الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

إرشيف مقالات الأستاذ رأفت ناصيف

عودة

 

الحوار الفلسطيني تحت الضوء

 

 بقلم / رأفت ناصيف - حركة حماس – طولكرم

 

          حرمة الدم الفلسطيني وحرمة الاقتتال الداخلي شعار حظي بإجماع فلسطيني عام لم يحظَ  به أي موضوع آخر رغم اختلاف المناهج والدوافع، وما ذلك إلا لوصول الجميع لقناعة مفادها أن أي تجاوز لهذه القاعدة فإن الضرر سيعم الجميع بلا استثناء ولن يكون هناك رابح في حال وقوعه؛ ومن هنا تعددت جولات الحوار الفلسطيني الفلسطيني جامعة جميع ألوان الطيف الفلسطيني في أكثر من جولة ومحطة، الإ أن هذه الحوارات كانت بمجملها ردة فعل أو نتيجة لأزمة وقعت أو بوادر أزمت تلوح بالأفق... وإذا لم تخني الذاكرة فإن أي حوار لم يعقد بدوافع طبيعية ليضع الأسس الصحيحة التي من شأنها تشكل عامل وقاية من الأزمات بدلا من أن تكون أثرا من آثارها.

هذه هي الصورة المنطبقة على الحوارات السابقة إبان الانتفاضة الكبرى من الخرطوم فالقاهرة فنابلس، وعلى الحوارات الحديثة خلال انتفاضة الأقصى الحالية وصولا إلى الحوار الحالي في القطاع، لهذا لم نشهد أي إنجاز ملحوظ من هذه الحوارات فالوضع قبل الحوار هو ذاته بعد الحوار، أما النتيجة الروتينية فكانت التأكيد على مسألة الوحدة وقدسية الدم الفلسطيني والدعوة لتسود لغة الحوار بين أبناء الشعب الواحد، هذا التأكيد النظري هو بلا شك من الأهمية بمكان، ولكن هذه الحوارات لم ترقَ لتضع الأسس الكفيلة بترسيخه عمليا على الأرض والممارسة الأمر الذي جعل ذات الأحداث التي استوجبت التوجه للحوار في كل مرة موجودة.

 أما النتيجة الثانية لمثل هذه الحوارات الاستخدامية فهي خروج المتحاورين للإعلام ليوصف ما جرى بالحوار بالصورة التي أراد الحوار من أجلها ليظهر التناقض بين المتحدثين فيعقبه تحميل بعضهم البعض لهذا الإخفاق أو ذاك.

          ولأهمية الحوار البناء والمثمر كونه ضرورة ملحة ومطلبا شعبيا عاما ، ولكون الآمال تعلق عليه ويرجى منه الاطمئنان على المستقبل ، وأن نتيجته بالضرورة تعكس مدى القدرة والوعي والمسؤولية التي يتمتع بها شعبنا كشعب مؤهل وقادر على تسيير أموره ودون أية وصاية من أحد،من أجل ذلك كان لا بد من الوضوح والصراحة في التقييم ، وكونه يوجد حوار جارٍ الآن في القطاع فإننا نسلط الضوء لنتعرف على الظروف التي ينعقد الحوار في ظلالها ، وما الهدف المنشود من هذا الحوار؟ وما هي العوامل المساعدة لتحقيق هذا الهدف؟ وما هي العقبات والعوائق التي يواجهها الحوار؟ لنختم بناء على ذلك بما هو المتوقع بناءا على المعطيات.

 

أما الظروف التي استدعت هذه الجولة من الحوار أو تلك التي جاء الحوار في ظلالها فنلخصها ب:

          أولا: الإعلان الصهيوني حول خطته أحادية الجانب وعزمه على الانسحاب من القطاع من طرف واحد، بجانب مع حملة الترويج الإعلامية المقصودة بشأن ما ستؤول إليه الأمور بعد هذا الانسحاب، فتارة نرى تهويل لما سمي بحالة الفوضى السائدة أو التي ستسود، وتارة أخرى الإشاعة بأن حركة حماس تجهز للسيطرة على القطاع...الخ.

          ثانيا: يأتي في ظل استمرار المحاولات لعزل قيادة السلطة الفلسطينية وإنهاء دورها وتحديدا الرئيس عرفات حتى وصل الأمر إلى التلويح بتهديد حياته، بجانب السعي الحثيث لإثارة الخلافات والصراعات في الساحة الفلسطينية سوءا بين السلطة وقوى المقاومة، أو بين القوى فيما بينها، وحتى المحاولات لدب الخلافات داخل القوى ذاتها ولعل ما شاهدناه من بعض مظاهر الخلاف في فتح وما كان يأمله الاحتلال من وراء جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين وروج له يبرز ذلك بجلاء.

         ثالثا: يأتي في الوقت الذي تكشر فيه الإدارة الأمريكية عن أنيابها بدعمها السافر والعلني لمخططات الصهاينة وتبرير جرائمه لا سيما مع تصاعد أزمتها في العراق وأفغانستان ومع اقتراب الموسم الانتخابي عندهم.

         رابعا: يتزامن مع افتضاح المؤسسة الرسمية العربية وعجزها عن تقديم أدنى ما يمكن لصالح قضايا الأمة وفشلها أو إفشالها لانعقاد القمة التي جاءت بالتزامن مع أحداث جسام في فلسطين والعراق.

         خامسا: يأتي بعيد جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين وما أعقبها من ردة فعل رسمية وشعبية، واتساع ذلك ليشمل ليس الأرض الفلسطينية المحتلة من بحرها إلى نهرها، بل ليصل إلى كل الساحات العربية والإسلامية وكثير من الساحات الدولية حيث وجد الفلسطينيون، الأمر التي جعل الوحدة الفلسطينية تتجلى بأرقى صورة يشهدها الفلسطينيون حيث تتوحد فيه المؤسسة الرسمية والشعبية مع الجماهير في فعالية موحدة ولأول مرة بهذه الصورة حيث الحداد العام وقبول التعازي والاحتجاجات يشمل الجميع دون استثناء، إضافة للتهديدات الصادرة عن مختلف القوى بالرد على هذه الجريمة مما يدلل على أن الأمور تتجه نحو المزيد من التصعيد وربما النوعي.

الهدف المرجو من الحوار

وبالانتقال إلى محاولة التعرف على المطلوب من هذا الحوار فإننا بسهولة ومن خلال قراءة سريعة لعيون المواطن الفلسطيني، وتصفح سريع لكافة ما يصدر عن القوى والشخصيات من تصريحات ومواقف من مختلف التوجهات الفلسطينية نتوصل أن ما يرجى هو التوافق على برنامج وطني شامل يؤكد على الثوابت ويحافظ على الحقوق ويوفر الحياة الكريمة للمواطن الفلسطيني، أما أبرز مفردات هذا الهدف فهي:

1-   تحديد الهدف المنشود من هذه الانتفاضة عن طريق التوافق على قاعدة عدم السماح بالمس بالثوابت والحقوق المجمع عليها وأن لا يكون هذا الهدف على حساب قضايا أخرى.

2-   التوافق على الوسائل والأساليب لتحقيق الهدف المنشود على قاعدة حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال، ودون إقصاء أي خيار لحساب الخيار الآخر بل بتعزيز التكامل بين الخيارات المختلفة.

3-     الوصول لمنهج واضح المعالم لتحقيق الإصلاح الداخلي في شتى جوانبه المؤسسية والتنظيمية والإدارية والمالية والوظيفية.

4-   التوافق على تشكيل هيئة قيادية جماعية تتحقق فيها الشراكة الحقيقة سواء فيما يتعلق برسم السياسات أو اتخاذ القرارات بحيث تكون هذه القيادة هي المرجعية الوحيدة سواء تم هذا الأمر عن طريق إعادة بناء المؤسسة القائمة على أسس تتلاءم مع المستجدات على الساحة، أو إنشاء هيئة جديدة.

5-     العمل على تحقيق الانتخابات في كافة المؤسسات حتى لو اقتضى الأمر أن تكون على مراحل بحسب ما تسمح به الظروف.

6-   وأخيرا اعتماد مبدأ قدسية العمل المؤسسي ورفض العمل ألاستفرادي بكل صوره، بجانب تعزيز العمل التخصصي وعدم السماح بتداخل التخصصات أو الإنقاص من قدرة أي مؤسسة عن القيام بمهامها وتحديدا المؤسسة القضائية، مع تعزيز مبدأ المحاسبة.

العوامل التي تساعد في تحقيق الهدف المنشود:

1-     المطلب الشعبي العام والذي أصبح صوته مسموعا أكثر من أي وقت مضى.

2-     شمول وبشاعة العدوان على الشعب الفلسطيني والذي يستهدف الجميع دون استثناء.

3-   الحملة المسعورة التي يشنها الاحتلال وتسهم فيها أطراف إقليمية ودولية لدب الفرقة والخلاف في الساحة الفلسطينية ليتسنى لهم فرض قيادات أو وصاية تمهد لتطبيق الأجندة الصهيونية في فلسطين.

4-     فشل كافة التجارب السابقة التي راهنت على إمكانية تحقيق الأهداف بواسطة المفاوضات والرهان على إنصاف المجتمع الدولي التي تعرى بمواقفه الاخيره.

5-   انكشاف السياسة الصهيونية الإجرامية التي تقوم على الاستفراد بالفلسطينيين المجموعة تلو الأخرى بعدما نجحت بمساعدة النظام الدولي بعزل المحيط العربي والإسلامي عن الصراع إلى حد كبير، وهذه السياسة بدأت بالتركيز على الإسلاميين ثم ضمت أليهم الأجنحة المقاومة من القوى الأخرى وها هي تستهدف اليوم القيادات فتغتال الشيخ ياسين وتهدد حياة الرئيس عرفات.

6-   محاولات الصهاينة بدعم أمريكي ودولي لاستقطاب شخصيات مستعدة للتفريط بالحقوق الفلسطينية مقابل ما يمنوهم به وقد رأينا أنهم استطاعوا فعلا تحقيق شئ من هذا.

7-   وصول الجميع لقناعة أكيده بأنه لا يمكن لأحد تجاوز الأخر فلكل حضوره وقوته ودوره وتضحياته التي لا يمكن تجاهلها، مما هيئ الاستعداد من الجميع للوصول إلى الهدف المنشود.

8-     أن ما بذله الشعب الفلسطيني من جهود وتضحيات ودماء مهدد بالضياع إن لم يتحقق الوفاق الداخلي.

 

العقبات والمعيقات أمام خروج الحوار بنتائج مرجوة:

أولا: عقبات خارجية:

ويمكن تلخيصها بالمحاولات المتواصلة لإحداث خلافات فلسطينية داخلية وهو ما سبق وأسرنا إليه، وهو يمارس بعدة صور منها المباشرة كما رأينا مؤخرا الموقف الأمريكي الوقح الذي يعلن رفضه لوفاق بين السلطة وحركة حماس وكذلك المواقف الصهيونية ألمعروفه.أو غير مباشرة كالمطالب الأمنية التي تدعوا لمواجهة قوى المقاومة والتي نتيجته معروفة إن حدث وهي الاقتتال.

 

ثانيا: عقبات فلسطينية داخلية:

1-   إصرار البعض على التمسك بالتسويات وما بها من التزامات برغم أن الأطراف الأخرى لا تعيرها أي اعتبار من جهة وبرغم ما فيها من التزامات مجحفة للفلسطينيين ومخاطر على الوحدة الفلسطينية.

2-   محاولات تحيير الحوار ليصب في خدمة نهج على حساب نهج آخر ولعل تصريحات د.نبيل شعث الأخيرة التي اشترط لتحقيق الشراكة مع حركة حماس بالتزامها بوقف المقاومة(إطلاق النار الشامل).

3-   كون البعض لا يريد التوصل لمثل هذا التوافق المنشود كونه قد يحد مما يتمتع به من امتيازات بفعل الوضع القائم إن لم يفقده وهذا الأمر ينسحب على الشخصيات المتنفذة وبعض القوى كذلك.

4-   رفض البعض الاعتراف بحقيقة حدوث مستجدات كبيرة في الساحة الفلسطينية، والإصرار على التعامل مع الآخرين بلغة التابع المطيع والملحق ،والإصرار على بقاء الوضع على ماهو عليه من سيطرة لطرف دون الآخرين وهذا ما يدلل عليه تصريح هاني الحسن عضو مركزية فتح عندما اعتبر أن حركة حماس وقعت بالفخ الصهيوني عندما تطرح فكرة المشاركة في إدارة القطاع في حال الانسحاب ، مؤكدا أن السلطة موجودة وفتح كذلك وانهما السلطة وفتح قادرتان على ضبط الأمور وأدارتها.

5-   هناك شريحة أخرى تهيئ نفسها للمرحلة القادمة وتسعى لنيل رضى أطراف إقليمية ودولية ووسيلتها للحصول على ذلك الرضا هو إعلان تطابق مواقفها مع ما يريدونه والحديث بالغة التي حددوها وبالتالي فإن حدوث وفاق يتعارض مع ما تسعى إليه فتعمل على تعكير صفو الحوار بتصريحات استفزازية وغيرها.

 

بناءا على هذه الصورة التي قدمناها فإننا نجد أن كل العوامل التي تستوجب الوصول إلى وفاق عام تصب في خدمة المصلحة الوطنية العامة، في حين أن كافة المعوقات هي بعكس ذلك وليس خلفها إلا مصالح أنانية محصورة بأفراد أو مجموعات فقط.

 

وعليه فإن نجاح هذا الحوار مرهون بتعاون المتحاورين على تجاوز أصحاب المصالح الضيقة وعدم السماح لهم بتعطيل الوفاق، وهذا للأسف ما لا نتوقع حدوثه في المرحلة الحالية والقريبة على الأقل لان سيد الموقف الاستسلام لما يسمى أجواء دولية جديدة.

 

وعلى هذا فإن ما يمكن توقعه من الحوار الجاري حاليا لا يتجاوز ما أفرزته الحوارات السابقة من كلام نظري فقط، وهو بذلك سيسهم فقط بالتأكيد على لغة الحوار بدل لغة الاقتتال ولكن دون أن يضع الآليات والأسس التي تضمن الوقاية من ألازمات بدلا من أن نضطر للانشغال بمعالجة آثارها بعد وقوعها.

 

أما ما حدد كأهداف فلا أتوقع تحقيقها ولا أتوقع خروج الحوار ببرنامج متوافق عليه، أو بقيادة موحدة على أساس المشاركة الحقيقة، وأكثر ما يمكن التفاؤل به من هذا الحوار ربما الخروج بصيغة تحدد آليات ضبط الحياة اليومية.

ولعل هذا التوقع الذي قد يبدو فيه شئ من التشاؤم مرده إلى عدم إمكانية القبول بمبدأ المشاركة الحقيقة من قبل المؤسسة القائمة مقابل عدم قبول الجهات التي هي خارج المؤسسة بأن تكون ملحق دون أي تأثير ودون إعادة صياغة للمؤسسة.وهذا الأمر الذي يلمسه كل متابع.

 

ختاما...  فإن الحل الجذري الوحيد للخروج من هذه المعضلة الكبيرة هي الاحتكام للانتخابات على أساس برامج وليس أي أساس آخر، وعندها فقط يمكن للأمور أن تسير للأفضل بوجود مؤسسات تستمد شرعيتها من صندوق الانتخاب، وهنا سيكون من حق الأغلبية تنفيذ برنامجها التي فازت على أساسه وعلى القلية احترام ذلك مع حقها في التمسك ببرامجها والحشد لها ولكن فقط عن طريق اللعبة الديمقراطية.