|
القضية الفلسطينية فوق رقعة شطرنج
بقلم: د. محمد
قدري سعيد
صحيفة الأهرام
27/4/2005
يجتهد مقال
اليوم، من وجهة نظر كاتبه، في تحليل جوانب مهمة في الوضع الراهن
للقضية الفلسطينية. وهو يناقش نقاط الاتفاق ونقاط التعارض في
الموقفين الأمريكي والإسرائيلي. ويبحث في اتجاهات اللاعبين الأربعة
- حسب رأيه - من مستقبل القضية الفلسطينية في إطار التحولات الجارية
بالمنطقة.
بعد مرور سنة
كاملة من لقائهما السابق في أبريل 2004، ذهب شارون لمقابلة بوش في
مزرعته الخاصة بتكساس. بين اللقاءين كانت قد تغيرت أمور كثيرة في
الشرق الأوسط وفي العالم. وعلى رأسها إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي
لفترة رئاسة ثانية. بالنسبة لبوش كان فوزه بمثابة تفويض جديد له من
الشعب الأمريكي بالاستمرار في العمل وفقاً للاستراتيجية التي وضعها
بعد أحداث11 سبتمبر وما نتج عنها من حروب ضد أفغانستان والعراق.
وقد اعتمد بوش في فوزه الثاني على تأييد اليمين الأمريكي المسيحي
المحافظ الموالي لإسرائيل، والذي خرجت أعداد منه أثناء زيارة شارون
للتعبير عن حق "إسرائيل" في الاستيطان واتخاذ القدس عاصمة أبدية
لها. وبرغم هذه التظاهرات المؤيدة لإسرائيل فقد غلب على الزيارة
بعض مظاهر الخلاف العلني بين الإدارة الأمريكية وشارون، فيما يتصل
بالمستوطنات ومحاولات توسيعها. وأيضاً بسبب موقف حكومة شارون من
محمود عباس (أبو مازن) وإحجامها عن دعمه بتنفيذ تفاهمات شرم
الشيخ. وقد طفا على السطح خلافات أخرى حول قيام "إسرائيل" ببيع
وتسريب تكنولوجيا عسكرية أمريكية متقدمة إلى الصين وبشكل متكرر أثار
القلق الأمريكي.
وتقليدياً
يعمل الرئيس الأمريكي خلال فترة رئاسته الأولى للفوز برئاسة ثانية.
وعادة ما يكون خلال الأولى أكثر استجابة للضغوط والمطالب
الإسرائيلية. أما خلال رئاسته الثانية فتكون عينه على حجز مكان له
في التاريخ. وهو أمر يتعدى كثيراً هدف إرضاء "إسرائيل" إلى دعم
مكانة الولايات المتحدة في العالم وسيادة قيمها وتحقيق مصالحها
الكبرى. وفي هذه الحالة يكون الدور على "إسرائيل" في التكيف مع
الأهداف الأمريكية وتقديم الخدمات لتحقيقها وليس العكس. وهو الدور
نفسه الذي لعبته "إسرائيل" من قبل مع القوى العظمى مثل بريطانيا
وفرنسا في أثناء الحقبة الاستعمارية. وهذا المنطق يفسر الظروف التي
أحاطت بموقف أمريكا من حرب السويس، وجهودها من أجل تحقيق السلام بين
مصر و"إسرائيل"، والانسحاب الإسرائيلي من سيناء، وموقفها من قضية
طابا، ومنحها مصر أكبر معونة عسكرية ومدنية بعد "إسرائيل". وأيضاً
في حجبها أثناء رئاسة بوش الأب لضمانات قروض أمريكية كانت "إسرائيل"
تستخدمها في بناء المستوطنات. ولعل ما حدث في أثناء زيارة شارون
الأخيرة من خلاف يمثل حالة أخرى من أعراض التعارض بين الاستراتيجية
الأمريكية على مستوى الشرق الأوسط والعالم، وبين الأهداف
الإسرائيلية الذاتية والقائمة في الأساس - وبالتحديد خلال إدارة
شارون - على قضم أكبر رقعة من الأرض الفلسطينية.
ومن غير شك
كان لأحداث11 سبتمبر دور حاسم في تحديد مهمة الرئيس بوش ودوره
(التاريخي) في موضوع واحد محدد وهو القضاء على الإرهاب الدولي
الذي تعرضت الولايات المتحدة لهجومه الصاعق مع بداية فترة رئاسته
الأولى. وقد ارتبط بهذه المهمة واجب نشر الديمقراطية في الشرق
الأوسط وتحقيق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي داخل دوله. كما ارتبط
أيضاً بالمهمة نفسها ضرورة حل المشكلة الفلسطينية التي ظلت حاضرة في
الوعي العام برغم حدوث حربين متتاليتين في أفغانستان والعراق. ومن
أجل ذلك حرص بوش على الإعلان لأول مرة عن التزام إدارته بإقامة دولة
فلسطينية تعيش في سلام جنباً إلى جنب مع "إسرائيل". وكذلك إعلان
بلير عن التزام حكومته بالوصول إلى حل لهذه القضية المزمنة. وأيضاً
بادر الاتحاد الأوروبي بوضع الصراع العربي - الإسرائيلي على قمة
أولوياته المستقبلية. وكذلك روسيا، بل وصار لمعظم الدول الكبرى
ممثلون شخصيون على مستوى عال في الشرق الأوسط بما في ذلك الهند
والصين.
وبالتوازي مع
ذلك كان هناك تغير مهم حدث وتراكم بالنسبة للقضية الفلسطينية خلال
الخمسة عشر عاماً الماضية. وهو بروز نوع من التوازن بين عقدة الذنب
الغربية تجاه اليهود وعقدتهم أيضاً تجاه الفلسطينيين. حدث ذلك على
مستوى الحكومات وأكثر منه تحقق على مستوى الشعوب خلال السنوات
القليلة الماضية. وفي الحالتين اليهودية والفلسطينية تحولت عقدتا
الذنب مع مرور الوقت إلى مشروعين كبيرين يعملان من خلال أدوات سياسية
ودعائية متنوعة نجحت في بقائهما حيين داخل الضمير العام لأكثر من نصف
قرن ودون انحسار. وهذا يفسر في الحقيقة انغماس الإدارات الأمريكية
المتلاحقة في محاولات لحل النزاع، وعدد جوائز نوبل التي منحت خلال
سعي القادة من الجانبين لتحقيق السلام. وبرغم محاولات الإسرائيليين
المستميتة لفك الارتباط بين أسباب الإرهاب والقضية الفلسطينية، إلا
أن حصاد السنوات الماضية قد أكد لقطاع واسع من الدول والشعوب الغربية
أنه من الصعب محاربة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في المنطقة دون حل
القضية الفلسطينية.
عندما سافر
شارون إلي الولايات المتحدة كان يعرف أن وقت دفع الاستحقاقات قد
حان. فقد مات عرفات، وبفضل الجهود المصرية المدعومة من واشنطن
جنحت الفصائل الفلسطينية إلى الهدوء. فضلاً عن أن الرجل قبض مقدماً
من بوش خلال زيارته الأولى وعوداً سخية تضمن لإسرائيل عدم الانسحاب
إلي حدود 1967. ومن الواضح أن شارون، ومعه سدنة اليمين الإسرائيلي
المتطرف، كان يراهن على فرضية أن غزو الولايات المتحدة للعراق سوف
يعقبه حروب أخرى في المنطقة ضد إيران وسوريا وربما أيضاً ضد السعودية
وليبيا والسودان. وهو ما حرض عليه شارون بإلحاح بعد أسابيع قليلة
من الغزو الأمريكي للعراق. وتمثل تلك السياسة امتداداً لسياسته
الهادفة إلى تفكيك البنية الأساسية للمقاومة الفلسطينية ولكن على
المستوى الإقليمي.
وقد حرص
شارون أثناء لقائه الأخير مع بوش على استخدام النظرية نفسها. فعاود
تحريضه ضد إيران، وهاجم أبو مازن ونعته بعدم القدرة على تفكيك
البنية الأساسية للمقاومة. وفي الحالتين لم يستجب بوش لمراوغات
شارون. وقد ساعده على ذلك أن ما تحقق حتى الآن في أفغانستان
والعراق ولبنان وليبيا واليمن وفي مصر والسعودية وفي الشمال
الإفريقي، يمثل نجاحا مقبولاً للاستراتيجية الأمريكية في تغيير
المنطقة على مراحل دون حاجة إلى مزيد من الحروب. ومعظم الدراسات
الإسرائيلية التي سبقت الحرب على العراق كانت تتوجس من أن الحرب إذا
لم تتطور إلى حروب ضد دول أخرى، سوف تؤدي في النهاية إلى مطالبة
"إسرائيل" باستحقاقات تتصل بالأرض، خاصة أن الدور العربي في هذه
الحرب من الناحية الفعلية، مقارنة بـ"إسرائيل"، لا يمكن تجاهله.
وهو السيناريو نفسه الذي حدث بعد حرب الخليج 1991 حيث تلاها مباشرة
مؤتمر مدريد وأوسلو والاعتراف بمنظمة التحرير وعودة عرفات لأول مرة
إلى الأرض الفلسطينية وإقامة سلطته عليها.
سوف يتحدد
مصير القضية الفلسطينية بعد عودة شارون من أمريكا فوق رقعة شطرنج
يجلس حولها أكثر من لاعبين اثنين كما هو معتاد.
اللاعب الأول
هو الولايات المتحدة وباقي أطراف المجتمع الدولي المساندين لها
والذين يعطون لمشروع التحول والتغيير في الشرق الأوسط أولوية على
غيره من الأمور. ويرون في إرساء حل للقضية الفلسطينية ضرورة لتحقيق
هذا الهدف ومعه هدف القضاء على الإرهاب.
واللاعب
الثاني يتمثل في دول الإقليم وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية ومعها
قوى السلطة الفلسطينية المؤمنة بعملية السلام. وهذه الدول تتولى
دوراً عملياً على الأرض لإيجاد قوة دفع إلى الأمام من خلال التأثير
على الفصائل الفلسطينية وإعادة بناء البنية الأمنية الفلسطينية. مع
إعطاء جرعات تطبيع مضبوطة على مقاس الداخل الإسرائيلي وأيضاً الداخل
العربي، بما يساعد على إشاعة مناخ من الثقة وجذب مزيد من المؤيدين
لخطط الانسحاب من الإسرائيليين. ويتولى هذا الجانب أيضاً مهمة منع
الانفجارات الإقليمية الناتجة عن ضغوط الإصلاح. ويمنع تحولها إلى
حرائق يصعب إطفاؤها وهو ما حدث مع الشأن السوري واللبناني وأيضا
الشأن السوداني. مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الدول نفسها تمر في
الوقت نفسه بتحولات مماثلة.
اللاعب
الثالث هو اليمين الإسرائيلي الديني المتطرف. وهو يختلف عن اليمين
العلماني في أنه نجح في توسيع الاستيطان العشوائي. وفي التأثير على
التعليم والخدمة في الجيش. وفي بناء وترسيخ مفهوم معنوي وقيمي يبيح
الاستيلاء على كل الأرض الفلسطينية. كما أنه يفتقد أي رؤية إقليمية
كالتي دعا إليها من قبل شيمون بيريز. بل يرى في "إسرائيل" جزءاً من
الغرب وليس الشرق الأوسط. ويقف هذا اليمين بضراوة ضد خطة شارون
للانسحاب من غزة إلى حد التهديد بنشوب حرب أهلية أو حدوث انقلاب
عسكري بواسطة الجيش. كما يرى أن مجرد الانسحاب من المستوطنات يسجل
سابقة تطيح بالشرعية الدينية والسياسية لفكرة الاستيطان.
أما اللاعب
الرابع فهو معسكر التطرف العربي والإسلامي. وتمثل له القضية
الفلسطينية بالإضافة إلى جوهرها الديني المقدس زاداً لا ينضب للتعبئة
داخل الدول العربية. ويخوض هذا التيار معركته بالسلاح على امتداد
مواجهة واسعة وسط مناخ مازال حاضناً له بفضل ما يجري في العراق
وفلسطين وبتأثير عوامل اقتصادية واجتماعية متشابكة. وأخطر ما يهدد
هذا المعسكر ما يجري من تحولات جنينية داخل التنظيمات الإسلامية في
الأرض المحتلة وخارجها، في اتجاه التحول نحو العمل السياسي ونبذ
العنف من منطلق براجماتي يقوم على قراءة مختلفة للواقع الجديد. ومن
الواضح أن في مقدور اللاعبين الأول والثاني حسم المباراة لصالحهما،
إذا أحسنا التنسيق بينهما وأخذ كل طرف ظروف الطرف الآخر ومصالحه في
الاعتبار.
(كاتب هذا
المقال، المستشار العسكري والتكنولوجي لمركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية بالأهرام).
|