظر إلى أهلنا في فلسطين أشعر بالتقدير و الفخر و الاعتزاز ،
و أحمد الله أننا لا نزال واقفين على أقدامنا ثابتين في أرضنا ، في
حين هناك دول عربية عديدة بجيوش غفيرة و كبيرة لم تستطع أن تقدّم ما
قدّمه الشعب الفلسطيني ... الحمد لله أننا نرعب العدو الصهيوني بأقل
الإمكانيات ، في حين لا يرى ذلك العدو العالم كله .. و لا يحسب له
حساباً .
لقد أقرّت الأمم
المتحدة بحقّنا في العودة إلى وطننا ، و نحن نحمد الله على أننا
استطعنا الوقوف في وجه الفقر و الذل و الجهل و بقينا أقوياء متمسكين
بحقوقنا جميعها و في مقدّمتها حقّنا في العودة إلى بلادنا و وطننا
الذي لا نرضى أيّ بديلٍ عنه في العالم كله مهما كان .. و لا نرضى
بعودة قسم و بقاء القسم الآخر خارج فلسطين ، إننا نريد عودة الكل إلى
الكل، عودة جميع الفلسطينيين إلى جميع و كامل فلسطين .
|