الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أراء حرة

عودة

 

عن المجلس التشريعي والانتخابات

 

أحمد أبوزينة

 

وأخيراً تمخض المجلس التشريعي فأقرّ بالقراءة الثالثة مشروع قانون الانتخابات المعدّل، هذا الإقرار الذي جاء بعد جهد جهيد، وبعد أخذ ورد، وبعد شد للأعصاب وتبادل للاتهامات وإلقاء للمسؤوليات فيما يتعلق بعدم إقرار القانون وبالتسبب في تأجيل الانتخابات.

 

وفي الحقيقة هناك مسألتان هامتان ينبغي التوقف عندهما بمناسبة إقرار القانون الانتخابي المعدّل:

أولاً: برغم إقرار القانون أخيراً، إلا أن المجلس التشريعي الفلسطيني، وتحديداً التكتل الذي أعاق إقرار القانون في موعده، يبقى يتحمل مسؤولية كبيرة عن الإرباك الذي حصل في الحياة السياسية الفلسطينية، وعن التوتر الذي حصل بين الفصائل الفلسطينية على خلفية تأجيل الاستحقاق الانتخابي بسبب عدم إقرار القانون. ولن يكون منطقياً الادعاء بأن المجلس، بإقراره للقانون، يكون قد أزاح عن كاهله عبء تحمل مسؤولية تعطيل الانتخابات.

 

فالمجلس فعل فعله وأدى دوره في تأجيل الانتخابات، وإقراره الآن للقانون بالقراءة الثالثة لا يغير في هذه الحقيقة شيئاً، سيما وأن هذا المجلس لم يعد يملك خيارات سوى إقرار القانون، فعلى المستوى الشعبي تآكلت صورة المجلس وكثير من أعضائه أمام الجمهور بدرجة غير مسبوقة، أو بشكل أدق ازداد هذا التآكل الموجود أصلاً لأسباب عديدة ومنذ فترة طويلة. كما تعالت الأصوات التي تطالب المجلس بالكف عن التلاعب في المصير الوطني وحسم مسألة قانون الانتخابات على أساس التوافق الوطني الفصائلي الذي جرى في القاهرة.

 

أما على المستوى القانوني، فإن المجلس التشريعي يحتاج في هذه المرة-أي القراءة الثالثة- من أجل رفض القانون ورد التعديلات -التي تنص على إجراء الانتخابات مناصفة بين التمثيل النسبي والدوائر الجغرافية- لأغلبية كبيرة غير متوفرة لدى المجلس بعد كل ما جرى، وهي أغلبية الثلثين.

 

إذن فأي ادعاء بأن المجلس قد أدى ما عليه وأبرأ ذمته إزاء موضوع إجراء العملية الانتخابية هو ادعاء يشوبه الخلل ويجافي الحقيقة إلى حد كبير. إذ –كما ذكرنا- لم يعد المجلس يملك خيارات سوى إقرار القانون بالقراءة الثالثة، وهو ما حصل فعلاً في أقل من نصف ساعة في الجلسة التي عقدت لهذا الغرض!!.

 

وفي جميع الأحوال، فإن تأجيل الانتخابات قد أصبح أمراً واقعاً بفضل مماطلة المجلس وتهرب معظم أعضائه من الوقوف عند مسؤولياتهم، وإيثار كثير منهم للمصلحة الذاتية على حساب المصلحة العامة في وقت يتشظى فيه الوطن بين المصالح الذاتية والشخصية والفئوية، رغم كثرة التذمر وحالة الإحباط السائدة.

 

ولا يخفى على أحد أن التأجيل المفتوح، وإن جرى تبريره بالحاجة إلى إقرار القانون أولاً، يُبقي باب التخوفات من عدم إجراء الانتخابات في المدى المنظور مفتوحاً على مصراعيه، خاصة في ظل التصريحات الأمريكية والإسرائيلية المعادية والرافضة لمشاركة حركة حماس في الانتخابات التشريعية. فإن حصل ذلك وأصبحت الانتخابات مطلباً بعيد المنال، يحول دونه عقبات وعقبات، فإن المجلس، وكل من ساهم في تعطيل الاستحقاق الانتخابي، سيتحمل مسؤولية تاريخية كبرى في هذا المجال.

 

أما المسألة الثانية والأهم، فهو ما نص عليه القانون المعدّل الذي أقره التشريعي، وهو أن هذا القانون سيدخل حيز التنفيذ ويصبح ساري المفعول بعد ثلاثة أشهر من مصادقة الرئيس عليه ونشره في الجريدة الرسمية (وهي الآلية المتبعة في إقرار القوانين والمصادقة عليها ونشرها لتصبح سارية المفعول)، فإذا عرفنا أنه كان بالإمكان أن ينص القانون على سريانه فور نشره في الجريدة الرسمية، تولدت لدينا حالة من الدهشة والذهول، فما هي الحكمة من عدم سريان القانون إلا بعد ثلاثة شهور من المصادقة عليه ونشره؟ أهي لعبة جديدة للمماطلة والتسويف، ومن الذي يتحمل المسؤولية حقيقةً إزاء هذا التلاعب الغريب؟.

 

فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرئيس قد يستغرق شهراً، مثلاً، أو أقل أو أكثر، حتى يصادق عليه ويحوله إلى الجهة المختصة بنشره في الجريدة الرسمية (وهي ديوان الفتوى والتشريع في وزارة العدل)، وهذه الأخيرة قد تستغرق شهراً أو شهرين حتى تصدر عدداً من الجريدة الرسمية يتضمن قانون الانتخابات، ولدينا مدة الشهور الثلاثة لسريان القانون بعد نشره، والتي تحدثنا عنها، ثم نضيف إلى ذلك مدة شهرين تحتاجها لجنة الانتخابات المركزية بعد سريان القانون من أجل القيام بالإعداد للانتخابات، من فتح باب الترشيح والاعتراض وما إلى ذلك، فنكون بصدد حالة أقرب ما تكون إلى الهزلية وعدم الجدية والاستخفاف بالجمهور والفصائل والمؤسسات، والاستمرار في ذبح الوطن في سبيل تحقيق وتحصيل المآرب والمنافع الفئوية والذاتية.

 

من الواضح أن المماطلة والتسويف هي سيدة الموقف، وهذه المماطلة قد تكون من قبل المجلس التشريعي، كما رأينا سابقاً من خلال عدم إقرار القانون في موعده. وقد تكون المماطلة من خلال التلاعب، أو على الأقل، سوء استخدام الصلاحيات الدستورية والنصوص القانونية، كما يحصل الآن بعد إقرار القانون، والنص فيه على سريانه بعد ثلاثة أشهر من نشره.

 

الوضع الداخلي الفلسطيني بالغ التعقيد، ولا يبدو للأسف أن حالة التوتر والشد والجذب، والضبابية وعدم وضوح الرؤيا ستنتهي قريباً، طالما لم تحصل تغيرات جذرية في القناعات، تؤدي لتقديم المصلحة العامة على كل مصلحة أخرى، وللكف عن المراوغة ومحاولات كسب الوقت، وهو الأمر الذي لم يحدث للآن برغم كل المعاناة والتجارب المريرة التي مر بها شعبنا الفلسطيني المعذّب.