|
كالعادة فعند كلّ تغيير حقيقي أو وهمي في الساحة الفلسطينية الرسمية نعود
لنسمع من الفريق الجديد أو المتجدّد ذات الدعوات و التصريحات الداعية
لإعلان هدنة و وقف المقاومة ، بذريعة ذات المبررات ، وحدانية السلطة ،
سيادة القانون ، المصلحة الوطنية العليا ، ضبط الفوضى ، التخفيف عن الشعب
الفلسطيني . و من أجل هذا تهلّ الدعوات و التحرّكات من أجل الحوار
الفلسطيني - الفلسطيني تحت ذات العناوين البراقة كذلك تعزيز الوحدة ،
تحقيق الشراكة بالقرار ، الاتفاق على أسلوب المقاومة و لونها و حجمها و
وقتها .
و الحقيقة أن ما
يُساق من مبرّرات للمطالبة بالهدنة أو الحوار هي فعلاً أمور مركزية
يحتاجها الفلسطينيون ، بل هي على رأس مطالبهم من السلطة الفلسطينية ، و
يشكّل غيابها عامل قلقٍ دائم للشعب الفلسطيني ، و لكن لماذا طرحها بهذا
السياق و ربطها بالهدنة المطلوبة ؟
فهل المقاومة و
الانتفاضة هي السبب بغيابها حتى تطرح كمبررات لدعوات الهدنة و إعلان وقف
إطلاق النار و وقف المقاومة بكافة أشكالها و بأي مكان كانت ؟!
و هل كانت هذه
الأمور متحقّقة قبل انطلاق الانتفاضة و عمليات المقاومة ، يوم كانت
السلطة في عزّها و قوتها ؟!
و هل سبق و أن
تحقّقت الوحدة الوطنية بهذه الصورة الراقية بفضل المقاومة أيام سراب
التسويات على سبيل المثال فقط؟!
و أسئلة كثيرة تطرح
في هذا المجال حول هذا الإصرار لإعلان هدنة و وقف إطلاق النار و المقاومة
، و كأن الهدنة هي طريق التحرير ، و المقاومة و الدفاع عن النفس هي
المشكلة و العقبة و ليس الاحتلال .
إننا نؤكّد على
ضرورة تحقيق هذه الشعارات لتصبح حقائق ملموسة على الأرض يتمتّع بها كلّ
الفلسطينيين ، و نؤيّد إعلان هدنة من أجل تحقيقها ، و لكنها ليست الهدنة
المطروحة لوقف المقاومة ، و تقديم خدمة للمحتل الصهيوني للخروج من مآزقه
المتتابعة و المستفحلة في كيانه بفعل المقاومة ، إنما هي هدنة من نوعٍ
آخر و في جهة أخرى حيث لا يأتي منها سوى الخراب و الدمار ، و ليس فيها
سوى تنازل و مشتقّاته ، هدنة حقيقية في هذا الاتجاه إذا ما تحقّقت فسوف
نلمس الإمكانية الكبيرة لتحقيق تلك الشعارات المهمة .
إنها هدنة نطلبها من
النهج السياسي المتبع من قبل السلطة الفلسطينية ، نطلب فيها وقف
الاشتباكات السياسية المدمّرة لكلّ ما هو فلسطيني ، حتى يتسنّى لنا فعلاً
التقييم السليم لما وصلنا إليه من خلال هذا النهج و ماذا حقّق من تلك
الوعود السنغافورية التي وعد بها ؟؟ .
هدنة تتيح لنا معرفة
إلى أين نحن ذاهبون من خلال هذا النهج و ما هو السقف إن وجد !!
هدنة نعزّز من
خلالها وحدانية السلطة من خلال المؤسسة فلا نعود لنعيش بالأزمات تلو
الأزمات بسبب ذلك !!! .
هدنة تتحقّق بين
المتنافسين على الكرسي ، أو المتسابقين نحو عقد الوثائق ، و المبادرات مع
الصهاينة !! .
نريد هدنة من هذا
النهج القائم لنحقّق التكامل بين المؤسسات لا التصارع ، و نريد تعزيز
المؤسسات و دورها لا أن تكون فقط للتمرير .
نريد منه هدنة لنضبط
حالة الفوضى العارمة في صفوف المؤسسات و المسؤولين و القيادات حتى لا
نعود نرى عضو التشريعي يذهب للتوقيع على وثيقة بالكواليس لا تعير أدنى
اهتمام لثوابت الشعب الذي انتخبه ، و حتى نحدّد إن كان من الجائز لعضو
لجنة تنفيدية أو عضو وفد تفاوض ، أو مسؤول ملف حساس كالقدس و اللاجئيين
الذهاب لإبرام إتفاقيات مع أطراف صهيونية بذريعة أنه موقف غير رسمي .
نريد من النهج
القائم هدنة حتى نتمكّن من تحقيق سيادة القانون ، و احترام القضاء ، حتى
لا يبقى التجاهل و الرفض لقرارات المحكمة العليا موجود – كما الحال في
قضية المعتقليين السياسيين – أو المماطلة مع القضاء – كما الحال مع قضية
الجمعيات التي ترعى الأيتام و الفقراء و لا تستطيع السلطة توفير حاجتهم –
و حتى لا نعود نرى فساد أو محسوبيات ، أو ...الخ .
نريد الهدنة من هذا
النهج ليتعرّف الشعب على حقيقة الذين أشبعونا بطولات عبر الفضائيات منذ
بداية الانتفاضة و إذا بالأيام تكشف أنهم منذ ما قبل الانتفاضة و هم
مشغولون بإعداد تنازلات بالثوابت و المقدسات للعدو الصهيوني .
نريد هدنة لينعم
الشعب بالعدالة و المساواة ، و يتخلّص من المظاهر و السلوكيات
اللاقانونية بحقه ، و حتى نوفّر لقمة عيشه بكرامة دون أن يضطر بالخروج
بمظاهرة مطالباً الإفراج عن قوت يومه الذي تم تجميده ، ...الخ .
من هذا النهج القائم
نريد الهدنة و ليس من المقاومة التي حفظت للشعب وحدته و عزّزتها ، و
دافعت عنه و عن أرضه و بيته و أطفاله ، و وفّرت له عوامل الصمود و اللقمة
الكريمة ، و وقفت حائلاً دون تمادي المستخفّين بالثوابت ، و هي التي
أعادت للقضية فعاليتها على الساحات شتى و أعادت الفلسطيني كعنصر لا يمكن
تجاوزه و حقوقه .
و مع المقاومة نريد
حواراً جاداً و استراتيجياً يقوم فعلاً على أساس المصلحة الوطنية العليا
المحدّدة بالثوابت الفلسطينية المجمع عليها و في مقدّمتها زوال الاحتلال
نهائياً و بلا رجعة و كلّ مفرزاته من استيطان و جدار و عدوان ... ليتحقّق
الأمل بالحرية و الاستقلال و تحرير الأسرى و عوة اللاجئين و تطهير
المقدّسات من دنس المحتل الغاشم ، حوار يثمر برنامجاً سياسياً متوافقاً
عليه أساسه حق الشعب الفلسطيني بالدفاع عن نفسه و مقاومته للاحتلال ، و
ليس حواراً تكتيكياً وظيفياً الهدف منه التمرير و الالتفاف ، حوار بأجندة
فلسطينية صرفة نقية من أية شوائب خارجية .
بمثل هذه الهدنة و
هذا الحوار نقف على الطريق الصحيح .
|