الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الاستفتاء ووثيقة الوفاق الوطني: مخاطر إستراتيجية

 

مقال/ عبد الرحمن فرحانة-1/6/2006

   

يدور جدلٌ طويلٌ حول مفردَتيْن جديدتين يجري استعمالها من بعض الأطراف في إطارٍ من الانتهازية السياسية كأداتيْ قوّةٍ في مواجهة الحكومة الفلسطينية الحالية، وهما: وثيقة الوفاق الوطني والاستفتاء.

 

الطرف الفلسطيني الذي خسر الانتخابات طوال الفترة السابقة أعلن على الملأ شعار المعارضة الموالية، لكنّه في حقيقة الأمر تبنّى استراتيجية تعطيلٍ وإفشالٍ بأدواتٍ متنوّعة تدنّت في مستواها السياسي إلى درجة أنّ كثيراً من المحلّلين وجدوا صعوبةً في تفسيرها سوى أنّها تماهيٌ مع أجندة العدو.

 

أدوات الإفشال تنوّعت؛ بعضها أمنيّ جرى خلاله استخدام البندقية المنفلتة لإفشال المشروع الأمني للحكومة متعاضداً مع تلكؤ من كوادر الأمن التابعة اسماً لوزير الداخلية عن القيام بواجباتها، وكذلك تحريك الكادر الوظيفي باتجاه التظاهر لإحراج الحكومة، مضافاً إلى ذلك استراتيجية إعلامية مناكفة تديرها غرفة عمليات واحدة تتبعها غرف أخرى في المدن الفلسطينية، وللأسف أنّ ميكرفون الإذاعة والتلفزيون في فلسطين كان وما زال من أدوات هذه الحملة. وفي الخفاء وسائل أخرى –فوق العادة- يدركها العالمون ببواطن الأمور، بل إنّ المواطن الفلسطيني يعلم الكثير عنها، وهي ممارسات يمكنها أنْ تؤسّس لديكتاتورية جديدة كاختراع حديثٍ في الفقه السياسي يمكن تسميته بديكتاتورية المعارضة.

 

يبدو أنّ الأدوات السابقة لم تكنْ كافية وفشِلتْ في مواجهة وإضعاف الحكومة كما أسرّ أبو مازن في غرفٍ مغلقة في عاصمة عربية؛ بل إنّها أنتجت تعاطفاً والتفافاً من الشعب تجاه حكومته الشرعية المنتخبة بعكس ما استهدفته. ولأنّ الوسائل السابقة أدّتْ إلى اهتزاز صورة الأطراف المناكفة للحكومة وأدّتْ إلى تآكل شعبيتهم، يجري اليوم استخدام أدواتٍ سياسية مغايرة لحصار الحكومة وإسقاط برنامجها عبر مفرداتٍ سياسية تبدو بريئة في ظاهرها ولكنّها في الحقيقة ألغامٌ موقوتة ربما تؤدّي لنسف ثوابت الحق الفلسطيني.

 

ودعونا نناقش أهمّ أداتيْن يجري استخدامهما، ألا وهما: وثيقة الوفاق الوطني والتلويح بالاستفتاء.

 

وثيقة الوفاق الوطني في صياغتها تتضمّن لغةً سياسية تتعمّد التعميم في القضايا المفصليّة الحساسة ذات البعد الاستراتيجي والمختلف عليها وتميل إلى التصريح في المسائل غير الخلافية تقريباً، وهي تحوي كمائن سياسية كثيرة لمن يتمسّك بثوابت الأجندة الوطنية.

 

إشكالية الوثيقة أنها لا تأتي في سياقٍ وطنيّ تراكميّ يضمّ توافقات القوى الوطنية وإنما يجري استخدامها من "أبو مازن" كأداة ضغطٍ على الحكومة الفلسطينية ولتفكيك الإجماع الفلسطيني حول برنامج هذه الحكومة.

 

والخطورة الاستراتيجية في بُنْيَتها أنّ بعض الأطراف تريد أنْ تخلق وفاقاً وطنيّاً من خلال الوثيقة يتضمّن شرعنةً لتنازلاتٍ وطنية تتساوق مع أجندة التسوية.

 

الوثيقة كممارسةٍ في جوهرها عمل وطنيّ حميد، وإذا خلصت النيات فالأوْلى أنْ لا يمارس أبو مازن الضغط بصيغة ابتزازية إمّا كذا وإلا كذا، وإنما المفترض أنْ يدعو كرئيسٍ فلسطينيّ إلى تطوير الوثيقة بحيث تتوافق مع الرؤى الفلسطينية المختلفة لتتحوّل إلى وثيقة إجماع وطني. وبشكلٍ واضحٍ لنْ تنجح الوثيقة كورقةٍ وطنية إلا إذا تضمّنتْ رؤى قوى الخارطة السياسية الفلسطينية.

 

أمّا الاستفتاء في ظرف الحصار وتحت ضغط التجويع فلا يمكن أنْ يُسمّى استفتاءً شعبياً؛ بل هو مساومة واضحة وابتزاز سياسيّ، وإلا فما معنى أنْ تقوم أمريكا و"إسرائيل" بحصار الشعب الفلسطيني ثم تقوم فئة أو سلطة فلسطينية باستفتاء الشعب على مفردات سياسية لها علاقة وتماس برغيف الخبز الذي يمنعه الحصار. لا أحد يقبل أنْ يضع رغيف الخبز في كفّة وحقّه الوطني في الكفّة الثانية، ولم يمرْ في تاريخ حركات التحرّر التي قاومت الاستعمار أنْ قَبِلت بهذه المعادلة الجائرة.

 

ولنطرح التساؤل التالي: هل من المعقول أنْ يُطرَح استفتاءٌ في أميركا حول تقكيكها لولايات منفصلة مثلاً؟ وهل تقبل "إسرائيل" من حيث المبدأ أن تطرح استفتاءً حول يهودية الدولة؟

 

إنّ للشعوب ثوابت سياسية يتعامل معاً العقل السياسي "مقدس سياسي" والشعب الفلسطيني كبقية الشعوب له ثوابت لا تخضع للاستفتاء، مثل "فلسطين من البحر للنهر".

 

يمكن لبعض القوى السياسية أنْ تتحرّك في سقفٍ سياسيّ أقلّ من ذلك في ظروفٍ سياسية قاهرة وفي إطار مرحليّ، لكن لا يقبل عقلاً ولا شرعاً أنْ تطرح الثوابت في استفتاءٍ شرعيّ.

 

وفي المجمل فإنّ الوثيقة خلطت بين السياسي والاستراتجيّ، والاستفتاء يُراد له أنْ يكون الآلية السياسية لشرعنة التنازل الاستراتيجي فيها.

 

ينبغي أنْ تسدّ الثغرات الاستراتيجية في الوثيقة المتعلقة بحقّ العودة واللاجئين ومسألة الشرعية الدولية وغيرها في صياغة سياسيةٍ محكمة تحمي هذه الثوابت ومن ثمّ تتحوّل الوثيقة إلى ورقةٍ وطنية للحوار.