|
فوز "حماس" حرّك مكامن الكرامة في العالم الإسلامي
د. حسن محمد أبو
حشيش/ صحفي وكاتب فلسطيني
حالة من الجدل
واللغط ولنقاش والتكهنات والحوارات سادت العالم بأسره بعد فوز حركة
المقاومة الإسلامية "حماس" بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، وعُقِدَت
المؤسسات الدولية والتجمعات العالمية كالرباعية، والدول المانحة،
واجتماعاتٌ خاصة لتدارس هذا الفوز الكبير الذي وصفه الرئيس الروسي بأنه
صفعة قوية للسياسات الأمريكية في المنطقة الإسلامية. ووجدنا حالة من
التشنج والتعصب والرفض، وفي المقابل وجدنا حالة من الانتعاش والشعور
بالعزة والكرامة في صفوف العالم الإسلامي كلّه وخاصة الحركات الإسلامية
التي تعتبر المقاومة بقيادة حماس في فلسطين مصدر عزة وشموخ للشعوب
العربية والإسلامية وسط حالة الذل والانتكاسة المسيطرة على الأمة.
و قد سمعنا كلاماً
موضوعياً ومرحّباً بهذا الفوز، كما سمعنا كلاماً بذيئاًَ، وتافهاً، طال
في تجريحه بعض مظاهر الدين، و تعدّى في ثناياه على مبادئ الديمقراطية
المُنادي والمتغني بها، وعبّر عن استهتاره بآراء الجماهير الناخبة من
خلال الشطط والانفلات والتفاهة في توضيح أسباب الفوز والهزيمة. وكنت قد
هممت بكتابة مضمون هذا المقال حول بعض الأقاويل و السلوكيات الهستيرية
التي قام بها فريق من أبناء شعبنا، وما صاحبها من بعض التعديات على
المؤسسات العامة.. ولكن مع المتابعة المستمرة لتداعيات النتائج
الانتخابية وجدت أنّ هناك العديد من الأمور التي يطرحها البعض تحتاج إلى
مناقشة هادئة بعيداً عن رهبة الفضائيات ووسائل الإعلام المنشغلة جداً في
تغطية الأمر، وأهمّ هذه الأمور..
الاعتراف بأوسلو:
حيث أكد العديد من
رموز السلطة ومازالوا بأنّ الانتخابات جرت تحت سقف أوسلو التي تعتبر
المرجعية العليا لكلّ الشأن الفلسطيني، وأنّ على حماس أنْ تعمل وفق هذه
المسلّمة. وهنا لا أدري لمصلحة من يتمّ التصلّب في هذه القضية وكأنها جنة
عدن وقائمة بالفعل؟!. ولا أدري لمصلحة من الاستمرار في التشدق بذلك؟!.
وما هذا الإرهاب الفكري والسياسي؟. فحماس وغيرها من الفصائل يقولون
بالأدلة السياسية والتاريخية والواقعية إنّ أوسلو لم تعدْ قائمة و هي
مؤمنة بذلك، وخاضت الانتخابات على برنامجٍ آخر وضّحته للجماهير، فكيف
تجبرها وتلحّ بذلك على ضرورة الإيمان بها؟!. إنني أعتقد أنّ الأمر يعود
لقناعاتٍ شخصية مرتبطة بالفكر والفلسفة مصحوبة بمصالح ذاتية، كما أنّه
مرتبط بالكبر والخيلاء تحت عنوان: كيف نقول إنّ خيارنا الذي مارسنا كلّ
شيء ضدّ حقوق الإنسان والوطن من أجل إنجاحه قد فشل؟!... إنني أعتقد أنّ
استمرار التشدق بهذا الطلب يصبّ في خانة استمرار خداع الرأي العام،
وتضليل الجماهير، والرغبة في المكوث بالماضي الفاشل.. والأمر يحتاج إلى
جرأة وشجاعة؛ الأمر الذي من الصعوبة أنْ يتوفّر في منْ تعوّد على الهيمنة
وتحقيق المصالح الضيقة.
الصمود أمام الابتزاز:
ولقد صاح وزمجر
الغرب والإدارة الأمريكية وجزء من الأصوات لدينا بأنّ حماس مطلوب منها
الاعتراف بـ(إسرائيل)، ووقف المقاومة، حتى تتلقّى دعماً مادياً، وبدت
الكثير من عبارات الشماتة من العديد من المسؤولين من قبيل: لنرى حماس كيف
ستدير الأمور بدون دعم أوروبي وأمريكيّ، وأنّ حماس ستجعل المرضى والتجار
يتنقلون عبر الفاكس والأنفاق، وأنها لن تصمدْ سوى ستة شهور ثم تنهار،
وأنها يجب أنْ تطبّق برنامجها لوحدها.. وغيرها من عبارات الاستقواء
بالغير من الاحتلال والاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية. وأمام ذلك كله
سمعنا كلاماً حازماً وشاملاً من حماس ورموزها خاصة مشعل وهنية والزهار
وغيرهم، بأن حماس لن تبيع دينها وثوابتها بالدولار، وأنها ستصمد أمام كلّ
أشكال الابتزاز.. وأعتقد أنّ المسؤولية أمام الشعب الفلسطيني والعربي
والإسلامي قد عظُمت وخاصة الحركات الإسلامية ، وأنّ فوز حماس يشكّل منارة
للأمة كلها، و فشلاً لكلّ تيارات التطبيع والهدم. لذا فنجاحها هو نجاح
لكلّ أحرار الأمة.. وأعتقد أنّ الخطاب الحمساوي الرافض للابتزاز لم تشهده
الشعوب من قبل، وهو نموذج مغاير للواقع المعاش، لذا نجده مستهجناً من
البعض الذي يرى في الارتماء في أحضان السيد الأمريكي والغربي عقيدة
وديناً وملةً ومنهج حياة، ولم يتعوْد على قول لا، لذا نجدهم يشنون هجوماً
على حماس بأنّها بهذا الصمود والرفض سوف تفشل وتُدمر نفسها وشعبها. من
هنا أكرّر أنّ الأمة العربية والإسلامية عليها قبول التحدي ولتدرك
بموضوعية أنّها مدينة لحماس بتحريك مشاعر العزة والكرامة والشموخ، كما
أنّ أثرياء الشعب الفلسطيني في الشتات -وهم كثر- تعظم مسؤوليتهم ويكبر
دورهم أمام هذا التحدي.
"حماس" تبدأ من حيث
انتهت "فتح"
وذلك في إشارات
وغمزات وتلميحات بقبول حماس مناقشة الهدنة والمفاوضات الحيادية مع الطرف
الصهيوني، ووصفها لنفسها بالواقعية، فلقد ناقشني العديد وسمعت من آخرين
أنّ خطاب خالد مشعل هو نفس خطاب منظمة التحرير الفلسطينية، وأنّ حماس
اليوم تبدأ من حيث انتهت فتح، إذن فتح على صواب وعلى حماس تعود إلى
رشدها!!. وفي ذلك محاولة يائسة لتخطيء حماس، ولا أدري عن ماذا تنازلت
حماس؟ حيث إنها تنطلق من مبدأ واضح وهو لا تغيير في ثوابتها تجاه قضايا:
القدس والأرض والدولة واللاجئين وحق المقاومة، وتملك مناورات تكتيكية في
هامش المرحلية نحو هذه الثوابت. إنّ حماس خاضت الانتخابات وفازت وهي على
أبواب تشكيل حكومة.. وثوابتها واحدة، فهل هذه هي الأجواء التي كانت لدى
المنظمة وحركة فتح حين وقّعت على أوسلو وأقامت السلطة أم أنها تخلّتْ عن
ثوابتها قبل كلّ شيء.
"حماس" لا تملك
برنامجاً!
وعلى ما يبدو أنّ
هذه القضية يستخدمها كل المخالفين للإسلاميين في كلّ البقاع، وكأنها درس
وتعميم هدفه الاهتزاز والإرباك.. ولا أدري كيف يتم الحديث في ذلك، إنني
كمراقبٍ وإعلامي تابعت الدعاية الانتخابية والبرامج المطروحة، ووجدت
برنامجاً واضحاً لحماس تناول كل صغيرة وكبيرة في كافة شؤون المواطنين من
الاستمساك بالثوابت والعلاقات الخارجية إلى شؤون الطفل والمرأة والرجل..
ورغم أنّه وقع بين أيادي كلّ المواطنين وأدهش المراقبين والمحلّلين إلا
أنهم مستمرون في التشدق بأنّ حماس تسير على غير هدى، ولا تملك برنامجاً
محدّداً، ونهجها هلاميّ، وهذا خدش لإرادة الناخب الذي بصر وعلم واستوعب
وقرّر بناء على المشاريع الانتخابية المطروحة. وإنني أستغرب كيف يحكمون
على حركة وظفت بحكمة وإدارة آلاف المتطوعين لتنفيذ حملة انتخابية هادئة
وخالية من الغش والاحتكاك، أثمرت ونجحت في حصد غالبية البلديات الكبرى
ومقاعد المجلس التشريعي؟. ألا يكفي كلّ ذلك في الإقناع بأنّ حماس تملك
برنامجاً وإدارة ومهارة في تسيير الأمور؟!.
الاستعجال في التغيير
والإصلاح:
ومن الأمور التي
يحاول البعض استغلالها هو ربط فوز حماس بإغلاق المعابر وخلوّ السوق من
بعض السلع الأساسية وارتفاع أسعار الوقود وإشاعة خلو خزينة الحكومة من
الأموال لرواتب الموظفين، وبث إشاعات حول كلّ هذه الأمور وربطها بفوز
حماس علينا أنْ ندرك جيّداً أنّ حجم المشاكل والهموم كبيرة ومتراكمة،
وأنّ كلّ هذه الأوضاع السيئة هي نتاج الحكومة الحالية التي يترأسها أحمد
قريع، وليس خطأ أنْ نتذكّر بأنّ أعضاء التشريعي الجدد لم يتسلّموا بعد،
وأنّ الحكومة الجديدة لم تتشكّلْ بعد، وحتى بعد تشكيلها فإنّ التنفيذ
سيأخذ وقته حسب طبيعة المشكلة، فمنها ما يحتاج سرعةً وأخرى ما يحتاج لوقت
طويل. إنّ المهم بنظري زيادة ثقتنا بقدراتنا الفلسطينية والعربية
والإسلامية بأنها قادرة على تجاوز الأزمات السابقة، وسيعيش الشعب حياة
أفضل بكثير من التي تشاهدوها دون التنازل عن ثوابته ولكن المسألة تحتاج
إلى تكاتف وتعاون وصبر.
الإشاعات والتعاطي معها
إنّ الأجواء المعاشة
اليوم مكتظة بالأقاويل والإشاعات والدعايات، وتشكّل هذه الأجواء أرضية
خصبة لانتشار الأخبار المضللة.. فتسمع يومياً عن أسماء مقرونة بالفساد
والاختلاس والهرب، ولا ندري مدى صحة هذه الأمور، وقد يكون وراء نشر هذه
الأخبار مروّجو الفتنة ومثيروها لخلق حالة من الصدام والقلق وعدم الثقة.
وقد يكون وراءها فاسد ولص ومختلس يريد إرباك الساحة، لذا ندعو إلى الحذر
وعدم مجاراة الأمر بدون أدلة حتى لا نظلم أحداً ونتيقّن من المفسدين
الحقيقيين. ومن أهمّ الأمور غير اللائقة التي نسمعها باستمرار هو أوضاع
الأجهزة الأمنية ومصير أعضائها ومرجعية هذه الأجهزة، هل للرئاسة أم
الحكومة؟ ومحاولة نشر البلبلة والوقيعة،.. كذلك الترويج بأنّ حماس ستقطع
الأيادي والرؤوس وستفرض الحجاب على النساء وستهدد الحريات في السلوكيات
والمعتقدات.. ورغم أنّ الشعب يدرك مكنون هذه الإشاعات ومن يقف وراءها إلا
أنها تأتي في سياق التعبير عن حالة الذهول الذي أصاب الجميع من فوز حماس.
هذه ملامح المعركة
الإعلامية التي تدور في أروقة الساسة والإعلام في العالم كله.. وإننا
نقول إنّ القبول بهذه النتائج لا يكون لفظياً بعيداً عن السلوك الميداني،
بل هو قول وفعل حتى تكتمل السمة الحضارية. وأشدّد هنا على ضرورة أنْ
تتوقّف التصريحات الإعلامية لقادة السلطة حول ترديد عبارات اليأس والأزمة
والقلق والخوف على المستقبل. وعليهم أنْ يُكمِلوا مشوار حكومتهم حتى
تسليمها للحكومة الجديدة، ولا يصحّ لهم مساوقة ما يردده الغرب، فالمصلحة
هنا وطنية وليست حزبية أو شخصية وعلى الحكومة الحالية تسيير الأمور
كأعراف الأمم كلها دون أنْ تقع البلاد والعباد في مستنقع الإرباك والخوف،
وعليها أنْ تدرك أنها مطالبة بذلك قبل أنْ تخاطب الاتحاد الأوربي وغيره
أنْ يتوقف عن التهديد والوعيد. ولا ضير أنْ نجدّد مطالبتنا للجماهير
بالهدوء والسكينة والوقوف بقوة وراء مجلسه الجديد وحكومته المقبلة التي
نؤكّد على ضرورة أنْ تشمل طاقات الشعب الكامنة في الوطن والشتات بعيداً
عن المحاصصة الجغرافية والفصائلية.
|