|
الاحتلال تربة
خصبة لاستنبات ظاهرة العمالة بسبب استهدافه العناصر التي تعيش في قاع
المجتمع أو على هوامشه اجتماعياً
لظروف اقتصادية أو اجتماعية استثنائية ، وفي ذات الوقت هناك حالات يتلمس
عناصر استخبارات العدو قشرة الضعف لدى الأفراد ذوي الروح الوطنية الضحلة
بسبب خلل في التربية الدينية أو الثقافة الوطنية . وهي حالة تاريخية
متكررة لا ينفرد بها المجتمع الفلسطيني ؛ إذ طالما وجد الاحتلال وجدت
العمالة . ولم يخل مجتمع من شوائب حتى المجتمع المثالي الأول الذي جسده
المجتمع النبوي ، حيث تولّد المنافقون في هذا المجتمع الإنساني الفريد في
مثاليته . وفي بنية المجتمع الفلسطيني الحالية تتقدم جاهزية الاستشهاد
على ظاهرة العمالة بفروقات وتائرها عالية ؛ وقد أشارت جملة من الدراسات
على أن أكثر من ثلث المجتمع الفلسطيني لديه الرغبة في تنفيذ عملية
استشهادية ، وهي حالة ثورية عالية في هذا المناخ العربي المشبع بمؤثرات
الانكسار .
الحالة
الفلسطينية تتضمن عوامل موضوعية قسرية تخصّب من إمكانات وقوع الشباب في
شرك العمالة أهمها التداخل الديمغرافي مع العدو والتشابك الاقتصادي معه ،
فضلاً عن تحكم الاحتلال في الحاجات الضرورية للمجتمع الفلسطيني ، وهي من
أهم الأدوات التي يستخدمها ضباط المخابرات الصهاينة في ابتزاز الشباب
الفلسطيني وغيرهم من فئات المجتمع .
تنبع خطورة ظاهرة
العمالة كونها أداة محلية مموهة يستخدمها العدو في الخفاء لتدمير المجتمع
الفلسطيني عبر آليات تتضمن :
-
تسويق
الرذيلة وجملة من الأخلاق الرديئة وخاصة بين أفراد الفئات العمرية
الفتية التي تشكل دينمو التغيير بغية تدمير
البناء الأخلاقي للمجتمع الفلسطيني . إذ إن تمزيق المجتمع أخلاقياً
واجتماعياً يدمر قاعدة المقاومة وذلك لأن انغماس الشباب في حمأة الخطيئة
يفقدهم القدرة على استكناه شخصية هويتهم وتحمل الأعباء التي يفترضها
الوعي بالهوية الوطنية .
-
يشكل العملاء أداة فاعلة بيد العدو لتدمير الروح
المعنوية للمجتمع الفلسطيني عبر بث الشائعات والمفاهيم التي تضلل الوعي
الوطني وتوهن مفردات الهوية الوطنية .
-
الدور المباشر والأكثر خطورة المتمثل بالخدمات
اللوجستية والاستخبارية التي يقدمها العملاء لاستهداف عناصر المقاومة
وبالذات قياداتها الفاعلة .
مزيج العناصر
الثلاثة المذكورة تؤسس لقناعة مفادها أن العملاء شركاء للاحتلال ، وهم
كأداة أخطر من العدو باعتبار أن تحييدهم سيوقع الاحتلال في حالة عمى
استخباراتي ؛ وبالتالي سيفتقد قدرة السيطرة على جاهزية المجتمع للمقاومة
.
والحال كذلك هل
ستكون معاملة العملاء والاحتلال سواء ؟
من حيث المعاملة
الأداتية المباشرة ينبغي معاملتهم على نفس المستوى من المواجهة لأنهم
الجزء المكمل بل المقدمة الأولى لقوى الاحتلال .
ولكن على الصعيد
الاستراتيجي يستلزم من قوى المجتمع الفاعلة سواء فصائل المقاومة أوالسلطة
وغيرهما أن تعمل على إنتاج رؤية موحدة تستتبعها وعلى ضوئها برامج ملموسة
لمعالجة الظاهرة على مستوى مجتمعي وسلطوي عام تشترك فيه بنية المجتمع
بكافة عناصرها ذات العلاقة .
وفي الحالة
النموذجية للمعالجة ينبغي دراسة الظاهرة من اختصاصيين في المجالات
المتعلقة بها لفهمها معمقاً ولطرح علاجات ناضجة على قاعدة الممكن بما
يتوافق مع خصوصيات المجتمع الفلسطيني لمواجهتها بتوافق مجتمعي عام برؤية
موحدة وآليات متفق عليها . ولا يعني غياب أو تأخر تنفيذ هذه الأطروحة ذات
النفس الشمولي أن يتوقف العلاج الإسعافي
الفوري المباشر لخطر العملاء . وفي مقدمة الجهات التي يتوجب أن تتحرك في
هذا الجهد الإنقاذي هي فصائل المقاومة باعتبار عناصرها من أكثر
المستهدفين من قبل هؤلاء القتلة – بالوكالة .
ومن جملة
المفردات التي يستحق أدراجها في مواجهة هؤلاء القتلة – السرّييّن ما يأتي
:
-
تصليب
حصانة المجتمع عبر آليات تثقيف جماهيري لبث الوعي الوطني بغية تحصين
العناصر محتملة الوقوع في شرك العمالة ولتعزيز الثقافة الوطنية لدى
الجماهير لكي نصل إلى حالة يقوم فيها الوسط الاجتماعي لمقاومة العملاء
ذاتياً ، وحتى نحيّد حالة الحميّة التي تصيب ذويهم حينما يُستهدف هؤلاء
العملاء في حالتي المطادرة والقتل . ومن أفضل القنوات لإيصال هذه الثقافة
الوطنية التلفزيون الرسمي للسلطة ومحطات التلفزة والإذاعات المحلية
بالإضافة للصحف اليومية . وذلك من خلال مادة ذات مضامين وعظية مباشرة
وأخرى ثقافية شاملة لتنمية الوعي الوطني وتحصين مفاصل الضعف لدى بعض فئات
المجتمع .
-
تعزيز الرصد الاستخباراتي وبالذات من قبل
فصائل المقاومة وخلق آلية متابعة ومطاردة كي يعيش العملاء في بيئة غير
مستقرة وحتى يشعروا بالثمن الباهظ جراء عملهم ، ولاستنفاد جهودهم في
توفير الحماية لأنفسهم وفق استراتيجية تعتمد قاعدة الإشغال والمطاردة
والفضح العلني لهم أمام المجتمع
-
توفير بيئة وآليات قضائية خاصة متفق عليها
للتحقيق مع العملاء ومحاكمتهم ولايقاع العقوبة المناسبة بحقهم لتقليص
حيثيات ومبررات التنازع في هذه القضية الجدلية والحساسة
-
تفعيل العمل الدعوي الوعظي عبر مؤسسة المسجد
باعتبار الثقافة الدينية من أهم أدوات الحصانة الذاتية للمجتمع وللفرد
على حد سواء
عقبات التنفيذ
يلاحظ أن الفصائل في
حقبة ما قبل أوسلو قد قامت بإعدام المئات من العملاء حتى جاءت السلطة
بالتزامات أوسلو التي تلزم السلطة بعدم التعرض لهؤلاء العملاء . ومن
الجدير ملاحظته أيضاً أن الفصائل كانت تتحرك لمعالجة هذه الظاهرة ما بعد
أوسلو وبالذات خلال انتفاضة الأقصى الجارية على شكل هبات سرعان ما تنطفئ
بسبب العقبات السياسية والاجتماعية التي
تعترضها .
على إثر اغتيال
الشهيدين الشيخ أحمد ياسين والقائد عبد العزيز الرنتيسي تفاعلت الجهود
باتجاه محاربة الظاهرة ولكن كالعادة رفعت السلطة عقيرتها حول شرعية الجهة
المخولة بتنفيذ برنامج ملاحقة العملاء .
وفي هذا الإطار يقول
العقيد أبو شباك مدير جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني "مادامت هناك سلطة
وطنية فلسطينية مسؤولة عن الأمن الداخلي فإنه يتوجب عليها أن تقوم
بواجبها في محاربة هؤلاء
العملاء والقبض عليهم وتقديمهم للعدالة " ، وكذلك
أطلق العقيد الرجوب تصريحات مماثلة تعليقاً على توجهات الفصائل لمحاربة
العملاء .
وهنا تثور جملة من
الأسئلة التي تبحث حائرة عن أجوبتها :
-
من ينازع السلطة شرعيتها إن هي فعلاً جدّت في
معالجة ظاهرة العملاء وتنصلت من التزامات أوسلو التي ما زالت تلتزمها رغم
انهيار هذه الاتفاقية؟
-
بل ما سر استمرار التزام السلطة بهذا البند
المتناقض مع الأجندة الوطنية أصلا؟
-
وهل الشرعية منحة مجانية أم أنها تقوم على
قاعدة الحقوق والواجبات المناطة بأية سلطة ؟
-
ولماذا يتم التحدث عن الشرعية من قبل السلطة
فقط في الحالات التي عندما تضرب فيها المقاومة العدو أو عندما تتحرك
لمواجهة ظاهرة العملاء ؟
-
ولو قارنا الجهد الأمني الذي بذلته السلطة
إزاء محاربة المقاومة وظاهرة العملاء في مرحلة أسلو البائدة .. فبأي
اتجاه كان الجهد الأمني أعظم ؟
مع ذلك وحرصاً على
الوحدة الوطنية فلا بد أن يتم توافق لمحاربة هذه الظاهرة القاتلة
باعتبارها من أعظم الأخطار التي تتهدد المجتمع الفلسطيني وصموده . ولكن
لا ينبغي على أي حال التوقف عند حالة عاطفية متأججة سرعان ما تنطفئ
كما انطفأ غيرها من الموجات السابقة .
|