|
إنّ توافق القوى
الفلسطينية والسلطة الفلسطينية على إعلان التهدئة الذي اعتُبِر مميّزاً
بالإجماع عليه، ومميّزاً بتوقيته وفي إخراجه وكونه جاء نتيجةً لحواراتٍ
معمّقة سبقته، ورغم أنّ المصلحة الوطنية العليا هي العنوان الكبير الذي
اعتمده الجميع لهذا الإعلان، فإنّ ذلك لا يعني بحالٍ عدم وجود دوافع
أملَتْ اللجوء إليه كضرورةٍ وطنيّة يمكن أنْ نُشير لأبرزها:
أولاً: حاجة كافة القوى الفلسطينية
وتحديداً المقاومة منها لهذه التهدئة لإعادة ترتيب أمورها بصورةٍ تضمن
استمراريتها في مقاومة الاحتلال وصدّ عدوانه المستمرّ والشرس الذي بات
يستهدف حركات المقاومة بدون أيّ ضوابط سعياً منه لإخفاء نجاحات المقاومة
والضربات الموجِعة التي وجّهتها إليه، ولتبرير هزيمته وفراره من غزة
وكأنّها قرار المنتصر لا المنهزم.
ثانياً: التداعيات المترتبة على رحيل
الرئيس ياسر عرفات الذي كان منهجه ربط كافة الخيوط بحكم سيطرته المطلقة
على كافة الإمكانات والعوامل اللازمة لذلك وعدم وجود إمكانيّةٍ لأيٍّ من
خلفائه السير على ذات المنهج بحكم تلك الصراعات الكبيرة الواسعة التي
شهدتها وتشهدها الساحة المتنفّذة في السلطة الفلسطينية وحزبها إنْ صحّ
التعبير، وهو ما مِنْ شأنه أنْ ينعكس بالسلب الكبير على عموم الساحة
الفلسطينية.
ثالثاً: وصول الفريق الذي قَبِلَ سلفاً
بوقف الانتفاضة إلى السلطة الفلسطينية تحت شعار رفض عسكرة الانتفاضة ووقف
فوضى السلاح... هذا التيار الذي يحظى بدعمٍ واضحٍ من الجهات الخارجية
والمستعدّة لتوفير كلّ الإمكانات بين يديه لمواجهة المقاومة وقواها.
رابعاً: سعي السلطة ممثّلةً بالفريق
المذكور لتحقيق تهدئةٍ تمنحها فرصةًَ لترتيب أمورها من جهةٍ وحصولها على
موافقةٍ ودعمٍ أمريكيّ صهيونيّ لمواصلة عملية التسوية بهدوء.
خامساً: استشعار قوى المقاومة إزاء ما سبق
بضرورة التعامل مع التهدئة عساها تحقّق أموراً يمكن إجمالها بالإضافة لما
ذكر:
· منع حدوث أيّ
فتنةٍ وصدامٍ فلسطينيّ داخليّ.
· إمكانية تحقيق بعض
الإنجازات الوطنية من شأنها مساعدة القوى وعموم شعبنا الفلسطيني على
السواء مثل وقف الاستيطان والجدار وردّ العدوان بكافة أشكاله، وقضية
الأسرى والمبعدين.
· فتح الأجواء
الملائمة لترتيب البيت الفلسطيني على أسسٍ سليمة تقوم على المشاركة في
رسم السياسات واتخاذ القرارات.
ورغم كلّ هذه
الدوافع، الإيجابيّ منها والسلبيّ، ووضوحه أمام كافة القوى المقاومة
وأمام الهالة الكبيرة التي رافقت الحوارات السابقة للتهدئة سواءً من
السلطة الفلسطينية التي نقلت للقوى العديد مما يمكن إنجازه كوعودٍ قدّمت
لها ضماناتٍ وما لقِيَته من دعوةٍ غريبة بالتحرّك الجادّ في حال حدوث
التهدئة فضلاً عن الإعلان الصهيونيّ الصريح بأنّه سيتعامل مع التهدئة
لدرجة بدء إعلانه عن خطواتٍ يمكن أنْ تتمّ.
نقول رغم كلّ ذلك
ومرور هذا الوقت على إعلان التهدئة والذي تُرجِمَ على الأرض بصورةٍ
مميّزة بالالتزام والمسؤولية التي أبدتها كافة القوى، لم يلمِسْ الشعب
الفلسطيني أيّة نتائجَ إيجابية ولم يطرأ أيّ تحسّنٍ يذكر على الساحة
الفلسطينية الأمر الذي يوحي بعدم الجدّية والنوايا السلبية اتجاه قوى
المقاومة على وجه التحديد فباتت التهدئة وسيلة استغلالٍ من قِبَل الآخرين
وتحديداً السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال.
ففي الوقت الذي بدأت
السلطة استغلال التهدئة لصالح الاتصالات مع الصهاينة وتمسّكها بذات النهج
السابق في التفاوض كما وضح جلياً عند تسليم مدينتي أريحا وطولكرم ونزولها
بشأن مناطقها عند الإرادة الصهيونيّة في كلّ شيءٍ ومحاولتها وضع القيود
التي تعيق المقاومة تحت شعارات تطبيق القانون وضبط فوضى السلاح, فإنّ
الاحتلال بدأ منذ إعلان التهدئة باستغلال فترة الهدوء للاستمرار في
عدوانه بشتى الأساليب وإنْ كانت في ضوضائها الإعلاميّة أضعف إلا أنّها
مسّتْ في جوهرها الخطوط الحمر وعلى رأسها استهداف الأقصى وتوسيع
الاستيطان بشكلٍ كبيرٍ مع الاستمرار بالجدار العنصري خاصة حول القدس،
وذلك دون توقّفٍ للأساليب الإجرامية الأخرى كالاغتيالات والاعتقالات
والاجتياحات.
أمام هذا الاستغلال
لحالة التهدئة الموجودة فإنّه بات من الضروري إعادة النظر في مسألة
استمرار التهدئة وحتى ينظر لعملية إعادة النظر والتقييم هذه بالجدّيّة
المطلوبة فلا بدّ من تحديد سقفٍ نهائيّ لهذه التهدئة يكون آخر موعدٍ لدفع
استحقاقات التهدئة بشكلٍ حقيقيّ وجدّيّ بعيداً عن المزاجية الاحتلالية،
وهذا الموقف من قوى المقاومة له ما يبرّره من كافة الجوانب، فهو لا
يتعارض مع إعلان التهدئة المعلَن حيث إنّ هذا الإعلان كان مشروطاً بوقف
العدوان بكافة أشكاله وهذا ما صرّح به أكثر من مسؤولٍ في السلطة ولهذا
ارتضاهُ الشارع كونه سيوفّر الحدّ الأدنى من الأمن والأمان وإنهاء معاناة
الأسرى وذويهم وحفظ الأرض وهو ما لم يحدثْ، بالتالي فإنّ الشعب الفلسطيني
سيعود لمطالبة المقاومة بالوفاء بعهودها.
فلا يُعقَل أنْ تبقى
قوى المقاومة مكتوفة الأيدي أمام ما يتعرّض له شعبنا وما يتعرّض له كوادر
المقاومة ومحاولات الاستفراد بهذه القوة أو تلك وتكتفي بأنْ تُحصي
الشهداء والجرحى والأسرى والأمتار المصادرة، وتشاهدَ وترقُبَ امتداد
الجدار وتوسيع المستوطنات والتهديد المباشر للأسرى.
وأخيراً فإنّ
التهدئة لم تكنْ بحالٍ إنهاءً دائماً للصراع ووقفٍ بدون مقابل، ففي حين
عدم تحقيق المقابل فلا معنى لذلك.
|