الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أراء حرة

عودة

 

هل حقاً الشعب الفلسطيني فوضوي ومنفلت ؟!!

بقلم الأستاذ إسماعيل هنية

 

كثر الحديث في الوقت الراهن عن  مظاهر الفوضى والفلتان الأمني داخل المجتمع الفلسطيني ، وطغت التصريحات والأحاديث الصحفية على ألسنة العديد من المسئولين في السلطة وبعض الفصائل ، التي توحي لكل مستمع كأن الشعب الفلسطيني قد تحول إلى عصابات إجرامية احترفت السطو المسلح واعتمدت نشر الهلع والرعب في أوساط الناس ، وغدا هذا الشعب مجموعات من قطاع الطرق التي تزرع الفساد والخراب ، وتحرق الأخضر واليابس !!.

 

وبحسن أو سوء نية هذا التوصيف لحال الشعب الفلسطيني ، يحمل مخاطر كثيرة ويشكل إساءة للشعب الفلسطيني ، وتقدمه على غير حقيقته وواقعه أمام نفسه أولاً وأمام شعوبنا العربية والإسلامية فضلاً عن صورته أمام العالم .

 

ومن عجبٍ أن تتعالى هذه الأصوات التي تتهم الشعب الفلسطيني بالرعاع والفوضوية أن تتزامن مع أخطر التحديات التي يتعرض لها شعبنا على الصعيد السياسي والميداني ، فهو يتعرض لمشروعات شارون ومخططاته الماكرة في ضرب الحقوق الفلسطينية ، ورفع وتيرة الاستهداف والتهديد باجتياحات واسعة في القطاع وتوسيع دوائر الاغتيال والقتل الهمجي !!

 

-    هل يعقل أن يتحدث البعض عن الشعب الفلسطيني بهذه اللغة ويقدموه للعالم على هذا النحو وهو الشعب الذي فجّر أعظم حركة تمرد على الاحتلال في التاريخ المعاصر ، وسجل أعظم صفحات التضحية والبطولة والفداء ، وأصبح الشعب الذي يحتذي به من كل عشاق الحرية والعزة والكرامة ؟!

 

-    هل يعقل أن يجري الحديث على هذا النحو الذي يزعج كل حر وشريف ويسيئ للشهداء وللأسرى والجرحى ويمس مشاعر الأمهات والزوجات والأخوات ، في الوقت الذي تثبت فيه مقاومة الشعب الفلسطيني أنها فرضت على المحتل التفكير الجدي بالرحيل عن غزة ، وانكفاء المشروع الصهيوني ، وتعثره ، وتورطه في المآزق السياسية والاقتصادية والأمنية ؟!!

 

-    هل يعقل أن نتحدث بهذا الشكل الخطير في الوقت الذي يثبت فيه شعبنا قدرته على التوحد في ميدان المواجهة والتصدي للعدو في كل ميادينه ، بما في ذلك عمليات المقاومة النوعية ، كما شهدت ساحتنا فى الآونة الأخيرة .

يقف المرء حائراً أمام هذه الموجة من الحديث عن الفوضى العارمة والفلتان الأمني ، والتي تقول – بدون قصد – إن الشعب الفلسطيني ليس جديراً بالحرية والاستقلال أو بحكم نفسه ، وأن الاحتلال هو الأفضل ، لأن الشعب الفلسطيني غير مؤهل لإدارة شئونه الداخلية ، فهو لا يعدو كونه شعباً فوضوياً لا يعرف ماذا يريد ..

 

لا ينكر أحد أن هناك بعض المظاهر التي يمكن أن تقع في أي مكان في العالم ، وقد وقفنا جميعاً أمامها بمسئولية عالية ، ولم نشرعها سواء ما حصل مع الصحفيين مؤخراً أو مع غيرهم ، كوننا نؤمن أن السلامة والعافية ضرورية لاستمرار الانتفاضة حتى تحقق أهدافها الوطنية المنشودة .

 

غير أنه من المؤكد أن هذه مظاهر محدودة ولا يجوز أن نبرزها على أنها حالة من الفوضى والفلتان ونعكسه سلبيا على الصورة العظيمة التي رسخها شعبنا بانتفاضته المجيدة في كل الدوائر المحلية والإقليمية والدولية .

 

ولذلك فإن كثرة الحديث عن الفوضى والفلتان والذي يخيل للمراقبين المساس بالمقاومة والمقاومين فهذا أمر مرفوض من قبل شعبنا وقواه المقاومة ، وإذا كان الحديث عن ذلك بهدف خلط الأوراق والهروب من تحديد المسئوليات فهذا أيضاً مرفوض من قبل شعبنا وقواه الحية ، وإذا كان الهدف من هذا الحديث إحباط شعبنا ، واشعاره  بأن محصلة انتفاضته ليس صفراً - فحسب - بل وفلتان وعصابات سطو وقتل وكان عليه ألا يختار هذا الطريق الوعر ، فهذا أيضاً غير مقبول بل يمثل تجنياً على شعبنا وانتفاضته .

 

إنهاء الفوضى أو الفلتان لا نريده شعار حق يراد به باطل ، ولكن يجب الوقوف أمامه على حقيقته المحدودة ، والتعامل معه بدون تهويل وتضخيم يتناقض كلياً مع حقيقة شعبنا وواقعه ووحدته وانتفاضته وعظمته وقدرته على الصمود في مواجهة أعظم ترسانة عسكرية في المنطقة

 

لقد شاركت كافة القوى فى النقاشات التي جرت حول الترتيبات الداخلية ، والجميع أبدى درجة عالية من المسئولية ، وذلك لقطع الطريق على المخططات الصهيونية الهادفة إلى زرع بذور الفتنة داخل ساحتنا ، وحماية وحدته وعناصر القوة فيه ، بهدف ترسيخ الأمن والاستقرار الداخلي ، ولم يكن مطلقاً بغرض رفع السوط من جديد فى وجه المواطن الفلسطيني أو تشريع الإجراءات التي وضعها شعبنا خلفه بفعل سنوات الانتفاضة والمقاومة المجيدة ... وليس كذلك بهدف خلط الأوراق بين المقاومة الباسلة وبين بعض المظاهر أو الممارسات التي لم يكن للمقاومة علاقة على مدار سنوات الانتفاضة .

 

وقدراً جاء الاتفاق حول هذه الترتيبات عشية التهديدات الصهيونية بشن عدوان شامل على القطاع ، وكأنه جاء في سياق المحافظة على تماسك شعبنا وعدم إشعاله بالجوانب عن التصدي لهذا العدوان المتواصل ، ولم يكن الاتفاق بهذا التوقيت بهدف إشغال الناس بعراكات داخلية ، وإجراءات انضباطية ولدت فجأة دون أن تراعى حالة الاستنفار القصوى التي يعيشها كل أبناء شعبنا وفصائله المقاومة التي تدافع عن الأرض والشعب .

 

حتى نضع الأمور فى نصابها الصحيح ، وحتى نحافظ على صورة شعبنا العظيم ، وحتى نحقق انضباطاً وطنياً ، وحتى لا يبدو الحديث عن بعض المظاهر – التي رفضناها جمعينا – هي كل ما في مادتنا الإعلامية وتصريحاتنا ، فلا بد من أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار :

 

1-   الشعب الفلسطيني ما زال يرزح تحت الاحتلال ، ويتعرض لأبشع عدوان عرفه التاريخ المعاصر ، ولذلك يجب توفير الحماية اللازمة له ، وتوفير المناخات المناسبة لذلك .

2-  لا أحد مع الفوضى أو الفلتان ، ولكن يجب تحديد ماهية الفوضى والفلتان المقصودتين ؟! وهل هي الإجراءات التي يتخذها المقاومون من مختلف الفصائل للتصدي للعدوان والاجتياحات ، والحماية من العملاء والجواسيس !!

3-  إن أي إجراءات لترتيب الوضع الداخلي تحتاج إلى فترة انتقالية ، ليتعود الناس عليها ، ويتكيفوا معها ويجب ان تبدأ هذه الإجراءات والالتزامات بمنفذيها لخلق أجواء من الثقة وعدم التحفز .

4-  يجب التقليل من الحديث عن الفوضى والفلتان ، ويجب التعامل مع الأمور بقدرها دون زيادة أو نقصان ،بل ويجب حماية الصورة المشرقة لشعبنا وصموده .

5-  الكل حريص على سلامة المجتمع الفلسطيني ، وتنقيته من الشوائب ، ولكن ذلك يتم عبر التفاهمات والحوارات والتوعية والتثقيف ، وليس باللجوء إلى العنف والقوة .

6-  لا بد من الاتفاق على آليات محددة تضمن تطبيق القانون ، وفى ذات الوقت تراعى الظروف التي يمر بها أبناء شعبنا وخاصة المقاومة منه ، ويمكن أن يتم ذلك من خلال محددات مباشرة بين القوى والأجهزة الأمنية .

 

ختاماً : لا بد من الوضوح في التعامل والإجراءات والانطلاق من مصالح شعبنا وإرادته حتى لا يردد الكثير : أم أن وراء الأكمة ما وراءها !!

 

إسماعيل هنية

غـــزة

الجمعة 29 محرم 1425هـ

الموافق 19/3/2003مـ