|
ملفات فلسطينية ساخنة بقراءة واقعية باردة
د. حسن محمد أبو
حشيش/رئيس قسم الصحافة والإعلام بالجامعة الإسلامية في غزة
إن المتابع
لمجريات الأمور على الساحة الفلسطينية يجد أنها هائجة ومائجة، وغير
مستقرة ومتقلبة، تارة في هدوء وأخرى في صعود، والمد والجزر من أهم
ملامحها.... هذه الصورة كانت بشكل غير ثابت الإحساس والإدراك قبل إجراء
الانتخابات التشريعية في 25/1/2006م، ولكنها بعد نتائج هذا اليوم،
وانقلاب الميزان السياسي والفصائلي
الفلسطيني، وخلط الأوراق، وإرباك المواقف الدولية الإقليمية والمحلية....
بات شبه الاستقرار في الإحساس والإدراك هو السائد، واختلف وتلون الخطاب
الإعلامي، والأداء الأمني الميداني، والتحرك السياسي.
ومما لا شكل فيه
أن آنية ولحظية القراءة للواقع تُدخل في متاهات وتعقيدات وتشابك القضايا
المطروحة: فالحصار على الحكومة، ومنازعتها على الصلاحيات بشكل دقيق
ومنظم، ووضع العصي في دواليب المسيرة بطريقة ذكية وخفية ومبرمجة، وإرباك
الساحة من خلال تحرك أمني ذو أبعاد سياسية هادفة، وأداء وخطاب إعلامي
هجومي وتصعيدي مساهم بشكل وبآخر في تأزم الحالة المعاشة، وتجاذب سياسي
وإعلامي يعكس التجاذب الحاصل في الشارع والمؤسسة الرسمية، والزوبعة التي
أُثيرت حول القوة الشرطية الإسنادية التي شكلتها وزارة الداخلية....
وأخيراً وليس بآخر جلسات الحوار الوطني وما صاحبها..... إنني أعترف أنني
كنت متضايقا جداً من مظاهر الواقع خلال المدة المنصرمة، وكنت غير راغب في
كتابة مقالات تبدو مضمومة للخطابات المتوترة السائدة... ولكن الآن وقد
تبدو الأجواء أقل توتراً على وجوده،
وجدت من المناسب أن نسجل قراءات هادئة وباردة للعديد
من الملفات الساخنة التي أرى أنها تحتاج مساحات واسعة وأوقات أطول...
معتذراً للقارئ الكريم على طول القراءة وتنوعها، ومعزياً نفسي ومبرراً
لها أن الأمر مهم وخطير ويستحق الكتابة بهدوء، والقراءة بتمعن، واتخاذ
الموقف المناسب بناء على القراءة والفهم.
الملف الأول /
الحوار الوطني
هو الملف الأكثر
سخونة الآن، والأحدث نقاشاً وجدلاً، فالحوار والنقاش والتعاون وفكفكة
الأزمات بشكل هادئ... معاني جميلة تعبر عنها الأقلام والخطب بأرقى
الكلمات، وتُعتبر من أهم المواضيع التي تلامس اهتمام الضمائر والقلوب
والمشاعر، لذا نجد من نافلة القول التأكيد على أهميته كأسلوب تعامل،
ولكنني أعتقد أن الأمر مازال في الساحة الفلسطينية لا يتعدى الترف
السياسي، والحوار الاستعراضي، فلو تابعنا الأحداث بشكل سريع وخلال العقد
الأخير فقط لوجدنا جولات حوار حدثت في السودان ومصر ونابلس ورام الله،
ودمشق، وغزة.....
وكلها كانت تهدف لأمور محددة ضيقة ووظيفية، ولم نجد ترجمة عملية جذرية
للاتفاقات التي كانت الأطراف توقع عليها، وأقولها بصراحة لو تم تطبيق جزء
من نتائج هذه الحوارات لما وصلنا إلى الأزمة المعاشة اليوم... ومن خلال
متابعتي لجلسات الحوار الدائرة في غزة ورام الله أسجل التحفظات الآتية:
1. إن وجود الحشد
الكبير في الضفة والقطاع، ونقل الحدث في الفضائيات، وإلقاء الكلمات
المطولة من كافة الألوان السياسية يؤكد على كرنفالية واحتفالية الموقف،
ويشير إلى الأمر الذي يسطحه ويقلل من أهميته ويجعله تكراراً للتجارب
الفاشلة.
2. ما زلنا في
تسمياتنا وتشكيلاتنا للفرق المتحاورة لا نزن الناس أوزانهم، ولا نقدر
ثقلهم السياسي، ونساوي بين من لا وزن له وبين من يزن ثلثي الشعب أو نصفه
أو ثلثه أو ربعه، فكيف نريد أن يقرر مصير الشعب شخص باسم فصيل أو تنظيم
بات مكشوفاً على الساحة وبدون غطاء جماهيري، الأمر الذي يجعله كذلك
تكراراً للتجارب الفاشلة.
3. إن البندين
الأول والثاني السالفين أفرزا فرض أجندة خاصة للحوار فيما عُرف بوثيقة
الأسرى، وعرضها بشكل علني ومدروس وممنهج أساسا للحوار وإلا.... رغم أن
الأنباء تواترت على أنها لا تمثل كافة الطيف السياسي للحركة الأسيرة،
ففرض الشروط والأجندات المسبقة لا يليق بحوار من المفترض أن يتم الاتفاق
على جدول أعماله بشكل دقيق وبعيداً عن الاحتفالية والإعلام، وإلا يصبح
الأمر محل نقد وطعن وتخمين، ومن حق المراقبين والمحللين أن يضعوا
الفرضيات، ويتناولوا في تحليلهم النوايا حول الأمر.
4. إن الرئيس
محمود عباس لم يحالفه التوفيق عندما قدم خطاباً عاماً، غير مرتب، رغم أنه
ماهر وقوي في ترتيب أفكاره، ولديه القدرة على الارتجال، ولكن كان خطابه
على غير عهد به وكأن استشارات معينه قُدمت له، وهذا عمل جيد لا غبار عليه
لولا الخروج عن النص في بعضه، والخروج عن السطر حين هدد بالاستفتاء إن لم
يتفقوا على وثيقة الوفاق الصادرة عن الأسرى، وهذه لغة جديدة، ونهج سياسي
رائع، فاللجوء إلى رأي الشارع في القضايا المصيرية هو قمة الديمقراطية،
والحضارة، والتي بدورها تتطلب الاعتماد الكلي والدقيق في التطبيق بعيداً
عن الاستدعاء ألمصلحي والسياسي وبعيداً عن الانتقائية الوظيفية، وإلا من
حق شعبنا أن يسأل لماذا لم يتم الاستفتاء على كثير من القضايا من أهما
اتفاقيات أوسلو وملحقاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية والفكرية، كذلك
إلغاء ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية...كما من حقه أن يتساءل هل الإمكان
أن يجري الرئيس محمود عباس استفتاء في الداخل والخارج في الوقت الذي لم
يتقدم خطوة نحو الأمام لإجراء تعديلات وتطوير على منظمة التحرير، ولم
يقدم خطوة نحو إعادة الانتخابات البلدية في رفح والبريج وبيت لاهيا،
وإجراء الانتخابات البلدية في أكبر مدن قطاع غزة والضفة الغربية بحجج
واهية وضعيفة... ولقد سمعت أحد منظري الاستفتاء عصر يوم السبت 27/5/2006م
على قناة العالم الفضائية وهو يقول أن الاتفاقيات الموقعة كانت بقرارات
شرعية من مؤسسات منظمة التحرير، وأن السلطة أجرت انتخابات مرتين وهو شكل
من أشكال الاستفتاء وبذلك يبرر عدم اللجوء إلى الاستفتاء سابقاً... وهل
البرنامج السياسي للحكومة الفلسطينية العاشرة بعيداً من رأي الشعب الذي
صوت له بنسبة 60% من أصوات الناخبين. وحتى لا يبقى الأمر في إطار النقد
والتشخيص فإنني كمواطن أطالب بالآتي:
1. ضرورة
الانطلاق في الحوار من حيث انتهى حوار القاهرة الأخير كي يبقى في إطار
احترام الذات، وتقدير ما نتوصل إليه.
2. الترفع والكف
عن وضع الشروط والعقبات المسبقة، والتلويح بإجراءات محددة إذا لم يتم
التوصل لاتفاق... وهذا إذا كنا نرغب في التحاور الجاد بعيداً عن الحوار
الوظيفي.
3. أؤكد أن قاعدة
الحوار تكون على القواسم المشتركة الكثيرة ونحاول أن ننظم آليات العلاقة
في الخلاف القليل، أما أن نضع شروطاً إما أبيضا أو اسودا فالقضية تصبح
واضحة المغزى والهدف.
4. أستغرب من
الانشغال التام والكامل للمجلس التشريعي في الأمر فيكفي أنه تشرف
بالمبادرة ولكن عليه الالتفاف إلى عمله والمراقبة والتشريع، فرغم أهمية
الحوار إلا إنني أحذر من تحويله على ملهاة ونقاط حرف المسار..... والأمر
أجده ينطبق على الحكومة.
5. تخفيف الخطاب
المصحوب للحوار لأنني أجد يومياً بل لحظياً تفسيرات غريبة هنا وهناك لا
علاقة لها بجهات وهيئات وشخصيات راغبة في إنجاح الحوار.
الملف الثاني / قوة
الإسناد
بدون مقدمات ولا
معلومات عن هذه الخطوة فوسائل الإعلام اكتظت بعبارات غير لائقة وبعيدة عن
الاحترام حولها، وباتت القضية الأكثر جدلاً في أوساط الناس، وكما أُقرر
أن مدحها ودعمها حق وواجب، فإنني لا أنكر على المعترضين إبداء موقفهم
ورفضهم ولكن الجمهور يريد نقداً موضوعياً ومبرراً، لا أن نكون قاموساً لا
يليق بشرف وسمعة النضال والكفاح الفلسطيني، ثم إنني أحاور أولئك الرافضين
بالأدلة والبراهين على أهمية هذه القوة وضرورتها وذلك من خلال الشواهد
الآتية.
* عندما يكون
لدينا عشرات الآلاف من منتسبي الأجهزة الأمنية ولا أمن للوطن والمواطن.
* عندما يصبح رجل
الشرطة مكشوفة عنه الحماية من قادته ومسئوليه ويصبح متروكاً هو وعائلته
أمام المجرمين والمعتدين...
* عندما يرى
المواطن أسماء العديد من اللافتات والعناوين من شرطة ووقائي ومخابرات
واستخبارات وحدودية وبحرية وحرس رئاسة وقوات (17)... دون أن يلمس ذرة أمن
بل وفي كثير من الأحيان العنوان للفلتان هو رسمياً.
* عندما يرى
المواطن المئات ممن يتدربون في شوارع المدن لضمهم للأجهزة الأمنية
ويتساءل أين هم؟.
* عندما يتسلم
وزير الداخلية مهامه ويحترم ويقدر الجميع في وزارته، ولكن يتم ضع
المراسيم وتتم التعيينات ليصبح قرار وزير الداخلية لا قيمة له ولا يستطيع
تحريك قوة لحماية مواطن أو مؤسسة أو عائلة...
* عندما يقرأ
المتابعون والمحللون وأهل القانون بنود النظام الأساسي وصلاحيات الرئيس
ورئيس الوزراء ويدركون صلاحيات رئيس الوزراء ووزير الداخلية الممنوحة له
وفق القانون...
* عندما يتساءل
الناس لماذا شكلت حركة فتح قوة جديدة أسمتها (الجيش الشعبي) وسلحتهم
وألبستهم زياً عسكرياً، وأعدت لهم المعسكرات داخل الأراضي المحررة ثم قام
بعضهم بسرقة ما كانوا يحرسونه؟! وهل هذا قانوني؟! وهل كان لمصلحة البلد؟!
* عندما يتساءل
المواطن البسيط عن سبب الاستهداف المبرمج اليومي لعناصر قوة الإسناد
والاحتكاك بهم؟! هل لأنهم خارجين عن القانون وغير مرغوبين.
* عندما نرى
الجماهير زرافات تزور القوة في مواقعها وتشد على أياديهم وتحثهم على
المواصلة.
* عندما وفجأةً
وبدون مقدمات نرى أمن الرئاسة والشرطة والأمن الوطني ينتشروا في شوارع
المدن بكثافة وبشكل ملفت للنظر ويتساءل المواطن أين هؤلاء كانوا.
* عندما يشعر
المواطن بحركة ضبط يومي للصوص والمعتدين من
قبل هذه القوة، وعندما يدرك الأطباء كيانهم وأنهم تحت الحماية لأول مرة
منذ سنين طويلة...
عندما نلاحظ كل
ذلك علينا أن نطالب وبسرعة عودة الهيبة والكيانية للأمن العام الفلسطيني،
وأن ينضم الجميع للواء الشرطة تحت سيادة وقرار وزير الداخلية مصلحة للوطن
المسلوب أمنه... وعلينا الوقوف بشدة في وجه أولئك الذين لا يرغبون رؤية
الأمن والاستقرار أن يسود... وأقولها وكلي أسف ولكنها قولة للتاريخ أن
حركة فتح عليها أن تدرك أبعاد المؤامرة التي تُحاك ضد سمعتها وشرفها
ونضالها من خلال فئات لا تزن عدداً ولكن تزن من خلال الدعم الخارجي
والإقليمي مقابل دور تدميري للجميع وهذا ما لامسه بعض رموز فتح
التاريخيين وعبروا عنه بصراحة في الإعلام، وعبر عنه بعض رموز هذا التيار
التدميري حين قالوا (أن فتح أفلست).
إن الإصرار على
المواقف الايجابية بما يشوبها من سلبيات هنا وهناك هو الطريق السليم.
وعلى الحكومة أن تمضي في توفير الأمن السياسي والأمن الاقتصادي للمواطن
وتفكيك عُرى الأزمة بالتكاتف مع المخلصين، وعليها ألا تنشغل في أمور تبدو
لها بريقاً ولكن قد تحمل في ثناياها الشرك والمصيدة. أتمنى الهدوء في
القراءة، والفهم وراء السطور انسجاماً مع الهدوء في الكتابة.
|