|
انشغل الشارع
الفلسطيني وقواه السياسية في الأسابيع الماضية بقرار الرئيس
الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في
السابع عشر من تموز/يوليو
القادم دون تحديد موعد جديد لإجراء تلك الانتخابات. وما نحن بصدده في
هذا المقال محاولة لاستقصاء خلفيات ذلك التأجيل،
وتداعياته المختلفة على الساحة الفلسطينية التي علقت على الانتخابات
الكثير من الآمال.
*خلفيات قرار التأجيل
أولاً: التخوف لدى حركة
"فتح"
من خسارة جديدة في الانتخابات التشريعية بعد
الأداء غير المقنع الذي أظهرته قوائمها في الانتخابات المحلية،
وما حققته حركة حماس المنافسة من نتائج أذهلت الجميع،
وأصابت "فتح"
بالصدمة سيما تلك التي تتعلق بفوز الحركة في مواقع معروفة تاريخيا بأنها
معاقل فتحاوية، أو
في المواقع ذات الكثافة السكانية العالية،
وقلقيلية مثال،
وهذا يعني أن حماس أصبحت مؤهلة للحصول على مقاعد أكثر في المجلس التشريعي
دون أن يسعف "فتح"
التغطية على تلك النتائج من خلال فوزها في انتخابات مجالس لمواقع صغيرة.
ثانياً: الصراعات بين مراكز النفوذ السياسي
في "فتح" التي لم تستطع إخفاءه لفترة طويلة رغم الظهور بمظهر الحركة
الموحدة بعد وفاة زعيمها التاريخي ياسر عرفات،
كي تحافظ على سيطرتها على مراكز النفوذ،
وكرسي السلطة ومقدراتها، فما هي إلا فترة وجيزة حتى عادت هذه الصراعات
تطفو من جديد على السطح على خلفيات مختلفة،
كالصراع بين كل من الداخل والخارج، بين الجيل الجديد والحرس القديم، بين
فريق الرئيس الراحل عرفات، وفرق عباس ودحلان وغيرهم، بين فريق التنظيم
وفريق المتنفذين إلى آخره.
والجامع الوحيد
الذي يمكن الإشارة
إليه كهدف لهذه الصراعات هو الحصول على نصيب من الكعكة،
حتى لو كانت محروقة، هذه الصراعات التي تحول دون اصطفاف حركة
"فتح"
خلف تيار تنظيمي واحد، وإنما دائما هناك جيوب وهناك عدة قوائم وهناك
صراعات، وهذا كله
من شأنه أن يهدد إمكانية تحقيق "فتح"
لانتصار مأمول، بل هو مؤشر نحو الخسارة لفتح في أي انتخابات يكون لها
منافس حقيقي كحماس التي قررت مؤخرا المنافسة على التشريعي، لذلك فإن
تحقيق التوافق الفتحاوي ضروري وأساسي لإقرار الانتخابات،
وتحديد موعد لها لأن ذلك من شانه أن يرفع احتماليات تحقيق
"فتح"
لنتائج، وبدونه
تكون الاحتمالية ضعيفة.
ثالثاً: الإملاءات والاشتراطات الخارجية
وقد تكون هذه الخلفية من أكثر ما يستفز
"فتح"
والسلطة،
ويدفعها للدفاع عن نفسها أماما رغم كونها واضحة وضوح الشمس إذا ما ألقينا
مجرد نظرة سطحيه لتسلسل الأحداث والتصريحات،
وعندما نذكر الاملاءات والاشتراطات، فإننا نقصد بالتحديد تلك الصادرة من
الاحتلال (الإسرائيلي)
والأمريكان، فإذا كانت الوعود الأمريكية و(الإسرائيلية)
فضفاضة وسخية يوم كانت المساعي تبذل من قبل السلطة،
وبرعاية مصرية للحصول على تهدئة وهدنة من قبل قوى المقاومة،
فإن مردّ ذلك يعود بنظرنا لأمرين:
الأول: هو الأمل باحتواء وتحجيم قوى
المقاومة، وعلى
رأسها حماس.
والثاني: هو توفير الأمن والأمان لدولة
الاحتلال.
وهذا ما يمكن أن
يتحقق بوقف المقاومة مما يتيح للاحتلال تنفيذ سياساته بهدوء،
وبدون عراقيل من جهة،
ومن جهة أخرى إظهار هروبه من قطاع غزة تحديدا على أنه نصر،
وقرار منتصر، وليس
هزيمة أمام ضربات المقاومة.
أما وأن عملية
الاحتواء لم تتم وكذلك التحجيم، بل إن
قوى المقاومة تظهر عمق جذورها ورسوخها ولالتفاف الجماهير حولها،
وأن قوى المقاومة تحديدا
حماس تتعزز مكانتها في الشارع الفلسطيني،
ويلتف حولها الشعب وتفوز في الانتخابات بهذا الحجم الكبير وتكتسب الشرعية
عبر الانتخابات،
فهذا لا يمكن أن تغض أمريكا الطرف عنه وكذلك الاحتلال، وهذا فعلا ما كان
عندما أعلن فوز حماس،
حيث سارع الاحتلال إلى التراجع عن كل ما لمح وصرح أنه مقدم عليه من تقديم
مساعدة لتقوية السلطة عبر خطوات تعزز مكانتها كالانسحاب والإفراج عن
المعتقلين ووقف العدوان بأشكاله، بل أكثر من ذلك أن أركان دولة الاحتلال
وبصراحة أعلنوا ضرورة حرمان حماس من حق المشاركة في الانتخابات وأصدروا
التهديدات إذا ما فازت حماس،
وهو ما فُهم كوسيلة للضغط على السلطة لتقوم بمواجهة قوى المقاومة.
رابعاً: السعي لتحقيق إنجازات قبل
الانتخابات، حيث
أدركت "فتح"
التي تقود السلطة أنه إذا أمكن تحقيق بعض الإنجازات التي يشعر بها الشعب
الفلسطيني فإن من شأن ذلك أن يرفع نصيب "فتح"
ويرفع احتمالية حصولها على نسبة أعلى في الانتخابات،
لذلك نرى السلطة بعد الانتخابات الأخيرة أنشط في الاتصالات مع الجانب
(الإسرائيلي)
وعلى أكثر من خط.
خامساً: الخروج من تفاهمات القاهرة،
فإنه من المعلوم أن تفاهمات القاهرة كانت تقوم أساساً على أمرين،
التهدئة وترتيب البيت الفلسطيني،
والأمر الأول قد تحقق من خلال إعلان حالة التهدئة
بصورة جماعية، لكن
ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي أمر بات محل تهديد لنفوذ
"فتح"
على المؤسسات الفلسطينية بعد اعتماد مبدأ الانتخابات وسيلة لتحديد حجم
القوى، وبالتالي
الهيمنة على المؤسسات وفق حجومها الحقيقية،
ولا يمكن لفتح أن تتصور خسارتها قيادة مؤسسة مثل منظمة التحرير
الفلسطينية لصالح أي فصيل آخر،
سيما في ظل الحديث عن صعود جماهيري كبير لمنافسها التقليدي حماس.
سادساً: دفع المعارضة وحماس تحديداً
لمقاطعة الانتخابات،
إن قرار التأجيل هذا دون توافق وطني قد يدفع حماس
لإعلان مقاطعتها للانتخابات،
وعدولها عن قرار المشاركة فيها هو ما من شأنه لو تحقق أن يجعل
"فتح"
تخوض الانتخابات دون منافس حقيقي،
لتعلن أنها ممثلاً شرعياً اكتسب شرعيته من صندوق الانتخابات النزيهة التي
تنافست فيها قوى الشعب تماماً كما حدث في الانتخابات الرئاسية.
* تداعيات محتملة لهذا القرار
من خلال ما تقدم
سرده من خلفيات وأسباب (أحسبها) مقنعة لمعرفة دوافع تأجيل الانتخابات،
يمكن السير قدما للوصول إلى الظروف التي يمكن أن تجرى فيها الانتخابات
وهي بنظري:
1) نجاح السلطة
التي تقودها "فتح"
لتحقيق الوفاق في البيت الفتحاوي عندما يعقد المؤتمر الفتحاوي الذي تم
تأجيله أيضا إلى أجل غير مسمّى لتجاوز المزيد من الخلافات الداخلية.
2) بمدى تكرم
دولة الاحتلال بانسحابات جزئية مقابل املاءات تسجل لصالح السلطة و"فتح"
كإنجازات تسهم برفع رصيدها.
3) بمدى تكرم
الدول المانحة بتوفير الدعم الاقتصادي اللازم للسلطة و"فتح"
لتستطيع حلَّ بعض المعضلات التي تعاني منها، ومنها تخفيف البطالة،
وحالة الركود الاقتصادي.
وباختصار،
تحديد موعد الانتخابات القادم مرهون بضمان
"فتح"
أن تحقق فوزا لها في الانتخابات التشريعية،
وضمان بقاء تفردها بالقرار والنفوذ.
|