|
مع الاعتذار :
البانوراما الفلسطينية مخضبة بالمشاهد الجهادية ، زاخرة
بالأحداث ، تنبع بالحياة في كل حين ، اليوم ونحن نُقلِّب
ذكرى بعض الأحداث في خريطة المقاومة ، ونتذكر جرحا في قانا ،
لا ننسى أبطال فلسطين خلف بوابات الصمود ، شموس فلسطين التي
لا تغيب ، وإذا كان عزاؤنا في شيء فلأن التحية تجدر أن نفرد
لها سطوراً أكثر وصفحات أوسع لعلنا نقدم لهم شيئا من واجبهم
على الأمة ، ولهم وجب الاعتذار .
صور
متقاطعة :
نثروا مجموعةً من الصُّور على طاولتي ، تجمعوا وهم يسألون
بشيء من التحدي والمرارة ، وأنا بدوري أخذتني الدهشة وأنا
أحدق معهم . كانت صوراً لمجموعة من المجازر ، وأخرى لمسيرات
تأبين الشهداء ، مجموعة ثالثة كانت لأطفال يرمون بالحجارة
على دوريات عسكرية صهيونية ،هذه مجزرة قانا وتلك مذبحة
الأقصى وأخرى لمجزرة الحرم الإبراهيمي حتى بغداد الرشيد كان
لها من " النزف " نصيب مسيرات تأبين الشهداء متشابهة في
الشكل والمضمون وإن تغيرت الجغرافيا بل بعضها يحمل الشكل
تماما في بلاد عربية ، والأمر يُعيد نفسه مع صور الأطفال
الأبطال وهم يرجمون الصهاينة بحجارة من سجيل …
سألني أحد الأصدقاء مُندهشاً : أليس الأمر يثير في النفس
الشجون والحيرة والدهشة ..
أجبته : بلى ..وربما أثار الكبرياء أيضا ..كيف لا ونحن نرى
لوحات المجد ترسم وجه الوطن بالدماء ..ألما وأملا.
قانا
وأخواتها :
في
مرآة الذاكرة ، وعبر أنوار العيون التي تُحدِّق في نزيف
الحُلم المقدسي ..عبر هديرٍ من الغضب وصمتٍ يمزِّقُ السُّكون
في الأعماق …عبر جرحٍ يمضي وآخر
يجيء ..عبر آهٍ تخرجُ من رحم الوجع ، وأخرى تُولدُ مع
الثَّباتْ .
تعود
ذكرى " قانا " هذه الأيام ، وخريطة الدماء تمتد عبر تضاريس
القصائد العربية ، توقظُ المتنبي في أرض الرافدين ، وتستنهض
شوقي في كنانة النيل ، تبحث عن شبيه بأبي القاسم الشابي في
تونس الخضراء تلك التي لونت قصائدنا بالإباء في عهد شاعرها
العتيد . عبر الشام والجزيرة واليمن نرى رايات الشعراء ترفرف
، وتلهج قوافيهم باللهب الذي يغلي في الصدور .
قانا
تعودُ في مرآة القلوب ، وفي شرايين ممتدة تنزف وتنزف ولذا لا
تعجب إن عدت أقرأ عليك قصائد الرثاء .
هو
ذاتُ القلم الذي لهثنا خلفه لنكتب شيئا من رثاء الجراح في
جنين ، ورعفة الآه في رفح ، وسيول من " الأبيات " المتهدمة
في نفوس الشعراء من البصرة مرورا بكربلاء وليس انتهاء ببغداد
الرشيد ..لذا لا تسألني عن أشعاري الجريحة اليوم بل تمعّن
جيدا في هذا اليراع الذي في يميني و…:
"اسأله عن قانا وعنْ صبرا التي ...عادتْ إلينا في ثيابٍ
أخرَياتْ " .
بقي
أمرُ هام يتوجب علينا أن نقف عنده ، ربما لا يتسع المقام
للخوض فيه بتوسع لكن الأمر يقتضي أن نُذكَِر أن الشاعر لا
يستطيع في خضم التمسك بحبل الأمل المتين والإيمان بالصباح
الآتي ، لا يملك أن يخفي أوجاعه الشعرية ودموع قوافيه وهي
تنتحب في محطَّةٍ من محطات الأنين ..
جَفَّتْ
يَنابيعُ القَصائِدِ ، آهِ يا أَسفارِ بَابلْ
وَتَكسَّرَ اللَّحنُ الجَميلُ على شُجَيراتِ البَلابِلْ
وَقوافِلُ الحقدِ القَديمِ تَجئ إِذْ تَمضي قَوافلْ
وَطَنٌ يُكَبَّلُ بالسَّلاسِلِ كَيْ يَموتَ عَلى الَمقاصِلْ
* * *
كُرَّاسَةُ الأَطفالِ في قانا تُبَعثِرُها القَنَابِلْ
والأُمُّ تبحثُ في رُكامِ الدَّارِ عَنْ آثارِ رَاحلْ
وَالحُلْمُ حاصَرَهُ البُكا ، والنَّارُ أَحَرقت السَّنابلْ
ما عادتْ النَّجماتُ ترقُصُ كلَّ ليلٍ في الجَداولْ
* * *
نَمشي
فَتُدمينا الجِراحُ على دُروبِكِ يا مَنازِلْ
وَنخوضُ في بَحْرِ الدِّما واللَّيلُ يَعتقِلُ المَشاعِلْ
لَمْ يَبْقَ مِنْ وَطني سِوى أشلاءَ في أَيدي القَبائِلْ
وَحُطامُ أَشْرِعَةٍ على ميناءِ هاتيكَ السَّواحِلْ
* * *
قانا ،
دموعٌ لليتامي أَلفُ آهٍ للثَّواكِلْ
قانا ، حقولٌ أجدبتْ ماتَتْ بها كُلُّ الأَيائِلْ
قانا ،
ملايينُ الحروفِ تَضيعُ في وَرَقِ الرَّسائِلْ
قانا ، جَماجِمُ إخوَتي ، شُرِبَتْ بها خَمْرُ المحَافِلْ
قانا ، مواويلُ النَّحيبِ تعَيشُ في شَفَةِ المُقَاتِلْ
والشَّمسُ في قانا تَصيحُ صَباحُنا في الأرضِ زائِلْ
في كُلِّ يومٍ دَمعَةُُ حيرى وليس لَها مُماثِلْ
ماتَتْ عناقيدُ الكرومِ على عناقيدِ الزَّلازِلْ
***************
ولها يحلو النشيد :
أنشودة "قانا " ، هي حداء القلوب التي لوعتها دماء الأحبة
التي سالت في الدروب الحالمة بيوم الخلاص من الاحتلال البغيض
.في الشريط الثاني من سلسلة " تحية وطن " صدر شريط " أبطال "
الذي احتوى على أنشودة بلون الدم ، وصوت الوجع الذي لا
تفارقه الآمال .لا أريد الخوض في انعكاسات هذه الأنشودة على
نفسي ، أو وقفة نقدية معها ، فلقد كفاني مؤونة ذلك الكاتب
الفلسطيني " مخلص برزق " في قراءة مطولة لهذه الأنشودة
الجريحة في مناسبتها ، الصحيحة في أدائها الفني ، ولكن كنت
أود أن ألفت انتباه القارئ الكريم لأمر ما في نص الأنشودة .
ثنائية النص بين الأمس واليوم هي ما يمكن أن نسميه على كلمات
الأنشودة التي كان مطلعها للشاعر الفلسطيني الراحل / يحيى
برزق أما جسم الأنشودة الرئيس فكان للمخرج الفلسطيني المعروف
/ إياد الداوود .
"
دما على أبوابكم …دمنا على
أثوابكم…دمنا يلون خبزكم ..مطلع
قصيدة " الشاعر الفلسطيني يحيى برزق في إحدى رثائياته لما
جرى لأهلنا في صبرا وشاتيلا!!
" لن
يرحل جرح مدينتا …لن يرحل أبدا لن
يرحل " هي بداية كلمات أنشودة قانا الحقيقية للأستاذ إياد
…وبين صبرا وقانا جغرافية احتضنت
الحلم والوجع معا ، وعرفت كيف يصير الوطن دمعة في الاحداق
ودما على الروب يُراق !!!
ألم
اقل لكم في البداية " اسأله عن صبرا وعن قانا التي …عادت
إلينا في ثياب أخريات "؟!!
الزمن ومروره شاهدٌ آخر على الحكاية التي لا يفصلها عن
الأملأ إلا مسيرة سنوات وشيء من الإيمان في القلوب . حيث
جاءت الانتفاضة المباركة بعد سنوات قليلة فقط على المجازر
الفظيعة في لبنان بيد الجزار " شارون " ، قانا أيضا ذاق
أطفالها اليتامى شيئا من فرحة الانتصار حين انسحبت قوافل
المعتدين عن لبنان .
أمر
آخر ربما كان فنيا : لقد عرفت قصيدة الشاعر آنذاك طريقها إلى
القلوب بعد أن تم تلحينها وإصدارها عبر شريط إنشادي أصدرته
الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين في جامعة الكويت ، واليوم
تجيء الأنشودة لتغرس في صدورنا معانيها وتبث الأامل من جديد
..ألم نسمع فيها :
فالدمع الباقي في العينين ..شيء من ومض المستقبل …نور
من زمن ماض ..وعد من أمل لم يذبل ..
كنت
أود الاسترسال في الحديث لكن أتوقف عند هذه الكلمات الرائعة
والأداء الراقي للمبدع عبد الفتاح عوينات الذي أجاد في سكب
هذه المعاني في صدورنا بكل ما فيها واقول معها :
لن
يرحل جرح مدينتنا …لن يرحل أبدأ
لن يرحل .
أقول يا
بلدي :
نزعتُ
القهرَ مِنْ وَجعي … حرقتُ شواطئَ الجبناءْ
نقشتُ
اليومَ في حَجَري …قصيدةَ حُبِّكَ العصماءْ
كتبتُ
إليكَ في سَفَري …رجوعَ القلبِ للميناءْ
فكوني
اليومَ في حُلُمي …نشيدَ ملاحمِ الإسراءْ |