|
لم
يكد الصهاينة يعلنون
عن نيتهم بالهروب والانسحاب من القطاع غزه – والتي ما زال الغموض يكتنفها
– حتى انكبوا للبحث عن الوسائل التي تسهم في إخفاء حقيقة السبب الذي
يدعوهم لمثل هذا الانسحاب والهروب، وهو الإرادة الفلسطينية متمثلة
بالصمود والمقاومة، ومن ذاك الوقت أصبح الشغل الشاغل للمؤسسات الصهيونية
على مختلف أشكالها ومواقعها هو كيفية تصوير هذا الهروب على أنه انتصارا
للكيان الصهيوني وليس هروبا وهزيمة، ورغم ما سبق وتحدثنا به حول هذا
الإعلان الصهيوني في المقالات السابقة إلا أننا نجد من الضروري الوقوف
على هذه الوسائل الصهيونية التي يستخدمونها لتحقيق مرادهم إن تم
الانسحاب، ثم لنرى إن كان بإمكانهم فعلا بهذه الوسائل تغيير الحقائق أم
لا.
ويمكن تلخيص ابرز الوسائل الصهيونية بالآتي:
أولا: توسيع ورفع وتيرة العدوان الصهيوني ضد قوى المقاومة وتحديدا حركة
المقاومة الإسلامية – حماس – بتركيز عمليات العدوان لتصل إلى كل ما له
صلة بها، فضلا عن التركيز للنيل من قياداتها وكوادرها. وبهذا يهدف
الصهاينة إلى إشغال حماس والمقاومة بخسائرها وحماية نفسها عند لحظة
هروبهم من القطاع مما يحرمها بحسبهم استشعار لحظة النصر وجعله ثمرة
للمقاومة.
ثانيا: رفع وتيرة العدوان ضد عموم الشعب الفلسطيني والمس به وبمصالحه
ولقمة عيشه وتصويره بأنه رد على أعمال المقاومة وبسببها أملا بإحداث شرخ
بينه وبين قوى المقاومة، سعيا بعزل المقاومة عن حاضنتها الأساسية وهي
الشعب. وبنفس الوقت إشغال الشعب بما حل به عما تحقق من انتصارات لهم بفعل
المقاومة.
ثالثا: استخراج كل ما في جعبته من وسائل وأساليب خسيسة لاستخدامها في
إشعال صراع فلسطيني فلسطيني سوءا بواسطة عملائه على الأرض، أو عبر إعلامه
ودعايته المفضوحة مثل ترديده عما اسماه استعدادات حماس للسيطرة على
القطاع، أو استخدامه الوسيلة الأخطر لتحقيق ذلك وهي إصراره على أن تواجه
السلطة قوى المقاومة وحركة حماس كشرط وخيار وحيد لدمجها بأي تحرك سياسي.
رابعا: انتهاج التخويف والابتزاز لتحقيق مراده سوءا مع المحيط العربي، أو
مع الحليف الأمريكي المنشغل بالانتخابات والساعي لتحقيق هدوء يوفر له
دعما انتخابيا، فتارة يقول محلل صهيوني عبر الفضائيات أن الانسحاب من غزة
سيعزز التعاون بين حماس والإخوان المحظورة في مصر مما يهدد النظام المصري
بحسب المحلل الصهيوني، وتارة يحذر صهيوني آخر من أن الفوضى التي ستعم
الأراضي الفلسطينية بعد الانسحاب ستؤدي إلى نزوح جماعي... .
والسؤال هو هل تنجح هذه الوسائل بتغيير الحقائق وقلب الهزيمة الصهيونية
إلى انتصار ؟
وهنا من الضروري
أن نفرق بين أمرين الأول هو إمكانية أن ينجح الصهاينة بتنفيذ هذه
الوسائل، والثاني إمكانية أن ينجح الصهاينة أهداف هذه الوسائل.
فأما الأول
فإمكانية نجاحه واردة كونها تتوافق مع الطبيعة الصهيونية القائمة على
التقتيل والتخريب والإفساد والدسائس، وكذلك كون معظم هذه الوسائل تعتمد
في تنفيذها عليهم وحدهم في الغالب وهم الذين يمتلكون بجانب طبيعتهم
الشريرة السالفة الذكر مقومات التنفيذ المختلفة لهذه الوسائل.
أما الثاني
وهو إمكانية نجاحهم في تحقيق مرادهم من استخدام هذه الوسائل فهو الأمر
الغير وارد نهائيا، ونقول ذلك بثقة كبيرة وبلا شك أو تردد، وذلك لأن هذا
مرهون بالمقاومة وتحديدا حركة حماس المستهدف الأول وهما اللذان نعلم
طبيعتهما ومدى وعيهما لهذه المسيرة الهادفة لتحقيق الحرية والانعتاق من
الاحتلال، ولمزيد من الضوء نشير للآتي:
أولا:
أن المقاومة بالنسبة لحركة حماس وقوى المقاومة هي نهج متكامل للخلاص من
الاحتلال، وهي ليست منحصرة في أشخاص ووسائل محدده، وهنا فإن قوى المقاومة
وعلى رأسها حركة حماس قد حققت نجاحها الأول هنا منذ زمن عندما استطاعت أن
تعمق هذا النهج للخلاص من الاحتلال في صفوف الشعب الذي بات بغالبيته
العظمى اليوم لا يؤمن بغير المقاومة لتحقيق حريته، ومن هنا نرى هذا
الالتفاف الواسع حول المقاومة وقواها. وهنا نجحت حماس بتثبيت شعار الجهاد
سبيلنا.
ثانيا: أن كل ما يمكن للاحتلال فعله وتنفيذه ضد المقاومة وحركة حماس هو
مدرج سلفا في حساباتها انطلاقا من فهمها لطبيعة هذا الصراع وما يحتاجه،
وكذلك لمعرفتها بالطبيعة الإجرامية للعدو الصهيوني، لذلك فمهما نفذ
الصهاينة من جرائم بحق حماس وقوى المقاومة الأخرى فلن يؤثر على منهج
المقاومة كسبيل وحيد لإنهاء الاحتلال وبالتالي فلن يفلح الاحتلال من خلال
اغتيال القادة والكوادر بتحويل انتصار هذا النهج إلى هزيمة ومنعه من
الاحتفال بالهروب الصهيوني من القطاع كإنجاز للمقاومة وقوى المقاومة وعلى
رأسها حركة حماس التي تبنت هذا النهج منذ بداية هذا الصراع ولم تحد عنه
يوما رغم كل وسائل الترغيب والترهيب التي تعرضت لها. وهذا يصدق الشعار
الذي رفعته حماس ( الموت في سبيل الله أسمى أمانيها ) فإذا كان الاستعداد
بالتضحية بأغلى ما يملكه الإنسان وهو النفس هو الشعار فكل ما دون النفس
من مصالح ومناصب وأموال وممتلكات سيكون ادعى للتضحية به.
ثالثا:
أن التجارب التي مرت بها المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس وعامة
الشعب الفلسطيني تثبت أن الجرائم لم تكن يوما حائلا دون استمرارية
المقاومة، وأن تغييب القادة لم يكن ليوقف العمل للحظة والواقع يشهد بذلك،
فهل توقف نشاط حركة حماس في الضفة رغم تغييب غالبية قادتها بين شهيد
وأسير، وهل كفت جنين السام عن المقاومة رغم الجرائم البشعة التي ارتكبها
الاحتلال فيها وخاصة في مخيمها الصامد، وهل استسلمت رفح العزة برغم
الجرائم اليومية بحقها، ألم تخرج بيت حانون وبيت لاهيا تحية للمقاومة
ونصرة لها متناسية جراحها ألنازفه... والسجل طويل.
رابعا: أن
العبرة في الصراعات والمعارك بالنتائج ومدى تحقق الأهداف وليست بتفاصيل
ما دار بالمعركة، وهنا كيف يخفي الاحتلال هزيمته وقد فر من الأرض التي
احتلها وأعلنها أنها أرضه المقدسة رافضا التنازل عنها، وفي المقابل كيف
لا يعتبر هذا الهروب انتصارا للمقاومة التي استنزفت العدو بعدما كادت
التسويات بتطويب بعضها على الأقل للاحتلال، وكيف لا يعتبر نصرا للمقاومة
التي أعلنت أن هدفها هو تحرير الأرض من دنس المحتلين.
وختاما وحتى لو نجح الاحتلال بتحقيق بعض أهداف وسائله قبل الانسحاب فهل
يغير ذلك من حقيقة أن هدف المقاومة بإنهاء الاحتلال قد تحقق ، وجدلا لو
حدث المحذور ووقع صراع داخلي لا قدر الله - وهو الأمر الأكثر استبعادا
لإجماع الشعب الفلسطيني على حرمته ومنع حدوثه - فهل يغير من حقيقة هروب
وهزيمة الصهاينة ،بالتأكيد لا وليس أدل على ذلك من أن الهزيمة باتت سمة
الروس في أفغانستان والنصر سمة المجاهدين هناك ولم تغير الأحداث التالية
لهزيمة الروس هذه الحقيقة رغم ما فيها من ألم ومرارة ، وكذلك لن تغيير أي
أحداث تقع في فلسطين بعد هزيمة الصهاينة من حقيقة هزيمتهم ، مع قناعتنا
التامة أن الأمور في فلسطين سوف تفاجئ العدو والصديق بعد التحرير بفضل
وعي الشعب الفلسطيني وبفضل إخلاص قوى المقاومة وحرصها على أن ينعم شعبنا
بجانب الحرية بالأمن والرخاء والاستقرار الذي حرم منه طويلا ، ولتبدأ
الاستعدادات للجولات القادمة لتحرير باقي الأرض الفلسطينية .
|