|
إن الأمم الحية هي
تلك الأمم التي تسمح وتمنح شعوبها حق التعبير، وإبداء الرأي الآخر ولو
كان مخالفا رأي من بيدهم زمام
الأمور، ومقاليد الحكم، بل يجب أن يتعدى الأمر حد التكلم فقط إلى مرحلة
القدرة، والتمكن من المحاسبة والتقويم لأداء الحكام والأمراء، فهذا فاروق
هذه الأمة -والذي فتح الله على يديه دولتي الروم والفرس في غضون سنتين،
وفاضت العطاءات في عهده للرعية- صعد ذات يوم على المنبر وقال: "أيها
الناس اسمعوا وأطيعوا" وقبل أن يتم كلامه قام له أعرابي من عامة
المسلمين وقال: يا عمر لا سمع لك منا ولا طاعة حتى تقول لنا: هذا الشبر
الزائد في ثوبك كيف حصلت عليه، وحصة كل واحد منا لا تسمح له بهذا الطول.
قولوا لي بالله
عليكم ماذا تتوقعون أن يحصل مع هذا المواطن؟ يعترض على عمر بن الخطاب
الذي تهابه العرب والعجم، والذي ثل عروش كسرى وقيصر؟ هل تتوقعون انقضاض
كلاب السلق عليه تتهاوشه؟ أم هل تتوقعون أن يستدعى فلا يرجع إلى يوم
القيامة؟
ثقوا تماما أن الذي
يلجأ إلى الأساليب
البوليسية هو الضعيف وليس القوي، فها هو ابن الخطاب يقول مثنيا على هذا
المعترض على سياسته قائلا: الحمد لله الذي أوجد في رعية عمر من يقول له
من أين لك هذا؟ وبما أن الشبر الزائد في ثوبه شرعي قام سيدنا عمر وعلى
الفور مخاطبا ابنه عبد الله: "أجبه يا عبد الله" فقال الابن: "لقد أعطيت
ثوبي لأبي وهكذا طال ثوبه". فما كان بعد هذا الحوار من الأعرابي المعترض
إلا أن قال: أما الآن فالسمع
والطاعة لك منا يا عمر.
ونتساءل تساؤل
المستفهم: هل من مصلحة الوطن وقضاياه أن يُحجر على الرأي الآخر،
والاجتهاد المقابل لما يرتأيه أولو الأمر في مختلف قضايا الأمة، أم أن
الاختلاف في هذا الباب هو قوة ودعم للصواب، وبالتالي يعود النفع فيه على
المجموع العام.
إن وجود المعارضات
في النظم السياسية المعاصرة تبقي الحكومة في غاية السعي الجاد والمثمر
أثناء ممارسة هذا الحكم، وهكذا يكون المستفيد الأول والأخير هو الوطن
والمواطن.
أما إن غاب الرقيب،
ولا خوف أصلا عند الحكام من الجليل الحسيب فحينها سيتفرعن الحاكم ويسلك
بالقطيع البشري الذي يحكمه أي شِِعب أو أية مهلكة وفقا لمقولة فرعون من
قبل مخاطبا شعبه قائلا: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل
الرشاد" -طبعا بزعمه- مع أن الحقيقية هي أنه: "يقدم قومه يوم القيامة
فأوردهم النار، وبئس الورد المورود".
ويجب أن يعلم الجميع
أن من حق الرأي الآخر في ظل الإسلام، ولو كان مخالفا لرأي الإمام أن يجد
له متنفسا في المجتمع الإسلامي، فكما أن من حق الإمام الشرعي أن يتصل
بالجماهير عبر وسائل الإعلام المختلفة: مرئية كانت أو مسموعة أو مقروءة
وأن يطلعهم على وجهة نظره ويحاول إقناعهم بطرحه واستمالتهم لبرنامجه،
فكذلك الأمر بالنسبة إلى الرأي الاجتهادي الآخر والذي قد يكون التباين
فيه بين الرأيين إلى درجة التناقض، فإن من حق هذا الرأي الآخر أن يمتلك
ويتملك، ويُمكن من كل تلك الوسائل الإعلامية، ووسائط الاتصال بالجماهير،
وها نحن نسمع علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يقول لمن خالفه الرأي وخرج
عن معسكره مخطّئين اجتهاده بل وصل بهم الحد إلى تكفيره لقبوله التحكيم
بين أهل العراق وأهل الشام في معركة "خفين": أقول ها نحن نسمع عليا رضي
الله عنه يقول للخوارج الخارجين عنه طوعه ما يلي:" إن من حقكم علي ألا
أمنعكم مساجد الله، وألا أمنعكم حظكم من الفيء، وألا أبدأكم بالقتال".
ومعنى عدم منع المساجد هو السماح بتملك وسائل الإعلام المختلفة في المجمع
من قبل المعارضة، ومعنى عدم منعهم حظهم من الفيء أن من حق المعارضة أن
تشغل كل الوظائف في الدولة كسائر أفراد المجتمع الموالية للحاكم، أما ألا
يتم التوظيف إلا بعد المرور على الفرازة الأمنية ومعرفة أصل وفصل طالب
الوظيفة هذا، والويل له إن صنف أنه من المعارضة فلا وظيفة له حينئذ ولا
حق له في أي موقع خدمي من مواقع المجتمع.
فهل يعي المسؤولون
في الأمة أن يكون في المجتمع منابر حرة، وأصوات صادقة، لأنها في المحصلة
ستصب في رصيد الجماهير ومصلحة المجموع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.
|