|
المعلّق الصهيوني
"عاموس هرئيل" في صحيفة "هآرتس" يشير في معرض مقالٍ له بعنوان "حماس تنزل
عن الشجرة"؛ إلى أنّ المستوى الأمني الصهيوني يعتبر حادثة "جباليا"
الأخيرة؛ ما هي إلا "كارين إي" جديدة -سفينة الأسلحة التي اتُّهِم عرفات
بتهريبها- تستهدف هذه المرة حماس، والمقصود هو الإيقاع بالحركة
"وشيطنتها" على كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية.
وفي الإطار نفسه؛
مجموعة من المعلقين الصهاينة؛ منهم "داني روبنشتاين" في هآرتس؛ انتقدوا
بشدّة حملة "أول الغيث" التي تضمّنت قصفاً مركّزاً للقطاع بالطائرات
والمدفعية الثقيلة؛ في ظلّ طموحات "موفاز" الرامية لتأسيس "قواعد لعبة
جديدة" من خلال فوهات المدافع، وعلى صورة حالة "جنوب لبنان" التي كانت
سائدة أيام الاحتلال الصهيوني له. ملخّص الانتقاد أنّ فوهة المدفع لن
تزيد حماس إلا قوة؛ والبديل من وجهة النظر هذه؛ هو العودة إلى المعالجة
السياسية؛ من خلال العبور على "جسر" السلطة الفلسطينية.
في ذات السياق
أيضاً؛ ذكرت صحيفة المنار الفلسطينية؛ أنّ الشهور الثلاثة الأخيرة شهدت
لقاءاتٍ واتصالاتٍ سرية بين أطرافٍ أوروبية وإقليمية بمشاركة أمريكيّة
وصهيونية بغرض دراسة الساحة الفلسطينية وصورة مستقبلها بعد "فك
الارتباط". وبحسب الصحيفة فقد شارك في الحراك مسؤولون أمنيون
واستراتيجيون وخبراء مختصون من الجهات المشاركة وتوافقوا على وضع
استراتيجيةٍ باسم "الاستراتيجية الجديدة لأمريكا والحلفاء والأصدقاء وخطط
مواجهة الأعداء المشتركين". وفحوى الاستراتيجية هو ضرب حركتي "حماس"
و"الجهاد" بالتعاون مع السلطة والأطراف الإقليمية، ومن ضمن مفرداتها
استهداف رموز الحركتين في الخارج عبر المطاردة والتضييق والاغتيال. وتشير
الصحيفة إلى أنّ التعيينات الجديدة التي أجراها "دغان" رئيس الموساد
الصهيوني؛ ربما تُقْرأ على أنها تهيئة الجهاز للمهمة الجديدة.
صورة الميدان
الفلسطيني تؤشّر على أنّ الحملة بدأت بالفعل وبممارساتٍ شهدتها الساحة
الفلسطينية؛ وبدت ملامح التوافق بين السلطة والكيان الصهوني؛ ومؤشّرها
الاتفاق على لقاء "شارون" و"أبو مازن"؛ وما رشَح حول "عربونٍ" بسيطٍ من
قِبَل شارون لتمرير الصفقة وهو انسحابٌ من مدينة فلسطينية وإطلاق عددٍ من
الأسرى؛ في محاولةٍ لتلميع صورة السلطة في عين الشارع الفلسطيني؛
وكرافعةٍ لها؛ في ضوء التقديرات الصهيونية التي تعتبر أنّ ضعف السلطة
"خلل استراتيجي" يمسّ الأمن الصهيوني الشامل.
والحملة في
مجملها تستهدف "خيار المقاومة" بعنوانيه الفلسطينيين "حماس والجهاد
الإسلامي"؛ لكن التركيز يجري على حركة حماس بشكلٍ مكثّف؛ باعتبارها مركز
الكتلة في هذا الخيار.
وحينما يقرأ
المراقب صورة المشهد وتداعيات الحملة وحِراكات فاعليها؛ يمكنه أنْ يضع
خارطةً عامّة لها من خلال هيكلتها بالمفردات التالية:
·
العمل على تشويه صورة الحركة في الشارع الفلسطيني من
خلال افتعال صداماتٍ وتحميل الحركة مسؤوليتها؛ في محاولةٍ لتفكيك حالة
التلاحم بينها وبين الجمهور الفلسطيني؛ لضرب برنامج المقاومة وعنوانه
الحركي والسياسي.
·
التشكيك في الخيارات والمواقف السياسية للحركة؛ بل
والمسّ بثوابتها ؛ بمحاولة الترويج بأنها على وشك الدخول في دائرة
التدجين السياسي واستدبار خيار المقاومة؛ من خلال الزعم بأنّ الحركة
توشِك أنْ تعدّل ميثاقها؛ ويأتي في هذا السياق تحريف أقوال أحد قادتها
الدكتور محمد غزال من قِبَل وكالة "رويترز" حول الميثاق.
·
الانتقاد الحادّ لأدائها السياسي في المرحلة الأخيرة
من قِبَل بعض العناصر في الوسط الإعلامي –الصهيوني والعربي- بهدف التشكيك
بقدرتها على الفعل السياسيّ؛ والتشويش على أدائها في الفترة الأخيرة؛
خاصةً وأنّها تمكّنت في الأشهر الماضية بعد إعلان القاهرة من المزاوجة
المنضبطة بين الفعل السياسي والمقاوم وبشكلٍ أزعج معظم الأطراف،
والمحصّلة النهائية لهذا الاستهداف هي خلق وعيٍ فلسطينيّ يؤمِن بأنّ
الحركة لا تستأهل مرتبة الشراكة السياسية في القرار الفلسطينيّ، وبأنّ
خيارها مُكلِف وليس بمقدور الشعب الفلسطيني تحمّله في الظرف الراهن.
·
خلق حصارٍ لستراتيجي لفضاءات الحركة الإعلامية
والسياسية لإضعاف أدائها السياسي والإعلامي؛ ولحرمانها من صناعة مواقفها
السياسية باقتدار، والدفاع عنها بكفاءة.
·
الهدف الميداني القريب والمجمل للحملة هو حرمان
الحركة من الوصول للتشريعي؛ باعتبار أنّ هذه الخطوة ستمنح الشرعية
السياسية للحركة؛ وستضعها في قلب النظام الفلسطيني على قاعدة الشراكة،
وهو ما سيُصعّب مسيرة قاطرة التسوية، وما يستبطنه من نجاحٍ للمشروع
الإسلامي في أعقد الساحات وأصعبها؛ وما يعنيه من محاكاةٍ واستنساخٍ له في
ساحات الإقليم التي تتهيّبه.
في المختصر؛ هذه
الحملة الدولية تستهدف خيار المقاومة باعتبارها أداة القوة الوحيدة التي
لدى الأمّة للمانعة؛ وبتواطؤ رسمي إقليمي مختلف الدرجات. ولأنّ المقاومة
هي المقابل الموضوعي للخضوع والتماهي مع الأجندة الإمبريالية الحديثة؛
فعلى كلّ القوى والنخب في الأوساط السياسية والثقافية بكافة أطيافها
وخاصة في فضاء الظاهرة الإسلامية؛ وحتى الرموز التي تقف على شواطئ الطبقة
السياسية الرسمية في العالمين العربي والإسلامي المتحرّرين من أثقال
وضرورات المواقف السياسية الرسمية؛ أنْ يتحرّكوا جميعاً باتجاه تصعيد
حملة مضادة بمفردات إعلامية وفعاليات سياسية وثقافية لإجهاض هذه الحملة
وحماية المقاومة؛ التي تجسّد شرف الأمة ورافعة نهضتها.
والحالة تستدعي
التحرّك السريع؛ وبشيءٍ من الجرأة فوق العادة؛ وبعيداً عن الشعارات
والمزايدات باتجاه دائرة الفعل، لنزع غلاف الانكسار المراد بناؤه
بالمنطقة في فضاءٍ مشبع بثقافة الهزيمة.
|