الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

"حماس" نحو النجاح ... ملفات شائكة وحقول ألغام!!!

 

د. حسن محمد أبو حشيش

 

مازال الجدل والنقاش يتصاعد في أعقاب فوز حماس في الانتخابات التشريعية، ولم يعد الأمر محصوراً في الحدود الجغرافية الفلسطينية بل تعدى كل أروقة السياسة الدولية ووسائل الإعلام العالمية، لدرجة أن الكونغرس الأمريكي يعقد جلسة استماع لوزيرة الخارجية كونداليزا رايس حول دور السياسة الخارجية الأمريكية في خلق حالة من العداء ضدها أدت إلى فوز تيارات غير مرغوب فيها في المنطقة وأهمها فوز حماس، إضافة للتدخل الأمريكي في القرار الروسي والفرنسي والفنزويلي والتركي... الذي أبدى استعداداً للتعامل الايجابي مع حكومة برئاسة حماس .

 

كما أن التفسيرات والتبريرات الواقعية وغير الواقعية ،العقلانية والانفعالية، الهادئة والهستيرية... لأسباب فوز حماس وعدم فوز فتح تتكاثر وتتصاعد، ومن الواضح أنها تعبر عن أزمة قراءة حقيقية للواقع والمتغيرات، كما أنها تعكس حالة من الأزمة في صفوف الفصائل الفلسطينية، ومنظريها إلى درجة أن بعض الكتّاب بدأ يقرأ رقمياً أن النتائج لا تعبر عن التوجهات الحقيقية للشعب الفلسطيني، وأنها لا تعكس الالتفاف حول برنامج والرفض لآخر ... كل ما سبق صاحبه حالة من التشكيك والاستهزاء والاستهتار، والتهديد والتخويف، والحرب النفسية، والإشاعة، والدعاية السوداء ... الأمر الذي يعكس حالة مرضية، وخللاً واضحاً وبائناً، ويشير إلى عدم استقرار في الموقف السياسي والإعلامي، كما يشير إلى حالة الذهول والرفض الداخلي للنتائج، مما يتضح في الإرباك والتخبط وعدم الموضوعية والمصداقية لبعض المقالات، والمقابلات الإعلامية، والحوارات عبر الفضائيات.. وفي مقابل هذه الصورة فإن حماس مازالت تسجل نجاحاً في خطابها الإعلامي والسياسي، وتسويق نفسها كقيادة جديدة للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة بطريقة حضارية وديمقراطية .

 

وتمكنت حماس من المواءمة في خطابها بين ما هو ثابت واستراتيجي وبين هامش المتغير والتكتيك الممنوح لها سياسياً وشرعياً. ومن وجهة نظري فإنها استطاعت أن تفرض كيانها ورؤيتها واحترامها على المجتمع العربي والإسلامي وأجزاء من المجتمع الدولي... وهي ماضية حتى اللحظة في هذه السياسة رغم شدة الهجمة المضادة التي تشنها الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال (الإسرائيلي) وبعض الأطراف المحلية التي مازالت تناطح الصخر وترفض الأمر الواقع وتسعى لتغطية الشمس ونورها بغربال .

 

وفي قراءة سريعة للواقع المعاش، وللبيئة السياسية المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية لا يحتاج الإنسان إلى جهد كبير حتى يدرك أن الطريق أمام حماس ليست ممهدة، بل وعرة وممتلئة بالعراقيل والعقبات، فحماس ماضية في طريق كأنه حقول من الألغام، وأمامها ملفات ساخنة بدأت منذ وضعت العراقيل أمامها لمنعها من خوض الانتخابات، وعند النتائج واجهت ومازالت حملة إعلامية مسعورة ومشككة في قدرتها على قيادة دفة السفينة، والآن وهي تشكل وتحدد شكل قيادة المؤسسة التشريعية، وتعيين المؤسسة التنفيذية وتقودها لمواجهة قضايا وملفات شائكة، وتركة من الهموم لا أبالغ إذا ما قلت أن الجبال تنوء بحملها، فحماس في معركة مع الذات ومع الواقع، وماضية عكس التيار الذي تواءم وتناغم معه من دار الدفة من قبل.. لذا نجد الرهان واضحاً وقوياً من قبل العديد من الأطراف المعادية لحماس وغير الراغبة في نجاحها.. على فشلها وتراجعها، وانتكاستها، ما لم "تحج" على البيت الأبيض وتقدم الولاء والطاعة له ولأفكاره ورموزه في المنطقة. ومن أهم الحقول الملغومة والملفات الساخنة التي تنتظر حكومة حماس وإبداعاتها في تخطيها بأقل الخسائر وفي الوقت المناسب مع تطلعات وحاجات الجماهير المسحوقة والمكلومة:

 

الملف والحقل المالي والاقتصادي

ويعتبر هذا الحقل من الأمور الأكثر تعقيداً وذلك استناداً إلى قاعدة "من ملك ماله وقوته ملك قراره السياسي"، وميزانية السلطة في السابق ارتهنت للدعم الخارجي وللضرائب التي بحوزة الطرف (الإسرائيلي) وبالتالي يصبح الأمر بعيداً عن القرار والتصرف الذاتي، ومن المسلمات أن الاستقرار المالي والاقتصادي من شأنه أن يصلب الموقف السياسي، ويؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي والأمني، وتحقيق السلامة الاجتماعية، وأعتقد أن هذا الملف إحدى الأدوات التي يراهن عليها الذين يرفضون حماس بأن تكون السبب في الفشل.. وخاصة وهم يهددون بالسيف (الإسرائيلي) التي أعلنت أنها ستوقف اتصالاتها مع السلطة بعد أن تعلن حماس الحكومة بما في ذلك وقف تحويل المستحقات الفلسطينية التي بحوزتها، وإغلاق المعابر، ومنع التنقل بين الضفة والقطاع.. وكذلك بالسيف الأوربي والأمريكي الذي سيوقف المعونات التي يقدمها ـ على قلتها ـ للجانب الفلسطيني .

إضافة لسياسة الاحتكارات والابتزاز والأجواء المنفرة للاستثمار، والأموال المنهوبة والمسروقة من قبل جهات معلنة وأكبر غير معلنة.. ورغم أنني لست خبيراً اقتصادياً بمعنى أنني لا أملك وصفة سحرية إلاّ أن دوري الإعلامي يحتم عليّ أن أذكر حماس أن عليها وضع سياسة اقتصادية ممنهجة قائمة على الحلول السريعة والحلول الإستراتيجية من أهم ملامحها:

* العمل على توفير الدعم لميزانية السلطة من مصادر ذاتية وطنياً وعربياً وإسلاميا بعيداً عن المصادر الأجنبية والاشتراطات التعجيزية .

* ترشيد الإنفاق الحكومي، ووضع نظام صرف شفاف، وتوزيع عادل للأموال .

* اتخاذ سلسلة من القرارات والإجراءات لخفض الأسعار في المواد التموينية والوقود والغاز والكهرباء والماء والضرائب والتراخيص.. يشعر بها المواطن خلال الثلاثة شهور الأولى.

* القيام بمشاريع اقتصادية من خلال تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين والسعي الجاد لتوفير أكبر قدر ممكن من فرص العمل.

* العمل الجاد والحثيث على فتح السوق العربية أمام الأيدي العاملة الفلسطينية.

* فتح ملفات الفساد المالي والاقتصادي بشكل قانوني ورسمي والعمل على إعادة الأموال المنهوبة وتطبيق قانون من أين لك هذا ؟! .

* دراسة ملف فاتورة الكهرباء المتراكمة على جزء كبير من المواطنين، وإيجاد آلية لإنهاء هذا الملف بشكل يرضي جميع الأطراف.

* تشجيع دور المجتمع المدني، والمؤسسات التي تقدم خدمات اقتصادية لشرائح مجتمعية معينة وفق نظام الشفافية وقانون واضح ينظم العلاقة بين هذه المؤسسات وبين الجهات الحكومة ذات العلاقة .

 

الملف والحقل الداخلي

إن الوضع الداخلي الفلسطيني معقد، ومتشابك، ومتأزم، ومتداخلة فيه الأمور والهموم،/ وممزوجة فيه صور الماضي النمطية، وملامح الواقع المريرة، والاستشراف الصعب والطموح للمستقبل.. وحماس قد ورثت تركة ثقيلة مكتظة بالهموم والعقبات والمشاكل على رأسها بجانب الهم الاقتصادي بكافة أبعاده الهم الأمني وسلامة المجتمع والممتلكات، حيث تجرأ المستهترون على كل شيء في المجتمع سواء بدوافع الجريمة العشوائية، أم بدوافع التخريب السياسي، أم بدوافع الثأر الاجتماعي والقبلي والعائلي، وانتشرت مراكز القوى داخل المؤسسات الرسمية السياسية والأمنية، واكتظت الملفات في أدارج الحاكم، وتعطل القضاء، وذهبت أدراج الرياح هيبة السلطة والقانون، وبات الشعب يعيش وسط أجواء من الفلتان الأمني، والسياسي، والاجتماعي.. هذه الأجواء تنتظر حكومة حماس الجديدة: وهي ملبدة بالغيوم، وتنذر القادمين، وتستوجب حالة طوارئ, واستنفار كل المخلصين. ومما يعقد الأوضاع زيادة هو الرفض الداخلي لنتائج الانتخابات وعدم الرغبة في ترك حماس تجتهد وتمارس خطواتها الإصلاحية بل والعمل على إفشالها كي تخضع وترفع الرايات البيضاء أو تتخلى عن ثوابت الأمة، وذلك فيما عرف بالخطوات الاستباقية في إعادة التعيينات والهيكليات داخل الوزارات ومؤسسة المجلس التشريعي ومحاولة سن بعض القوانين التي تكرس واقعاً وظيفياً معيناً بغض النظر عن الكفاءة والمصلحة العامة لشرائح المجتمع الفلسطيني، ومحاولة تقسيم البلد بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الحكومة وسحب صلاحيات من مجلس الوزراء طالما عملت فتح ورموزها على سحبها من الرئاسة إلى الوزراء وخاصة المؤسسات الأمنية الأساسية والمؤسسات الإعلامية الرسمية كهيئة الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) وهيئة الاستعلامات، وذلك كله من أجل تفريغ الحكومة من صلاحياتها، الأمر الذي دفع حماس إلى رفضه ووصفه بالانقلاب الأبيض. وأعتقد أن هذا وصف دقيق لحالة الرفض الذي تعيشه أوساط داخل السلطة وحركة فتح حيث عبروا عن هذا الرفض عمليا بهذه الخطوات الاستباقية والانقلابية وعبروا عن غير ذلك إعلاميا .

هذا الملف الشائك والخطير يحتاج إضافة إلى الاستنفار العام والى تثوير كل الطاقات والعقول، فحماس مطلوب منها حسم الأمر وفرض هيبة السلطة، والعمل على التنسيق الدقيق والعملي مع مؤسسة الرئاسة لأن السبب الرئيس لحالة الانقسام في المؤسسة الرسمية الفلسطينية باتت أكثر وضوحا منذ اعتماد منصب رئيس الحكومة وتصاعد الخلاف بين الرئيس عرفات ورئيس وزرائه الأول محمود عباس وبين الأخير ورئيس وزرائه أحمد قريع وبالتالي تقاسم النفوذ وكافة المؤسسات الأمنية والسياسية والإعلامية.. لذا يجب أن تكون هذه الصورة واضحة جدا أمام حماس، وعليها عدم السماح بتمرير كل ذلك وعدم السماح بتخريب الحياة الديمقراطية وإفراغ فرصة خدمة الشعب من مضامينها والحكم عليها بالفشل .

 

*ملف المقاومة والمفاوضات*

و من المعروف أن حماس لعبت دورا كبيرا وأساسيا في تدعيم أركان المقاومة :ممارسة وثقافة، كما أنها مارست إدارة حكيمة للصراع : تهدئة وتصعيدا،  واليوم يحاول البعض إحراج حماس في ممارسة عشوائية دون دراسة وحكمة بل لخلط الأوراق ولإحراج حماس وحكومتها أمام الجماهير وأمام العالم على نقيض ما كان قبل ذلك.. ويصاحب الأمر تصعيد مقصود للاحتلال لنفس الغرض والهدف، كما أن المفاوضات مع حكومة الاحتلال تعتبر من الأمور الشائكة التي لا تتقاطع مع فلسفة حماس المعلنة طوال الفترة السابقة، وكما أسلفت في المقالات السابقة، فإن هذه النقطة من المداخل التي تهاجم من خلالها حماس ويراهن عليها الراغبون في فشل وإفشال حكومة حماس. من هنا فإن الأمر يتطلب أن تفرق الحكومة المقبلة بين المفاوضات اليومية الخدمية لتسير أمور حياة الناس بسبب العلاقة القائمة على الاحتلال والسيطرة والهيمنة، وبين المفاوضات السياسية التي تتطلب مناقشة حلول وحقوق وينتج عنها اتفاقيات دولية من شأنها الانتقاص من الحق الفلسطيني . وهذا ليس غريبا، فقبل اتفاقيات أوسلو ووجود سلطة كان الفلسطينيون يتعاملون في كل أمور شأنهم وحياتهم مع الإدارات المدنية (الإسرائيلية) التي كانت تحكم الضفة والقطاع.. ولا ضير في ذلك على حماس أن تدرك جيدا وبشكل دقيق وحكيم وشجاعة وذكاء أن الأولوية الآن للإصلاح والبناء الداخلي وتمكين الجبهة الداخلية وتقويتها، الأمر الذي من شأنه أن يوفر عوامل ومظاهر الصمود والمقاومة لدى شرائح المجتمع.. فمشوار التحرير ما زال طويلا ويستوجب استراحات للمقاتل وتصليب المواقف، وإحداث النفس الطويل.. الشأن الذي يتطلب مرونة وهامشاً كبيراً للمناورة . والشرع، والوطن، والسياسة والبرنامج الانتخابي لحماس يسمحوا لها بالحركة المرنة والحسم في المواقف سواء في التعامل مع الفصائل المسلحة أو في التعامل مع (إسرائيل). وخاصة وأن (إسرائيل) تحاول أن تصنع الوقيعة بين الشعب وبين حماس حيث أعلنت عن حملة وسلسلة من العراقيل العقابية في وجه حماس.

إن حكومة حماس في السنوات الأربع المقبلة، هي مرحلة مفصلية للقضية الفلسطينية، والحقول والملفات سالفة الذكر من شأنها تجاوزها للخروج من عنق الزجاجة بأقل الخسائر والاستقرار على شاطئ الأمان والسلامة، وإلا فهي عوامل تدميرية لأي مشروع وطني وحر يتعاكس في فكره وسلوكه مع الهيمنة الأمريكية والغربية، والصهيونية والتيارات العربية التابعة لها.

ولقد تابعنا الجلسة الأولى للمجلس التشريعي الجديد اليوم السبت حيث اتسمت بالحضارية والرقي والتغلب على إجراءات الاحتلال. وإنني أعتقد أن قدرة حماس على تشكيل هيئة المجلس ينم عن ذكاء وحنكة بسبب قوة الشخصيات المطروحة وقبولها الجماهيري وأنواعها بين حماس والمستقلين وبين شمال الضفة ووسطها وجنوبها وقطاع غزة. ومما زاد من إعجابنا بهذا اليوم هو خطاب رئيس المجلس الجديد الدكتور عزيز الدويك صاحب الدرجة العلمية المتميزة، والمكانة السياسية والجماهيرية، وقوة البلاغ والخطاب.. لقد نجحت حماس في تشكيلتها وخطابها الأول في توصيل رسالة للعالم بأنها تملك طاقات وكفاءات متنوعة وليس جسما هلاميا يمارس الديمقراطية أو المقاومة بشكل عفوي أو ترف فكري وسياسي، بل وفق رؤية واضحة ومنهج حياة مستمد من الإسلام وتعاليمه وحضارته، وسيدرك هذا العالم أن حماس ستبدع في إدارة الحكومة والتشريعي وسط المتناقضات السياسية والحياتية. وبدورنا نتمنى للنظام السياسي الفلسطيني الجديد النجاح والتوفيق، وندعو الجماهير للالتفاف حوله والصبر عليه لأن النجاح للجميع والفشل على الجميع.