|
حين يراهن بوش و شارون على " لويا جيركا" فلسطيني !
ناصر السهلي- كاتب فلسطيني- الدانمارك
المدهش في كل ما
جاء من تعليقات بعد خطاب بوش الذي عبر من خلاله عن الرؤية الصهيونية
للحل لا يتمثل فقط بالتعليقات التي صدرت على لسان وزيرة الخارجية
السويدية " آنا لوند"، بقراءتها الثاقبة والمتكررة والتي اعتبرت فيها
رئيس الدولة "العظمى" غبيا إلى درجة بعيدة ، بل ولا حتى باعتراض بلير
الحليف الرئيسي لأميركا ولا حتى في اختلال توازن تفكير زعيم دولة عربية
كبيرة حين وصف رؤية بوش على أنها رؤية"متوازنة" ولا اللاموقف الذي صبغ
مواقف الكثير من النظم السياسية العربية التي وجدت في خطاب بوش مخرجا لها
من أزمتها المزمنة مع تنامي الوعي الشعبي العربي لما تمثله أميركا في
دعمها للكيان الصهيوني . بل ما يدهشنا ويدهش كل مراقب عربي وغربي هذا
الكم الكبير من الإيجابية التي صبغت ردود أفعال بعض أقطاب السياسة
الرسمية الفلسطينية ومنذ اللحظة الأولى لانتهاء خطاب بوش، فبالرغم من كل
الانفعالية والوقاحة و عدم اللباقة التي خاطب بها بوش الطرف الفلسطيني،
الشعبي والرسمي، وجدنا الكثيرين يلهثون وراء التعليق لهذه أو تلك من
وسائل الإعلام وكأننا في الطريق نحو تكوينه مما تتطلب إثبات حسن السير
والسلوك لأعضائها القادمين من رحم هذا الخطاب . فمن أميركا ذاتها تساءل
بعض الصحفيين عن مدلولات هذا الجهد الذي مارسه د.نبيل شعث لجعل الخطاب
ملطفا إلى الدرجة التي قول فيها بوش ما لم يقله.
هل يترشح عرفات؟
هذا هو السؤال
الكبير الذي انشغل به أقطاب الإعلام والسياسة الرسمية الفلسطينية ، وكأن
خطاب بوش لم يأت إلا على هذه النقطة، لذا رأينا مجموعة من الاتصالات
العلنية والسرية مع الإدارة الأميركية التي تود جعل الأراضي تحت سلطة
مندوب أميركي يتعاون مع الاستخبارات المصرية و الأردنية لملاحقة الشعب
الفلسطيني وقواه المقاومة لأجل القبول والخضوع لسلطات المندوب السامي
الأميركي ولتوليفة شبيهة ب "لويا جيركا" الأفغاني وإن كان سيطلق عليها
أسماء براقة. من الشواهد الكثيرة على قبول أصحاب الامتيازات للطرح
الأميركي هو ما ذكرناه آنفاً بالنسبة لما إذا كان ياسر عرفات سيبقى أم
سيرحل ؟
وقد تضطر الظروف
معظم الأطراف الفلسطينية لتأييد إعادة انتخاب عرفات حتى لا تعتبر ضمن
التركيبة التي تعد لها أميركا.
والمؤسف حقا أن
تأتي مثل هذه التغييرات المفترضة في قمة هرم السلطة الفلسطينية بناءً على
رغبات أميركية وعربية وليس على أساس ما كانت تطالب به تلك الأطراف منذ
سنوات عديدة ؛ فالسرعة الكبيرة لتجاوب السلطة مع مطالب البيت الأبيض (
والتي هي في النهاية مطالب شارون) لإجراء إصلاحات وتغييرات يثير العديد
من علامات الاستفهام على سلطة لم تر في دعوات الشخصيات والقوى الوطنية
لبناء قيادة طوارئ و قيادة موحدة وطنية لتعزيز حالة الصمود ما يستحق
التجاوب بينما نراها تسارع إلى دمجٍ هنا و إلغاء هناك تحت وابل التدمير
الذي يمارسه جيش الاحتلال على امتداد الأرض الفلسطينية المحتلة لبنية
تحتية أقامتها السلطة وغيرها كانت قائمة قبل تكوين السلطة ؛ وكأننا نشهد
مرحلة سباق محموم بين مطالب أميركا والدولة الصهيونية من جهة ومحاولات
الاستجابة الفلسطينية من جهة ثانية والتي ستشكل كارثة حقيقية على
المستقبل الفلسطيني أن استمرت على هذا النحو الذي يفتح شهية أعداء الشعب
الفلسطيني على مزيد المطالب لإفراغ المشروع الوطني من محتواه فلا يبقى
في النهاية إلا سلطة شبيهة بسلطة روابط القرى التي حاول الاحتلال فرضها
فأفشلها الشعب بوعي ومقاومة. والفرق بين هذه وتلك من الروابط، أن من يدخل
اليوم في هذه التركيبة يعللها على أساس المصالح "العليا" للشعب الفلسطيني
المحددة من قبل متنفذين متفردين بالقرار وفق تصنيف ضيق لمدى وطنية هذا
الطرف وذاك وهم الذين كانوا بالأمس القريب يدعون إلى محاربة روابط القرى
العميلة.
وفي ظل الحديث
عن الشعب ومصالحه، وعلى أساسه ، نرى مجموعة من التحركات السياسية التي
يروج أصحابها لرؤيتهم ، دون الرجوع إلي الشعب ، عند البيت الأبيض وبعض
الأطراف العربية وهي مجموعة بات واضحا أن ما تبحث عنه هو الحفاظ على
امتيازاتها ومصالحها الخاصة. و إلا فلماذا لم تلتفت تلك الحفنة طيلة
السنوات الماضية إلى مسألة الوحدة الوطنية إلا من منظار خدمتها
لمشاريعها سيئة الذكر.
دعونا نقرأ ما
قاله بوش بشأن المجلس التشريعي الفلسطيني:
"المجلس التشريعي
الفلسطيني اليوم ليست له سلطة، والسلطة مركزة في أيدي قلائل غير خاضعين
للمحاسبة......."! بوش لم يأت بجديد فهذه مسألة يدركها الجميع على الساحة
الفلسطينية، وبدل من أن يقول بوش إن اتفاقات أوسلو في الأصل خلقت مجلسا
صوريا ممنوعا من دوره الحقيقي وبدلا من القول بأن الاحتلال هو الأكثر
مقتا لدى الشعوب المحتلة بحث بوش له عن دور العراب المدعوم بسياسة عربية
متراخية ترى نفسها تأكل واحدة تلو أخرى دون أي تدخل حقيقي ، وهو دور يرسل
إشارات واضحا بضرورة استبدال الشعب الفلسطيني بشعب آخر .
و إذا كان هذا
الاستبدال ليس ممكنا فمن الممكن البحث عن إعادة ترويضه و إخضاعه و إرهابه
و إنتاج عقليات مستسلمة تتساوق مع ما يريده الاحتلال وما يريده كولن باول
عبر استنساخ "لويا جيركا" فلسطيني يعبر بعض أطرافه سرا عن امتعاظهم من
سياسة "الرئيس" عرفات ورموز السلطة ليصار إلى فرض الشروط التي باتت
معروفة لكل الأطراف.
هؤلاء الذين
اعتقدوا أن الساحة الفلسطينية كانت تسير نحو حرب داخلية اندهشوا من مشهد
الوحدة الميدانية لكل أطراف العمل الوطني ، ومن إدراك سريع للشعب
الفلسطيني لما حمله بوش في خطته لشطب النضال الفلسطيني ، بينما بقيت ثلة
تتعارك فيما بينها حول ضرورة التعاطي مع الإرادة الأميركية وطرح شعارات
عنترية مشوشة للإنسان الفلسطيني . إننا نرى في هذه الثلة ، التي كونتها
ولمعتها مرحلة ما بعد أوسلو أرادت عبر سنوات من تراكم مصالحها وتشابكها
مع الاحتلال ومشاريع أميركا أن تجعل من الشعب الفلسطيني مجموعة من
التابعين الباحثين عن تسيير شؤونهم اليومية، المكون الأساس لمرحلة البحث
عن بديل فلسطيني يتعاطى و بإيجابية مع مبعوثي بوش من كولن باول وغيره.
كل ما تحمله
المرحلة الحالية والقادمة من خطورة على القضية الوطنية للشعب الفلسطيني
تتطلب المزيد من اللحمة و الإجماع على رفض التعاطي مع كل مشاريع أميركا،
وتتطلب أن تدخل الساحة الفلسطينية إلى حيز واسع من الحوار الوطني الذي
يجب أن يفضي إلى عزل هؤلاء الذين لديهم ولو القليل من الوهم بإمكانية أن
يكون خطاب بوش مشروع فيه أي نوع من الصالح الفلسطيني . وبصراحة، إذا لم
يجري وفورا عزل هؤلاء فليس من المستبعد أن نرى تكون "لويا جيركا" فلسطيني
مصطنع مدعوما من الأنظمة التي باتت تنظر إلى القضية الفلسطينية كشبهة
تثير غضب البيت الأبيض ، والمسألة باتت أكثر وضوحا مع عودة الاحتلال
الكامل للأراضي الفلسطينية فيما يتعلق باستنهاض و تحفيز الحالة النضالية
و إشراك أوسع قطاعات الشعب الفلسطيني في انتفاضة تنهي الاحتلال وتجعل
بقاءه فوق الأرض الفلسطينية مكلفا.
نعم تحتاج الساحة
الفلسطينية إلى ديمقراطية وكنس الفساد وتوسيع دائرة اتخاذ القرار لكن ليس
على طريقة بوش بل على طريق كنس الاحتلال ، فأي غبي يعرف بأن ما يريده بوش
وما تريده الأنظمة الفاسدة في المنطقة، التي تنكل بشعوبها، ليس فيه أبداً
أي حرص على رفاهية وديمقراطية الشعب الفلسطيني بقدر حرصهم على تطويع هذا
الشعب وهو ما لا يجب أن يحدث وهو بالتأكيد لن يحدث.
|