|
(لا
أعرف دولة يوجد بها هذا القدر القليل أو المنعدم لاستقلالية العقل
والمناقشة كما في الولايات المتحدة)
المفكر توكفيل عام 1840م في كتابه – الديمقراطية الأمريكية -
لم يمر في تايخ
البشرية أمبراطورية مهيمنة تفرض سيطرتها العسكرية وأجندتها ومفاهيمها
السياسية بل وثقافتها على العالم مستخدمة لتحقيق ذلك اقصى درجات القوة
وأقذرها في نفس الوقت أسوء من أمريكا .
وحكاية غطرسة القوة
الأمريكية بدأت منذ نشوء الولايات المتحدة ، إذ اعتمدت القوة المجردة من
أية أبعاد أخلاقية الأس المركزي في اقتلاع الجنس الهندي وإحلال
المستوطنين البيض القادمين من أوروبا الاستعمارية ، ومن شاء أن يطلع على
هذه الملحمة القذرة وعل غيرها من الممارسات اللاخلاقية للكيان الأمريكي
فليقرأ كتاب المفكر الأمريكي اليهودي الأصل نعوم تشومسكي بعنوان (الغزو
مستمر) . وبمنطق القوة لاغير اصبح الموطن التاريخي للهنود الحمر وطناً
للبيض الأوروبيين ، بل ان هؤلاء المهاجرين توسعوا على حساب أراضي شعوب
أخرى مثل المكسيك . وإذا قورنت أمريكا بالكيان الصهيوني فان الصهاينة
يسردون في سياق إثبات أحقيتهم في فلسطين دلائل تاريخية ودينية توراتية -
وإن كانت كاذبة - في إطار من القوة فان أمريكا أنشأت كيانها على أساس
القوة فقط عبر الاحتلال والسلب . ولهيمنة القوة على العقل الأمريكي فان
الوحدة بين الولايات تحققت ايضا بفعل القوة عبر الحروب الأهلية الطاحنة .
لم يتوقف اعتماد
فلسفة القوة لدى الكيان الأمريكي عند حدود النشأة والتكوين بل تعداه
لتستمر هذه الذهنية لتحكم عقول معظم المؤسسين والمخططين الاستراتيجيين
الأمريكان ابتداء من جورج واشنطن مرورا بالمفكر الاستراتيجي جورج كينان
صاحب استراتيجية إحتواء الاتحاد السوفييتي وحتى كيسنجر الذي يقول في
كتابه الأخير بعنوان (هل تحتاج أمريكا سياسة خارجية ؟ نحو دبلوماسية
للقرن الحادي والعشرين) والذي صدر قبل تفجيرات نيويورك .. إذ يقول فيه إن
الدوائر العليا في المؤسسة المالية – العسكرية الانجلو أمريكية تشعر
بالقلق لتخوفها من انهيار النظام الاقتصادي وجراء ذلك فان هذه الدوائر
تحسب الحساب لوقوع حرب – وقد خمنوا وقوعها في الشرق الأوسط لكنها حدثت في
افغانستان - لتظل هذه الدوائر مسيطرة على مقاليد السلطة في العالم بأي
ثمن . وبكلمات أكثر وضوحا يذكر كيسنجر بأنه لا حل لحالة الانهيار
الاقتصادي التي يبرز بعض ملامحها إلا إشعال حرب وإقامة نظام دكتاتوري
عالمي (لادارة الأزمة) ، ويبدو أن تفجيرات نيويورك شكلت الفرصة السانحة
لكي تحقق هذه الدوائر أحلامها بالسيطرة على مقدرات العالم ، وقد أكد
كيسنجر بعد التفجيرات الأخيرة هذه المفاهيم في أكثر من مقالة نشرت في
الصحف الامريكية ومنها لوس انجلوس تايمز المقربة من السي أي ايه ، وفي
هذا السياق يمكن ملاحظة التوافق الكبير بين أمريكا وبريطانيا في قيادة
الحملة المزعومة ضد الإرهاب.
وفي نفس الاطار يقول
المفكر الاستراتيجي صاموئيل هنتنجتون في مقالة له بعنوان (تآكل المصالح
القومية الأمريكية ) .. إن عدم التجانس والاختلاف وتعدد الثقافات
والانقسام الى أجناس وأعراق ، قد تجعل الولايات المتحدة تحتاج ربما أكثر
من بلدان أخرى الى جانب آخر تعارضه لكي تحتفظ بوحدتها . وتأكيدا لهذا
المفهوم عبرت لجنة المصالح القومية لامريكا عام 1996م عن طبيعة المشكلة
بالقول ( بعد أربعة عقود من تكريسنا الجهود بصورة غير عادية لهدف واحد هو
احتواء التوسع الشيوعي ، شهدنا خمس سنوات من الجهود المتقطعة غير
المنتظمة وغير الموجهة لغرض معين ، وإذا ما ستمرت هذه الجهود ، فإن هذا
الانسياق سوف يهدد قيمنا ومصائرنا وبالتأكيد حياتنا) . ولذلك يؤكد
هنتنجتون وبصراحة ان الحاجة الان ليست البحث عن قوة تخدم الأغراض التي
تسعى اليها امريكا ، وليست هناك حاجة للتوازن القديم بين القدرات
والالتزامات كما يقول – والتر ليبمان- ، إنما الحاجة الآن للبحث عن أغراض
تستخدم فيها القوة الأمريكية تعبيرا فائض القوة العسكرية المتوفرة الآن .
ولمركزية مفهوم
القوة في الذهنية الاستراتيجية الأمريكية فان أمريكا بعدما تراجع حجم
اقتصادها من 50% من الانتاج العالمي في منتصف القرن الماضي الى حوالي 26%
في الوقت الراهن فقد أُعتمد التركيز على الشق العسكري لضمان بقاء النفوذ
الامريكي العالمي ولأجل ذلك تنفق الولايات المتحدة أكثر من 20 مليار على
جهود البحث العلمي المتعلقة بالشأن العسكري . ولهذا فواشنطن أصرت على
الحفاظ والسيطرة على الأطر الأمنية التي تضمن وجودها في أوروبا وآسيا
(حلف شمال الأطلسي في أوروبا ومعاهدة الدفاع المشترك مع اليابان لتبقى
أمريكا الفارس العسكري القوي والمهيمن .
وفي الآونة الأخيرة
التي شهدت ثورة المعلومات ، وهي ثورة انتجت تأثيرات بالغة على بنية
التكوين الطبقي والقيمي للمجتمع الأمريكي بسبب بروز بوادر لانتقال الثقل
الاجتماعي من الشرائح الاجتماعية الملتصقة مصلحياً بلوبي السلاح إلى
الشرائح التي تعمل في سوق تقنية المعلومات ، وكذلك نزوع المواطن
الأمريكي بشكل أكثر الى عدم الرغبة في تحمل أعباء الهيمنة وما يستتبعها
من سياسات .
ولعلاج هذه المعضلة
عمل المفكرون الاستراتيجيون الامريكان على إنتاج عقيدة عسكرية تتوافق مع
التطور الذي حدث بالمجتمع الأمريكي تعتمد مكوناتها على تقليل انغماس
الأفراد في ميدان المعركة لخفض الخسائر البشرية عن طريق إنتاج سلاح عسكري
يعتمد كثافة النيران وتدمير قدرات الخصم عن بعد وبالسرعة الممكنة .
وتطوير أدوات السلاح بحيث تشمل الاستطلاع والتهديف في آن واحد وما يستتبع
ذلك من دقة في التصويب . وكذلك التركيز على حرب المعلومات وفي إطارها يتم
التركيز على ضرب مراكز القيادة والسيطرة للخصم ومنع انسياب المعلومات
لديه ، بالاضافة الى التفوق في قراءة فضاء المعركة لحرمان الخصم من سرعة
الاستجابة للتغييرات في الميدان لضمان السيطرة عليه . وهي مفردات تم
اعتمادها في حرب الخليج الثانية وضد صربيا وفي أفغانستان وربما في الحرب
المتوقعة ضد العراق .
هذه الذهنية التي
تعيش في فضاء نسق معرفي مؤسس على فلسفة القوة وأدواتها لدرجة أن فائض
القوة في إطارها يلزم أصحاب القرار السياسي ابتداع مصلحة مستحدثة لتفريغ
هذا الفائض ، وهو ما يترجمه السلوك السياسي للإدارة الأمريكية الحالية
وبخطاب سياسي فج ممتد من صقور البنتاغون وحتى بوش ما هو إلا إعادة إنتاج
معاصرة لذهنية جنكيزخان المغولي ولعقلية هتلر النازية ولكن بأدوات عصرية
، وربما تكون الذهنية الأمريكية الحالية أكثر تطرفاً لأن القوة في النسق
الأمريكي هي التي تقرر المصلحة وليس العكس كما هي الحال وفق منطق التاريخ
.
|